story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

راقبوا “الدوائر المتأرجحة”

ص ص

عندما تُجرى الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، يعرف الجميع تقريبا أن ملايين الأصوات التي تُصبّ في صناديق ولايات محسومة سلفا لهذا الحزب أو ذاك لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به بضعة آلاف من الأصوات في بنسلفانيا أو ميشيغان أو ويسكونسن.

هناك في بلاد العم سام وُلد التعبير الشهير “الولايات المتأرجحة” الذي لا يعني أن أصوات الأميركيين في باقي الولايات بلا قيمة، بل يعني ببساطة أن السياسة، حين تتحول إلى بيانات وأرقام، لا تتوزع أهميتها بالتساوي على الجغرافيا.

وعندما جالست الأسبوع الماضي أستاذ الجغرافيا السياسية، مصطفي اليحياوي، وأقنعني أن الحسم في انتخابات 23 شتنبر سيأتي من 59 دائرة، أي تلك التي تتوفّر على مقعدين أو ثلاثة، وليس الدوائر ذات الأربع أو خمس أو ست مقاعد، جاءت فكرة هذا التمرين الذي يصنع غلاف العدد الجديد من مجلة “لسان المغرب“.

لم نحاول أن نستورد النموذج الأميركي، ولا أن نزعم أن النظام الانتخابي المغربي يشبه نظام المجمع الانتخابي في الولايات المتحدة. الفارق بينهما أوسع من أن يحتاج إلى شرح. لكن الفكرة التي استعرناها بسيطة ومغرية، ويكاد يلخّصها سؤال “هل توجد في المغرب، هي الأخرى، جغرافيا انتخابية لا ننتبه إليها بما يكفي، فيما يمكن أن يتقرر داخلها ترتيب الفائزين؟”.

للجواب عن هذا السؤال، كان علينا أن نفعل شيئا لا نفعله كثيرا حين نتحدث عن الانتخابات، وهو أن نترك الخطابات والشعارات جانبا، ونفتح جداول البيانات.

يوحي المشهد الانتخابي المغربي للوهلة الأولى بأن المعركة ستجري في المدن الكبرى، حيث كثافة السكان، وضجيج الحملات، وحضور الإعلام، والأسماء السياسية المعروفة. لكن الأرقام تقودنا بسهولة إلى مكان آخر.

من أصل 92 دائرة محلية، هناك 59 دائرة لا تنتخب سوى نائبين أو ثلاثة، لكنها تمنح مجتمعة 156 مقعدا من أصل 305 مقعدا محليا؛ أي أكثر من نصف المقاعد المنتخبة محليا، وأكثر من ثلث مجلس النواب كله. وفي انتخابات 2021، استحوذت أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال وحدها على نحو 86 في المئة من مقاعد هذه الدوائر، بينما تقاسمت مقاعد الدوائر “الكبيرة” بين خريطة مبلقنة من الأحزاب.

أعدنا بناء نتائج 2021 دائرة دائرة. وبحثنا عن المسافة التي فصلت آخر فائز (أي الذي احتل الرتبة الثانية في دائرة ذات مقعدين أو الرتبة الثالثة في دائرة من ثلاثة مقاعد) عن أول خاسر خلفه. وتتبعنا النواب والمرشحين الذين غيّروا أحزابهم، خاصة منهم الذين فازوا بأحد مقاعد هذه الدوائر في الانتخابات السابقة، وحاولنا فهم ما إذا كان المقعد الذي يبدو في الإحصاءات ملكا لحزب، قد يكون في الواقع مرتبطا بشخص أو عائلة أو شبكة محلية.

ثم وضعنا فوق هذه الخريطة تحركات القيادات السياسية خلال الأسابيع السابقة للحملة.، خاصة منها تحركات قيادة ال”بام” يتقدمها فوزي لقجع، وقيادة الأحرار مع عزيز أخنوش، وتحركات حزب الاستقلال بقيادة نزار بركة، إلى جانب تحركات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله ابن كيران، بوصفه المرشح الوحيد لخلط أوراق “الثلاثة الكبار”، فظهرت أمامنا خريطة مختلفة.

في كلميم، مثلا، كان يفصل آخر الفائزين في انتخابات 2021 عن أول الخارجين من البرلمان،34 صوتا فقط. وفي آسا الزاك كان الفارق 43 صوتا، وفي طانطان 288، وفي جرادة 376، وفي المضيق-الفنيدق 670.

لا تعني هذه الأرقام أن إضافة 35 صوتا هنا أو 44 هناك كانت ستنقل المقعد آليا؛ فتوزيع المقاعد تحكمه قواعد قانونية وحسابية أكثر تعقيدا. لكنها تخبرنا أن هناك مقاعد كانت واقفة بالفعل على حافة شديدة الانحدار، وبالتالي هي مقاعد دوائر متأرجحة.

في دوائر أخرى، لم تكن المشكلة في الفارق الصغير بين آخر فائز وأول خاسر، بل في أن الرجل الذي صنع النتيجة غيّر قميصه الانتخابي.

مروان شباعتو مثلا، انتقل في ميدلت من الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، فجعل الكفة تميل نحو الجرار. وعبد الحي حرطون فعل الأمر نفسه في طرفاية. وفي وادي الذهب حدث ما يشبه إعادة تشكيل كاملة للدائرة. مرشح الاستقلال الفائز صار مرشحا للبام، والفائز باسم الأحرار صار مرشحا للاستقلال… وهو ما أضاف طبقة ثانية لتشكيل معالم خريطة الدوائر المتأرجحة، بسبب معطى أرقام الانتخابات السابقة، أو معطى الترحال الذي عرفه ال”ميركاتو” الانتخابي.

تحليل البيانات ليس تنجيما، والصحافة ليست شركة استطلاعات رأي. ونحن لم نصنع نموذجا ليخبركم باسم الحزب الذي سيُعلن متصدّرا مساء 23 شتنبر، ولم نضع أرقاما في الشاشة ثم ندّعي أنها المستقبل. ما حاولناه أكثر تواضعا، وربما أكثر فائدة، هو أننا حاولنا أن نعرف أين ينبغي أن نركّز اهتمامنا عندما تبدأ النتائج في الوصول.

في انتخابات 2021 فصلت 15 مقعدا فقط بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. وفي تمرين حسابي بسيط، يكفي انتقال ثمانية مقاعد مباشرة من الأحرار إلى البام، مع افتراض ثبات كل شيء آخر، لينقلب ترتيبهما.

افتراض نظري بالطبع، لكنه يكشف أن تغيير الخريطة لا يحتاج بالضرورة إلى زلزال وطني؛ قد تصنعه تحولات صغيرة متفرقة، إذا وقعت في الأماكن الصحيحة.

لهذا انتهينا إلى 15 دائرة تستحق المراقبة أكثر من غيرها. عشر تتراكب فيها مؤشرات الحساسية التي استعنا بها بقوة، وهي أرقام 2021، وحركية الأعيان، وتنقلات القيادات الحزبية في الأيام الأخيرة التي تعبّر عن نقط تركيز رهاناتها.

ثم أضفنا خمس دوائر أخرى لتشكّل الحلقة التالية، ليست لأنها متأرجحة بالطريقة نفسها؛ بل لأن بعضها شهدت حضورا قويا لواحد على الأقل من المؤشرات الثلاث، أي نتيجتها حسمت بسبب أصوات قليلة، أو لأنها شهدت انتقال شبكة انتخابية وازنة من معسكر إلى آخر، أو لأن الأحزاب نفسها، من خلال حركة قادتها، تصرّفت في الآونة الأخيرة كما لو أنها تعرف أن هناك شيئا يستحق القتال من أجله في تلك الدائرة تحديدا.

لهذا، عندما ستغلق مكاتب التصويت مساء الأربعاء المقبل، 23 شتنبر 2026، قد تأتي الإشارة الحاسمة من أماكن لا تحتل عادة مقدمة نشرات الأخبار.

قد تأتي من كلميم، أو جرادة، أو ميدلت، أو وادي الذهب، أو تاوريرت. فالانتخابات، مثل أشياء كثيرة في السياسة، لا يحسمها دائما المكان الذي يصنع أكبر ضجيج.

لنتابع!