من حزب إلى آخر.. هل يؤثر ترحال المرشحين على ثقة المغاربة في السياسة؟
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تعود ظاهرة الترحال السياسي لتفرض نفسها بقوة على المشهد الحزبي المغربي، حيث تتزايد أخبار انتقال منتخبين وفاعلين سياسيين بين الأحزاب في مشهد يكاد يتكرر قبل كل موعد انتخابي ، وبينما تبرر بعض هذه التحركات بوجود خلافات تنظيمية أو بحث عن فضاءات سياسية جديدة، فإنها تثير في المقابل نقاشا واسعا حول حدود الالتزام الحزبي ومدى ارتباط الفاعلين السياسيين بالبرامج والأفكار التي انتخبوا على أساسها.
فحين يشاهد الناخب انتقال شخصيات سياسية بين أحزاب متباينة في المرجعيات والخطابات خلال فترات زمنية قصيرة، قد تتعزز لديه مشاعر الشك بشأن حقيقة التنافس الحزبي، وما إذا كانت الاختيارات السياسية تقوم فعلا على قناعات وبرامج أم على حسابات مرتبطة بالموقع الانتخابي وفرص الفوز.
و يذهب عدد من المهتمين بالشأن السياسي إلى أن الترحال الحزبي يساهم تدريجيا في إضعاف الفوارق بين الأحزاب وإرباك الناخب في التمييز بين برامجها وخياراتها السياسية ، ما قد يؤدي الى التآكل التدريجي لشرعية الأحزاب باعتبارها مؤسسات للوساطة بين المجتمع والدولة، وتحويل الانتخابات من تنافس بين برامج وأفكار ورؤى مختلفة إلى مجرد سباق انتخابي بين الأعيان.
تقويض لمنسوب الثقة
في هذا السياق حذر كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق أكدال – جامعة محمد الخامس، من أن الترحال السياسي يعد من العوامل التي تقوّض منسوب الثقة في الأحزاب وفي العمل السياسي برمته، معتبرا أن الناخب حين يصوت لا يختار الشخص فقط و إنما يختار أيضا المرجعية الحزبية والبرنامج السياسي.
وأوضح الهشومي في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن انتقال المنتخبين بين الأحزاب دون مبررات فكرية أو سياسية واضحة ينتج لدى الرأي العام انطباعا بأن الانتماء الحزبي أصبح أداة ظرفية للظفر بالمناصب الانتخابية أكثر من كونه التزاما سياسيا قائما على القناعة.
وأشار المتحدث إلى أن المشرع الدستوري المغربي تنبّه لخطورة هذه الظاهرة، حيث نص الفصل 61 من الدستور على تجريد كل عضو في أحد مجلسي البرلمان يتخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه من عضويته، بهدف حماية مصداقية التمثيل السياسي.
وأضاف أن الإشكال لم يعد يقتصر على الترحال بعد الانتخابات فقط، بل امتد إلى ما قبلها، حيث تتحول بعض الأحزاب إلى فضاءات لاستقطاب الأعيان والمنتخبين بمنطق انتخابي محض، بدل منطق البناء الحزبي والتأطير السياسي.
وفي تحليله لأثر هذه الظاهرة على المشاركة الانتخابية، اعتبر الهشومي أن الترحال السياسي ليس السبب الوحيد في العزوف، لكنه عامل مباشر يغذّيه عبر تعميق أزمة الثقة في الفاعلين السياسيين وفي التنافس الحزبي.
وأوضح أن تكرار انتقال الفاعلين بين أحزاب مختلفة المرجعيات والخطابات يجعل المواطن يشكك في جدوى التنافس الحزبي، مما يحول الأزمة من فقدان الثقة في حزب معين إلى فقدان الثقة في الحقل السياسي ككل.
وأضاف أن الديمقراطية التمثيلية تقوم على وضوح الاختيارات والبرامج، غير أن ضبابية الحدود بين الأحزاب بفعل الترحال تضعف قدرة الناخب على التمييز بين المشاريع السياسية، ما قد يدفعه إلى العزوف أو الامتناع عن المشاركة.
كما اعتبر أن الظاهرة تكشف عن استمرار مظاهر الهشاشة البنيوية داخل المنظومة الحزبية، حيث تطرح أسئلة حول قوة الهوية الحزبية وقدرة الأحزاب على إنتاج نخب مرتبطة بمشاريع سياسية واضحة، في ظل تغليب البعد الانتخابي على الوظيفة التأطيرية.
وخلص الهشومي إلى التأكيد على أن الترحال السياسي يظل مؤشرا على طبيعة العلاقة بين السياسة والأخلاق والتمثيل الديمقراطي، مبرزا أنه رغم ذلك لا يمكن التعميم، لوجود أحزاب ومناضلين حافظوا على استمرارية انتمائهم وأسهموا في ترسيخ ثقافة الالتزام الحزبي.
ترسيخ لصورة السياسي الانتهازي
من جهته يرى الكاتب والإعلامي عبد الله الترابي أن هذه الظاهرة ترسخ لدى المواطنين صورة السياسي الانتهازي الذي يبحث عن مصلحته الشخصية أكثر مما يدافع عن برنامج أو مشروع مجتمعي، وهو ما ينعكس سلبا على صورة الأحزاب ووظيفتها السياسية.
وأوضح الترابي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن الترحال السياسي يساهم بشكل مباشر في تقويض الثقة في العمل السياسي، لأنه يفرغ الانتماء الحزبي من معناه ويحوله إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب والامتيازات، بدل أن يكون تعبيرا عن التزام سياسي أو فكري واضح.
وأضاف أن النتيجة المباشرة لذلك تتمثل في التآكل التدريجي لشرعية الأحزاب باعتبارها مؤسسات للوساطة بين المجتمع والدولة، وتحويل الانتخابات من تنافس بين برامج وأفكار ورؤى مختلفة إلى مجرد سباق انتخابي بين الأعيان.
واعتبر المتحدث أن الترحال السياسي يغذي قناعة متزايدة لدى المواطنين بأن الانتخابات لا تغير شيئا في الواقع، ما دامت الخريطة الحزبية يعاد تشكيلها بعد كل استحقاق وفق منطق المصالح، وليس وفق الاختيارات السياسية التي عبّر عنها الناخبون عبر صناديق الاقتراع.
وأشار إلى أن تنقل النخب بين الأحزاب يساهم في طمس الفوارق بينها وإضعاف هويتها البرامجية، الأمر الذي يفقد الناخب القدرة على التمييز بين المشاريع السياسية المختلفة، ويؤدي بالتبعية إلى تراجع الحافز على المشاركة والتصويت.
وسجل الترابي أن نسب العزوف المرتفعة، خاصة في صفوف الشباب وسكان المدن الكبرى، تعكس أزمة ثقة عميقة في الفاعل الحزبي، مؤكدا في المقابل أن الترحال السياسي لا يمثل السبب الوحيد لهذه الظاهرة، و إنما يتداخل مع عوامل أخرى من قبيل ضعف البرامج الانتخابية وتراجع الثقة في المؤسسات التمثيلية واستمرار مظاهر الفساد داخل الطبقة السياسية.
وبخصوص سبل الحد من الظاهرة، شدد المتحدث على أن القانون يظل ضروريا لكنه غير كاف، موضحا أن الفصل 61 من الدستور يعاقب المنتخب الذي يغير انتماءه الحزبي خلال الولاية الانتدابية، غير أن المعالجة الحقيقية تقتضي إصلاحا ثقافيا وسياسيا طويل المدى يعيد الاعتبار للانتماء الحزبي والتكوين السياسي وآليات المحاسبة الداخلية داخل الأحزاب.