وعود المليون منصب شغل والإعفاءات الضريبية تضع برنامج المنصوري تحت مجهر الانتقادات
أثار التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، الاثنين 19 أكتوبر 2026، خلال جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان، انتقادات بشأن مدى وفاء السلطة التنفيذية بالوعود الانتخابية التي شكلت محور حملة حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود الأغلبية الحكومية، خلال الاستحقاقات التشريعية الأخيرة.
وتركزت أبرز الانتقادات على غياب الأهداف الرقمية الدقيقة والجداول الزمنية الواضحة لتنفيذ التعهدات الحكومية، خصوصا في الملفات المرتبطة بالتشغيل وإدماج الشباب والضرائب والدعم المباشر.
ووفق قراءات قدمها خبراء في الاقتصاد والسياسات العمومية، فإن التصريح الحكومي لم يقدم إجابات تفصيلية بشأن عدد من الالتزامات الانتخابية، مكتفيا بطرح أهداف عامة ومؤشرات ماكرو اقتصادية، دون توضيح كاف لكيفية تحويلها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ الاقتصاد والباحث في السياسات العمومية ياسين اعليا أن التصريح الحكومي تراجع عن الوعد الانتخابي المتعلق بخلق مليون منصب شغل، فيما رأى النائب البرلماني والخبير الاقتصادي سمير شوقي أن تجاهل عدد من التعهدات التي استند إليها الحزب خلال حملته يثير تساؤلات بشأن النزاهة السياسية ومدى الالتزام بالوعود المقدمة للناخبين.
التشغيل.. غياب هدف رقمي واضح
يرى ياسين اعليا أن التصريح الحكومي الذي قدمته المنصوري تنصل من وعد حزب الأصالة والمعاصرة، خلال حملته الانتخابية، بخلق مليون منصب شغل، معتبرا أن هذا التراجع يمثل محاولة لتفادي المساءلة والمحاسبة التي طالت رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش، على خلفية حصيلته التي اقتصرت، بحسبه، على توفير 10 في المائة فقط من صافي مناصب الشغل الموعودة.
وأوضح الخبير، في حديث لصحيفة “صوت المغرب”، أن البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة تضمن تفاصيل محددة بشأن مصادر خلق مليون منصب شغل، غير أن التصريح الحكومي، وفق تقييمه، لم يحافظ على المستوى نفسه من الدقة، واكتفى بوعود عامة لا تتضمن أرقاما تسمح بقياس النتائج ومساءلة الحكومة بشأن تنفيذ التزاماتها.
ولا يقتصر هذا النقص، بحسب اعليا، على عدد مناصب الشغل المستهدفة، بل يمتد إلى برامج تكوين الشباب وإدماجهم في سوق العمل، التي ظلت، وفق قراءته، في مستوى الشعارات العامة، دون تحديد البرامج الأساسية الكفيلة بمعالجة أزمة البطالة على الصعيد الوطني خلال المرحلة المقبلة.
ومن هذا المنطلق، اعتبر الباحث أن الصياغة العامة للتعهدات، وغياب المؤشرات الضابطة والجداول الزمنية على امتداد السنوات الخمس المقبلة، يجعلان التصريح الحكومي أقرب إلى “إعلان النوايا” منه إلى برنامج عملي قابل للتنزيل، خصوصا في قطاع التشغيل الذي وصفه بالمعضلة الكبرى للاقتصاد الوطني.
مؤشرات ماكرو اقتصادية دون أجوبة عملية عن البطالة
وفي مقابل غياب أهداف تشغيلية محددة، أشار اعليا إلى أن رئيسة الحكومة قدمت مؤشرات ماكرو اقتصادية وصفها بالمطمئنة، من بينها تثبيت عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، وتحقيق معدل نمو يناهز 5 في المائة سنويا خلال السنوات الخمس المقبلة.
غير أن هذه المؤشرات، بحسب الخبير، لم تقابلها إجابات صريحة أو حلول عملية بشأن أزمة البطالة، التي ظلت قائمة رغم ما وصفه بالأداء الجيد للمغرب خلال السنوات الماضية في مجال التحكم في التوازنات الماكرو اقتصادية.
واعتبر اعليا أن الإشكال لا يتعلق فقط بعرض أهداف اقتصادية عامة، بل بمدى قدرة البرنامج الحكومي على تقديم إجراءات واقعية وميدانية لخلق فرص الشغل، وتحديد آليات تنفيذها بما يسمح بتقييم النتائج ومساءلة الحكومة بشأنها.
وبذلك، يضع الخبير الاقتصادي ياسين اعليا، مسألة التشغيل في صلب النقاش حول التصريح الحكومي، من خلال التمييز بين إعلان مؤشرات اقتصادية مستهدفة وتقديم التزامات واضحة بشأن فرص العمل التي تعتزم الحكومة إحداثها، والوسائل التي ستعتمدها لتحقيق ذلك.
تعهدات انتخابية غائبة عن التصريح الحكومي
من جهته، سجل البرلماني والخبير الاقتصادي سمير شوقي، في حديثه لصحيفة “صوت المغرب”، غياب عدد من التعهدات الانتخابية عن التصريح الحكومي، معتبرا أن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بالنزاهة السياسية ومدى الالتزام بما قدمه الحزب القائد للأغلبية خلال حملته الانتخابية.
وفي مقدمة هذه التعهدات، أشار شوقي إلى عدم تحديد عدد صافي مناصب الشغل التي تعتزم الحكومة إحداثها خلال ولايتها، رغم الوعد الانتخابي بخلق مليون منصب شغل، فضلا عن غياب توضيحات بشأن السبل التي ستعتمدها لخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة، وفق ما ورد في الوعود الانتخابية للحزب.
كما انتقد غياب تفاصيل بشأن تنزيل برنامج تمكين 100 ألف شاب سنويا من الحصول على أول تجربة مهنية، معتبرا أن التصريح الحكومي لم يقدم توضيحات كافية حول كيفية تنفيذ هذا الالتزام.
وتعكس هذه الملاحظات، وفق قراءة شوقي، فجوة بين التعهدات التي قدمها الحزب خلال الانتخابات وما تضمنه التصريح الحكومي، خصوصا في الملفات التي ترتبط بأهداف رقمية محددة، وكان يفترض أن تتيح إمكانية تقييم مدى التقدم في تنفيذها.
الضرائب والدعم المباشر
وامتدت انتقادات شوقي إلى التعهدات الضريبية، إذ سجل غياب تفاصيل بشأن إلغاء الضريبة على الدخل بالنسبة إلى الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم، وخفضها إلى 10 في المائة بالنسبة إلى الأجور التي تتراوح بين 15 ألفا و39.999 درهما.
ووصف الخبير هذه النقطة بأنها كانت “نجمة” البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، معتبرا أن غيابها عن التصريح الحكومي يطرح تساؤلات بشأن مصير هذا الالتزام وكيفية التعامل معه خلال الولاية الحكومية.
وفي ما يتعلق بالدعم المباشر، أشار شوقي، الذي يرأس أيضا مركز التفكير “أوميغا”، إلى ما اعتبره تراجعا عن وعد الرفع الفوري للدعم من 500 إلى 1000 درهم، وتأجيله إلى حدود سنة 2031، بعدما كان الوعد الانتخابي يشير إلى رفعه بشكل فوري أو ابتداء من السنة الثانية للحكومة.
وتضع هذه الملفات، وفق الانتقادات الواردة، عددا من الالتزامات الانتخابية أمام سؤال التنفيذ، في ظل غياب توضيحات تفصيلية بشأن مواعيد تفعيلها والإجراءات التي ستعتمدها الحكومة لتنزيلها.
آليات التنفيذ والتمويل في صلب المساءلة
إلى جانب غياب الأهداف الرقمية والجداول الزمنية، أثار شوقي مسألة آليات تنزيل التعهدات الحكومية، مشيرا إلى أن التصريح يفتقر، بحسب تقييمه، إلى توضيحات بشأن كيفية تنفيذ الإجراءات المعلنة، ولا سيما مصادر تمويل الخدمات الإضافية التي يتضمنها.
واعتبر الخبير أن هذا النقص يطرح إشكالا في ضوء تأكيد الحكومة مواصلة خفض نسبة المديونية، ما يستدعي، وفق ملاحظته، توضيح كيفية التوفيق بين الالتزامات الجديدة ومصادر تمويلها والتوجه المعلن بشأن المديونية.
وبين الانتقادات المتعلقة بخلق فرص الشغل، وتلك المرتبطة بإدماج الشباب والإصلاحات الضريبية والدعم المباشر، يتركز جوهر الملاحظات المثارة حول التصريح الحكومي في مدى وضوح الالتزامات وقابليتها للتنفيذ والقياس.
فبالنسبة إلى اعليا، يتمثل الإشكال الأساسي في غياب برنامج تشغيل محدد الأهداف والأدوات، رغم تقديم مؤشرات ماكرو اقتصادية عامة. أما شوقي، فيركز على غياب عدد من التعهدات الانتخابية والتفاصيل المتعلقة بتنفيذها وتمويلها.
وتلتقي القراءتان عند مساءلة المسافة الفاصلة بين الوعود الانتخابية وما تضمنه التصريح الحكومي، في ملفات تتصل بالتشغيل والدخل والإدماج المهني للشباب والدعم المباشر، وهي ملفات تضع مدى التزام الحكومة بتعهدات الحزب القائد للأغلبية في صلب الانتقادات الموجهة إلى برنامجها.