صحافة الماعز
شاركت قبل يومين في لقاء مناقشة بدعوة من منظمة العفو الدولية، فرع المغرب، ضمن أنشطة هذا الأخير في المعرض الدولي للنشر والكتاب، حول موضوع “حرية الصحافة في زمن السلم والحرب”، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة؛ ولم أجد ما أعبّر به عن أوضاع الصحافة في المغرب، سوى الإحالة على الفيلم السينمائي “حياة الماعز”، لما اجتمع على الصحافيين المغاربة من أهوال وكوارث ومصائب، فيها الخارجي-الكوني وما هو داخلي. فيها المقدّر ومنها المفتعل ومن فعل البشر…
لا تحتاج الصحافة المغربية اليوم إلى من يعلن وفاتها. تكفي نظرة واحدة إلى وجهها لكي نفهم أنها ليست بخير، وأنها لم تعد مهنة تُمارس بحد أدنى من الكرامة والاستقرار والاستقلال، بل باتت جسدا متعبا يُساق من أزمة إلى أخرى، ويُطلب منه، مع ذلك، أن يواصل المشي والكتابة والتصفيق لمن يذبحه ببطء.
صحافتنا تعيش حالة بهدلة كاملة، بهدلة لم يسبق لها، فيما أظن، مثيل بهذا الشكل الفج منذ عرف المغرب أشكاله الأولى للصحافة الحديثة.
لا هيئة تنظيم ذاتي، ولا بطاقة مهنية تضمن للصحافي حدّا أدنى من الانتماء المهني، ولا نموذج اقتصادي يتيح للمقاولة أن تعيش من السوق، ولا سوق نفسها تُركت لتشتغل بقواعد عادلة.
كل شيء تقريبًا مكسور، أو معطوب، أو مؤجل، أو موضوع في غرفة الإنعاش.
ولأن القتل لا يتم دائما بالرصاص، فقد جرى قتل الصحافة هنا بوسائل أكثر هدوءا، وأكثر مهارة في إخفاء الجريمة.
قُتلت بالتأخير، وبالتجويع، وبالتعويد على المهانة، وبخلق وضع شاذ يصبح فيه الأجر رهينا بما إذا كانت الدولة قد صرفت دعما أم لا، كأن المؤسسات لم تعد مقاولات، بل مجرد ممرات لعبور المال العمومي إلى جيوب الأجراء.
لم نسقط في هذا القاع فجأة. لقد بدأ كل شيء، أو تكثف على الأقل، مع لحظة كورونا. يومها كان الاستثناء مفهوما، وكان التدخل العمومي مشروعا، وكان يمكن التسامح مع كثير من الارتجال لأن البشرية كلها كانت تحت الصدمة. لكن ما كان ينبغي أن يكون جسرا مؤقتا تحول إلى حكم مؤبد.
فبينما امتدّت يد الدولة لتمارس “الموت الرحيم” وتجهز على النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحافية بتوقيفها الطبع والتوزيع، لم يولد نموذج اقتصادي جديد، بل جرى ترسيخ اعتماد مرضي على المال العمومي، واختلط في السوق الدعم المشروع بالتحكم، والمساندة بالتدجين، والاستثناء بالاعتياد.
من هنا بدأ الخراب الحقيقي. الدعم، في صيغته المغربية الحالية، لم يكتف بإنقاذ من كان يستحق الإنقاذ، بل ساهم في إعادة تشكيل السوق نفسها على مقاس أكثر المنابر استعدادا للطاعة، وأكثرها قابلية للعيش في حظيرة الريع.
المال العام، المعلن منه والخفي، لم يعد مجرد وسيلة مساعدة لقطاع هش، بل صار أداة لفرز الصحافة بين منابر تُسمَّن وتُعلَّف وتُطلق لأداء المهام المطلوبة، وبين أخرى يُراد لها أن تتعب، وأن تضعف، وأن تقتنع، في النهاية، بأن الاستقلال رفاهية لا يقدر عليها إلا الأغبياء.
وفوق هذا كله، هناك المال الفاسد والمال الحرام، الآتي من شبكات المصالح التي لا تستثمر في الصحافة لكي تربح من الصحافة، بل لكي تربح بالصحافة عبر بالابتزاز، والتشهير، وتبييض الصورة، وحماية النفوذ، وشراء الصمت (أو النباح)، كلٌّ بحسب الوظيفة المطلوبة منه.
هذه ليست سوقا إعلامية؛ هذه مزرعة كبيرة تُخلط فيها الأعلاف بالأوامر.
المجلس الوطني للصحافة، الذي كان يفترض أن يكون بيت التنظيم الذاتي، كان أول هدف للاقتحام والتخريب بأدوات الدولة، التشريعية والتنظيمية.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي نفسه سجل أن غياب المجلس الوطني للصحافة منذ سنوات يُفقد المنظومة الإعلامية ركيزة حماية لا غنى عنها. وحين يغيب المجلس، لا تغيب مؤسسة إدارية فقط، بل يغيب معنى الصحافة، وتغيب فكرة أن للمهنة بيتا تشكو إليه، وأن لها إطارا ينظمها ويدافع عن استقلالها ويمنحها الحد الأدنى من معنى الخدمة العامة.
حتى بطاقة الصحافة المهنية، ذلك الحد الأدنى الذي يثبت الصفة والانتماء، دخلت هي الأخرى منطقة التعليق والفراغ والارتباك. وحين يصبح الصحافي، كائنا طفيليا ومنتحلا لصفة مهنية و”نكرة”، فهذه صورة مكثفة عن درجة العبث التي وصلنا إليها.
ولأن المأساة لا تكتمل إلا إذا اجتمع فيها الفقر والإهانة، فقد صار الصحافيون، في الأيام الأخيرة، يكتبون على منصات التواصل الاجتماعي ما يشبه الأنين الجماعي. شكاوى من غياب راتب أبريل، وتلميحات إلى العجز، وتبرّم من الانتظار، وغضب من مؤسسات استفادت سنوات من الدعم، وكعكة الإشهار، والشراكات، ثم وجدت نفسها، أو وجد صحافيوها أنفسهم على الأقل، بلا قدرة على تلقي الأجور في موعدها.
مهنة كاملة تتكلم بصوت المقهورين، فيما يفترض أنها “سلطة رابعة”. هذه، في ذاتها، فضيحة عالمية.
أن يتحول الصحافي من فاعل يطالب للناس بحقوقهم، إلى أجير يئن في آخر الشهر على منصته، فهذا يعني أن الدولة والسوق، معا، قد نجحا في تكسير عظام المهنة.
كل القطاعات خرجت من كورونا أو تعلمت كيف تعيش بعدها. التجارة تأقلمت، والسياحة استأنفت، والنقل عاد، والمطاعم امتلأت، والمهرجانات رقصت، حتى كرة القدم صارت تبيع أوهامها بأثمان خيالية… وحدها الصحافة ظلت عالقة في تلك اللحظة الأولى من الذعر، كما لو أن الزمن توقف عندها وحدها. وهذا ليس قضاء وقدرا. هذا قرار سياسي واقتصادي وأخلاقي.
قرار بأن تبقى الصحافة معلقة بين دعم لا يكفي للحياة ولا يسمح بالاستقلال، وسوق مختلة لا تكافئ الجودة بقدر ما تكافئ القرب والولاء والقدرة على التلوث.
قرار بأن يظل الصحافي خائفا على أجره، وعلى بطاقته، وعلى مؤسسته، وعلى حريته، حتى لا يبقى لديه فائض نفسي أو مهني كاف لإزعاج أحد.
أقول إن ما يجري ليس مجرد أزمة قطاع، بل مشروع كامل لتصفية الصحافة بوصفها وظيفة مزعجة. لا أحد يحتاج اليوم إلى إغلاق الجرائد بالشمع الأحمر، ولا إلى تعليق المطبوعات على أبواب المطابع، ولا حتى إلى ملء السجون بالصحافيين لكي يقتل المهنة؛ يكفي أن تُترك بلا تنظيم ذاتي، وبلا سوق سليمة، وبلا أجور مستقرة، وبلا بطاقة مهنية، وبلا حماية من المال الفاسد، وبلا قدرة على بناء مواردها الخاصة خارج رحمة الدولة وعمالقة المنصات وشبكات المصالح.
يكفي أن تتحول إلى مهنة يشتغل أهلها تحت منسوب دائم من الخوف والاحتياج، لكي يبدأ الموت الصامت.
الصحافي لا يموت فقط حين “تخرج” روحه. بل يموت أيضا حين يعجز عن القول. ويموت حين يعرف ولا يكتب. وحين يرى ولا يفضح. وحين ينتظر تحويلة الدعم أكثر مما ينتظر السبق.
يموت الصحافي حين يصبح همه آخر الشهر لا أول الحقيقة. وحين يضطر إلى ابتلاع الإهانة لأنه يعرف أن السوق كلها ضده، وأن “الاستقلال” في هذا الخراب قد يصير اسما آخر للبطالة.
هذا هو حالنا اليوم. صحافة مذبوحة دون دم يسيل، ومهنة قائمة شكلا، لكنها ميتة وظيفة، ومؤسسات تتنفس من أنبوب الدولة، وأخرى تتغذى من المال الفاسد، وصحافيون معلّقون بين أنين الأجور المؤجلة ومرارة الانتماء إلى مهنة لم يعد أحد يعرف من يديرها، ولا من يحميها، ولا من ينقذها من هذا الانحدار العظيم.
أستسمح جمهور الكرة في الاستعارة من هتافهم الذي ينطبق على “شعب الصحافة” هذه الأيام: لمن نشكي حالي.. الشكوى للرب العالي.. غير هو لي داري.. في هاد البلاد عايشين في غمامة.. طالبين السلامة.. نصرنا يا مولانا…