المصادقة على مشروع قانون “مجلس الصحافة” تعمق الجدل وسط انتقادات مؤسساتية وحقوقية وسياسية
صادق مجلس النواب، أمس الإثنين 04 ماي 2026، على مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل الواسع الذي رافق هذا النص منذ طرحه، خاصة في ظل تعدد الأصوات الرافضة له أو المتحفظة على عدد من مقتضياته، في سياق يتسم بحساسية متزايدة تجاه وضعية حرية الصحافة بالمغرب، ما منح هذا النقاش أبعادا تتجاوز الإطار التقني إلى رهانات مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الدولة والإعلام.
تخوف من اختلال التوازن وتحذير من المساس بحرية التعبير
في هذا السياق، سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي جملة من الملاحظات الجوهرية في رأيه الاستشاري حول المشروع، حيث دعا إلى ضرورة توضيح الإطار القانوني للمجلس وتعزيز تماسكه المؤسساتي، مع التأكيد على أهمية ضمان تمثيلية متوازنة داخل تركيبته. وأبدى المجلس تخوفه من أن تؤدي بعض المقتضيات إلى إضعاف مبدأ التعددية داخل الهيئة، خاصة في ما يتعلق بتمثيل مختلف الفاعلين، بما في ذلك المجتمع المدني، وهو ما قد يؤثر على دور المجلس كآلية للتنظيم الذاتي ذات بعد تشاركي.
كما شدد على أن أي إصلاح لهذا الإطار يجب أن يراعي الحفاظ على استقلالية المجلس عن مختلف أشكال التأثير، وأن يضمن وضوحا في الاختصاصات وتوازنا في السلط داخل بنيته، بما يعزز الثقة في أدائه ويكرس مصداقيته كمؤسسة مهنية.
انتقادات حقوقية.. التحذير من المساس بحرية التعبير
من جهته، عبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن قلقه من عدد من المقتضيات التي يتضمنها المشروع، معتبراً أنها تستدعي مراجعة لضمان توافقها مع الدستور والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حرية التعبير والصحافة. وأكد المجلس على ضرورة تحصين مبدأ التنظيم الذاتي، وتفادي إدراج آليات قد تُفهم على أنها أدوات للضبط أو التقييد بدل التأطير المهني.
كما نبهت أصوات حقوقية إلى مخاطر توسيع الصلاحيات التأديبية بشكل قد يفتح الباب أمام تضييق غير مباشر على حرية العمل الصحافي، خاصة في ظل غياب ضمانات كافية تحول دون استعمال هذه الصلاحيات بشكل قد يؤثر على التعددية وحرية الرأي.
انتقادات سياسية.. غياب التشاور ومخاوف من توسيع النفوذ
سياسيا، وجهت مكونات من المعارضة انتقادات حادة لطريقة تمرير المشروع، معتبرة أنه لم يخضع لنقاش عمومي ومهني كاف، ولم يدمج بشكل فعلي ملاحظات الفاعلين في القطاع. كما عبرت عن تخوفها من أن يؤدي المشروع إلى تقليص هامش استقلالية المجلس، سواء من خلال بعض آليات التعيين أو عبر توسيع نطاق التدخل غير المباشر للسلطة التنفيذية.
واعتبرت هذه الأطراف أن الإصلاح الحقيقي للقطاع ينبغي أن ينطلق من تعزيز حرية الصحافة وتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للصحافيين، بدل التركيز على الجوانب التنظيمية والزجرية، محذرة من أن استمرار هذا النهج قد يفاقم أزمة الثقة بين الفاعلين في الحقل الإعلامي والمؤسسات.
سياق متوتر وأسئلة مفتوحة
تأتي هذه المصادقة في ظرفية تتسم بتزايد النقاش حول واقع الإعلام في المغرب، خاصة على ضوء تقارير دولية حديثة نبهت إلى تحديات مرتبطة بحرية الصحافة واستقلاليتها. وهو ما يجعل من هذا القانون محطة مفصلية تطرح أسئلة عميقة حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة، وحدود تدخل الدولة، وإمكانيات بناء نموذج إعلامي متوازن يجمع بين الحرية والمسؤولية.
ويرى متابعون أن تمرير المشروع، رغم حجم الانتقادات، لا ينهي النقاش بل قد يفتحه على مرحلة جديدة من التجاذب، في انتظار ما ستكشف عنه الممارسة الفعلية لهذا الإطار القانوني، ومدى قدرته على الاستجابة لانتظارات المهنيين وضمان بيئة صحافية حرة ومستقلة.