مونديال عبد اللطيف وهبي
بقدر من السخرية اللاذعة، يتساءل الكاتب الأردني من أصل فلسطيني نضال منصور، في مقالٍ بـ”العربي الجديد”، عمّا إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيخطف كأس العالم.
سؤالٌ مثير، وفي بال كاتب هذه السطور أن ترامب كاد يُجَنٌّ لعدم حصوله على جائزة نوبل، لكنه حصل على “هدية تملّق” من زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو عبارة عن ميدالية نوبل نفسها، على أمل أن ينصِّبها رئيسةً بعد إسقاط النظام، لكنّه فضل عليها في النهاية ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس المختطف نيكولاس مادورو.
أيضا، في بال الكاتب تعويضٌ “فاجر” لترامب عن نوبل باستحداث جياني إنفانتينو “جائزة فيفا للسلام” لمنح نسختها الأولى لرئيس عدواني ونرجسي وعنصري يخرّف بأنه “رجل سلام” أوقف ما لا يُحصى من الحروب (في مخيلته).
بعدما “سرق” من ماتشادو ميدالية نوبل، وفصّل له إنفانتينو جائزة على مقاسه، وحين يئِس من الحصول على نوبل للسلام، شنّ ترامب حروبه العسكرية والتجارية، واختطف رئيس دولة، ومثّل بمهاجرين في شوارع أمريكا، وعبث بالقانون الدولي، واستخفّ بالأمم المتحدة ومؤسساتها، قبل أن يفتتح المونديال بترحيل حكم دولي فقط لأنه صومالي. الوجه الأقبح في ترحيل الحكم عمر عرتن أنه محكوم بخلفيات عنصرية، وفي سجّل ترامب شتائم في حقّ الصوماليين وقد وصفهم بـ”الحثالة” و”القمامة”.
افتتحت أمريكا المونديال بتعرّض لاعبين للاحتجاز لساعات، ولتفتيشات مهينة. أما ما فُعل بمنتخب إيران فكان إطلاق “رصاصة غير رحيمة” على كل شعارات تقريب الرياضة بين الشعوب، والروح الرياضية، وخدمة كرة القدم للسلام، حين التعامل مع مجرد لاعبين كـ”عدو”.
ورغم كل ذلك، هناك ميزةٌ تعنينا نحن الدول والشعوب التي لا تزال تشعر بالدونية والانتقاص. ما اتخذته واشنطن من قرارات، بعضها مذموم ومدان، يُبرَّر تحت عنوان “السيادة”، التي لا يعنيها ما سيقوله أو يطلبه الآخرون.
ترحيل الحكم الصومالي سيادةٌ بالنسبة لواشنطن. منع منتخب من الإقامة في بلد تنافسه سيادة بنظر ترامب، الذي دافع عن قرارات إدارته بالقول إنها تعمل على ضمان دخول “الأشخاص المناسبين” لحضور منافسات كأس العالم. وتحديد هؤلاء “الأشخاص المناسبين” طبعا شأنٌ سيادي لا دخل فيه للفيفا، التي صرّح رئيسها قبل يوم من الافتتاح، في استسلامية صارخة: “نحن لا نتحكم في كل شيء”.
في المغرب، الذي يستعدّ لتنظيم النسخة المقبلة من كأس العالم (2030) وزيرُ عدل اسمه عبد اللطيف وهبي يريد أن “يُحقِّق ساعة المملكة” على زمن فيفا.
مشكلة وهبي أنه لم يطالب بالحريات الفردية بناءً على “احتياج مجتمعي محلي” مثلما يدافع حقوقيون ونشطاء منذ عقود. يسوّق الوزير تغيير القوانين وكأنها جزءٌ من “دفتر تحمّلات” أمام فيفا، التي ظهر رئيسها شاحباً في افتتاح كأس العالم، بعدما وُضعت الهيئة الكروية في حجمها الحقيقي بإزاء سيادة الدول.
جانبٌ من طرْحِ وهبي يستبطن استغلالا معيبا لحدث تنظيم المونديال في سياق نقاش مجتمعي داخلي غير غريب ولا منقطع على امتداد تاريخ المغرب الحديث: الحريات الفردية.
يطرحُ وزير العدل فكرته وكأن القوانين الحالية تمنع الأجانب من زيارة المغرب، ضمن محاولة افتعال مشكلة غير موجودة بشأن “عقد زواج كريستيانو رونالدو ورفيقته”، وحول المشروبات الكحولية، فيما يعرف الجميع أن المطاعم والحانات تقدّم خدماتها للمغاربة وغير المغاربة.
وفق هذا، لا يكون مطلب وهبي مندرجاً ضمن حوار مجتمعي ممتدٍّ بشأن الحريات الفردية، وإنما محاولة لاستغلال تنظيم حدث كأس العالم لتغيير قوانين محلية وكأنها “شرط مسبق” للتنظيم، ضمن فبركة سياسية لحالة غير مُتجسِّدة ولا توجد إلا في مخيّلة الوزير.
مرافعات دعاة الحريات الفردية “الأصلاء” في المغرب تستحق النظر فيها، لاعتبارين على الأقل: أحدهما عميق يرتبط بحاجة مجتمعية ذات علاقة بالتحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، الذي يمارس جزءٌ كبير منه فعليا حريته الفردية رغم التقييدات القانونية. وثانيهما عرضيٌ على صلة باستغلال السلطة نفسها لقوانين ذات صلة بالحريات الفردية ضد معارضيها، حتى من قوى محافظة ترفض رفع قيود قانونية على حريات فردية.
لكن، وفي كل الأحوال، لا يمكن الحديث عن القوانين المحليّة كجزء من عرقلة تنظيم كأس العالم وزيارة الأجانب، وإلا سيكون الكلام منفصلا تماما عن الواقع، واستدعاؤه “حيلة مكشوفة” وجبن سياسي عن خوض نقاش جريء ضمن “احتياج محلي”.
قصارى القول
يحتاج المغرب تنظيم كأس العالم. يبدو أن توجّه الدولة نحو تنظيم الأحداث الكبرى يفيد في تأهيل بنية تحتية محلية ستبقى ملكاً للمغاربة، لكن تجارب آخر تنظيمين لكأس العالم لكرة القدم، قطر في 2022، والولايات المتحدة/ المكسيك/ كندا في 2026، تثبت أن سيادة الدول وقوانينها تسمو على أي “التزام” خارجي.
أيّ تطوير للقوانين لا يجب أن يكون منفصلا عن السياق المحليّ. لا الفيفا فرضت على قطر تغيير قوانينها أو تخليها على جزء من ثقافة مجتمعها، ولا استطاعت فعل شيء أمام قرارات أمريكا وكندا التي فعّلت قوانين محلية، مراتٍ بنزوع عنصرية وسياسية ملحوظة.
نتمنى نجاح المغرب في تنظيم كأس العالم، بقدر تمني نجاحه في خوض كل النقاشات المجتمعية بمسؤولية ووضوح وجرأة، وفي قلبها نقاش الحريات الفردية.