story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

مشروع قانون المالية لسنة 2027 بدون التمويلات المبتكرة.. كيف ولماذا الآن؟ (2/2)

ص ص

في الجزء الأول من هذا المقال تطرقنا للأسئلة التي يطرحها الإعلان المفاجئ والتخلي في نهاية الولاية الحكومية عن السياسة المالية الحكومية المعتمدة بشكل كبير على التمويلات المبتكرة، وادعاء التحكم في عجز الميزانية وفي نسبة المديونية بدونها، وخلصنا إلى كون هذه الأسئلة تفضي إلى خلاصات أساسية لا بد من التذكير بها حول مسؤولية الحكومة الحالية عن التدبير المعيب للمالية العمومية وتسويق أرقام غير دقيقة عن عجز الميزانية وحجم المديونية بفعل احتساب هذه التمويلات الاستثنائية وغيرها من التمويلات، وهو ما سنتطرق له في هذا الجزء الثاني والأخير من المقال.

تقتضي المسؤولية والصدقية، أن يقدم عجز الميزانية وحجم دين الخزينة نسبة إلى الناتج الداخلي الخام، بطريقتين مختلفتين. مرة مع احتساب الموارد الاستثنائية، باعتبار أنها موارد غير قارة، ومرة أخرى بدون احتسابها، كي لا يتم تقديم انطباع مغلوط عن هذه النسبة، وذلك على غرار ما كان معمولا به في السابق مع موارد الخوصصة.

لذا، فإن الحكم بشكل موضوعي على حقيقة التحكم في مستوى عجز الميزانية والتقليص من حجم دين الخزينة الذي تسوق له الحكومة، لا يمكن أن يتم من خلال نسب إسمية ومركبة تختزل حجم وطبيعة الموارد والنفقات، ولا بد من الدخول في تفاصيل مكونات الموارد التي ساهمت في تراجع مستوى عجز الميزانية ودين الخزينة، ومساءلة مدى استدامتها من عدمه، وتفاصيل النفقات التي تتحملها ميزانية الدولة والتي ساهمت في تمويلها هذه الموارد، باعتبارها نفقات هيكلية ولا يمكن التراجع عنها أو تقليصها.

وبالعودة إلى تفاصيل الموارد العادية والاستثنائية خصوصا التي ساهمت في تراجع عجز الميزانية وحجم دين الخزينة نسبة إلى الناتج الداخلي نجد ما يلي:

أولا- التطور بنسب غير مسبوقة للمداخيل الضريبية، بفضل القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي الذي أعدته الحكومة السابقة والصادر في يوليوز 2021، حيث سجلت الوتيرة السنوية لنمو الموارد الضريبة تسارعا ملحوظا، يعود بالدرجة الأولى إلى تغيير طرق تحصيل الضرائب مما رفع من فعالية الإدارة الضريبية، أكثر منه إلى نمو الاقتصاد والاستهلاك الوطني، حيث انتقل معدل النمو السنوي للضريبة على الشركات من 3,8% قبل الإصلاح إلى 17,2% بعد الإصلاح، وانتقل معدل النمو السنوي للضريبة على القيمة المضافة من 3,6% قبل الإصلاح إلى 10,3% بعد الإصلاح؛

ثانيا- تعبئة كبيرة وبشكل مضاعف للمساهمات المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية، والتي بلغت خلال الولاية الحكومية 2022-2026، ما يساوي حصيلة ما ساهمت به هذه المؤسسات والمقاولات خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين 2012-2016 و2017-2021، حيث ساهمت ب52,61 مليار درهم بين 2012-2016؛ و57,18 مليار درهم بين 2017-2021؛ وارتفعت إلى 101 مليار درهم خلال هذه الولاية الحكومية الحالية لوحدها؛

ثالثا- تعبئة موارد استثنائية بشكل غير مسبوق من خلال ما سُمِّي بـ “التمويلات المبتكرة”، حيث من المتوقع أن تعبأ الحكومة الحالية ما مجموعه أزيد من 160 مليار درهم خلال 5 سنوات من ولايتها، في مقابل 23,9 مليار درهم خلال 3 سنوات من الولاية الحكومية السابقة 2019-2021، مع التنبيه إلى الاختلاف في الجهات التي اشترت الأصول التي تم بيعها وأوجه استعمال محصولها. وللمقارنة أيضا، فإن ربع قرن من عمليات الخوصصة الممتدة من 1993 إلى 2017 بلغت حصيلتها 103 مليار فقط.

رابعا- كل هذه الموارد الضخمة لم تدفع ولم تعف مع ذلك الحكومة من اللجوء المفرط للمديونية الداخلية والخارجية، مما أدى إلى ارتفاع دين الخزينة ليتوقع أن يتجاوز 1.200 مليار درهم في نهاية 2026؛ وهو ما يعني استدانة إضافية بلغت حوالي 315 مليار درهم خلال هذه الولاية الحكومية، أي بمتوسط 63 مليار درهم سنويًا، وذلك رغم توفر أزيد من 150 مليار درهم إضافية من الموارد الضريبية، وتعبئة 101 مليار درهم من مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية، وتعبئة 160 مليار درهم من الموارد الاستثنائية من التمويلات المبتكرة، مقارنة مع 455 مليار درهم خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين، أي بمتوسط 45,5 مليار درهم سنويا فقط، مع احتساب الدين الاستثنائي لسنة 2020 لمعالجة آثار جائحة كورونا، ودون أن تتوفر الحكومتان السابقتان على مثل هذه الموارد الاستثنائية التي توفرت لهذه الحكومة.

ومن جهة النفقات، وفي الوقت الذي يوصي فيه رئيس الحكومة في المنشور المتعلق بإعداد مشاريع قوانين المالية كل سنة بضرورة عقلنة النفقات عامة، فقد سجلت نفقات التسيير تسارعا واضحا بين 2022 و2026 بمعدل ارتفاع سنوي بلغ أزيد من 9%، مقابل 4% بين 2016 و2021، وتراجع بنسبة 0,7% بين 2012 و2016. كما أن نفقات المعدات والنفقات المختلفة سجلت أكبر بند من حيث الزيادة بين 2022 و2026 بمعدل ارتفاع سنوي بلغ أزيد من 13%، مقابل 7,71% في بين 2016 و2021، وتراجع بنسبة 4,81% بين 2012 و2016.

والخلاصة الكبيرة، هي أن هذه الحكومة التي وجدت عند تنصيبها موارد مالية ضخمة ومساحات وهوامش مالية فسيحة بفعل الإصلاحات الهيكلية التي قامت بها الحكومتين السابقتين ومنها إصلاح صندوق المقاصة سنة 2015 والقانون الإطار للإصلاح الجبائي الصادر في يوليوز 2021؛

ها هي تغادر تاركة ورائها، بالإضافة إلى الخيبات الأخرى المرتبطة بمعدلات البطالة المرتفعة وتفاقم حالات تضارب المصالح وغيرها، تحديات وتحملات مالية كبيرة على عاتق كل من سيتحمل المسؤولية مستقبلا، لا سيما في ظل العودة المحتملة لنسب تطور عادية للموارد الضريبية ارتباطا بنسب النمو التي تحققها بلادنا وبمعدلات استهلاك الأسر، كل ذلك بفعل تدبيرها السيئ للمالية العمومية وبفعل تجاهلها لنصائح المعارضة وللعديد من المؤسسات الوطنية والدولية!

ها هي تغادر وتعلن نهاية التمويلات المبتكرة الاستثنائية بعد أن استنزفتها وأنفقتها كاملة تاركة ورائها نفقات وتحملات كبيرة وجديدة بملايير الدراهم برسم كراء الأصول التي باعتها!

وهنا لابد من التذكير وللتاريخ وللمسؤولية، أن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية اقترحت تعديلا على مشروع قانون المالية لسنة 2026 يقضي بإحداث حساب خاص لتثبيت وادخار الإيرادات المالية العمومية الاستثنائية من الموارد الضريبية وغير الضريبية، كي لا تؤثر على مستوى النفقات العامة ولا تؤدي إلى الارتفاع المفرط في الإنفاق العام، وكذا لضمان توزيع الاستفادة من هذه العائدات الاستثنائية على مدى زمني طويل، وحماية المالية العمومية من التقلبات المتوقعة في الموارد الضريبية حين العودة إلى مستويات تطور طبيعية ومنطقية ومنسجمة مع أداء الاقتصاد الوطني، وذلك بما يساهم على المدى المتوسط وبشكل مستدام في ترشيد النفقات وضمان التحكم في عجز الميزانية ونسبة المديونية، عبر تكوين احتياطي وقائي، من خلال توفير وعدم صرف 50% من حصيلة التمويلات المبتكرة؛ وكذا الفائض عن نسبة 5% من التطور السنوي الطبيعي لكل من الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة.