story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

ملف الصحراء..  الحكم الذاتي ومستقبل “المينورسو” على طاولة مجلس الأمن

ص ص

يرتقب أن يصوت مجلس الأمن الدولي، مساء اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، على مشروع القرار المتعلق بقضية الصحراء المغربية، في صيغته “الزرقاء” (الأخيرة) التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، حاملة القلم في الملف، والتي تتضمن مقتضيات جديدة تهم مرجعية العملية السياسية، ومستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، إلى جانب آليات مواصلة المفاوضات بين الأطراف المعنية.

وتؤكد النسخة الأخيرة من مشروع القرار على جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث، الأساس الوحيد لمواصلة المفاوضات، مشددة على أنه يمثل الحل الأكثر واقعية لقضية الصحراء المغربية، فضلا عن طرح مراجعة هيكلة البعثة الأممية وإعادة النظر في طبيعة مهامها خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، تنص الفقرة الأولى من مشروع القرار بصيغته “الزرقاء” على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداء من فاتح نونبر المقبل ليصبح “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية” (مينوسو).

كما يطلب المشروع من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة، في موعد أقصاه 30 يناير 2027، بشأن هيكل البعثة وقوام موظفيها، بما في ذلك خفض عدد الأفراد النظاميين المعتمدين، وإغلاق أو دمج مواقع الفرق التابعة لها، فضلا عن ترتيبات تتعلق بإعداد التقارير ورصد وقف إطلاق النار والأعمال المتعلقة بالألغام ودعم العملية السياسية، مع إعادة استخدام هياكل الدعم القائمة.

ولا يقتصر الأمر على إعادة هيكلة البعثة، إذ يترك مشروع القرار لمجلس الأمن إمكانية اتخاذ قرار بشأن مستقبلها، بما في ذلك تحويل ولايتها، على ضوء مقترحات الأمين العام والتقدم المحرز في العملية السياسية، مع الإقرار بأهمية استمرارية القيادة العليا والمعرفة المؤسسية.

الحكم الذاتي أساس وحيد

وعلى مستوى العملية السياسية، تتضمن النسخة “الزرقاء” تأكيدا على الدعم الكامل للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، إلى جانب الولايات المتحدة بصفتهم ميسّرين لثلاث جولات من المناقشات استندت إلى “مقترح الحكم الذاتي” المغربي الموسع والمحدث، الذي تصفه الصيغة الأخيرة بأنه الأساس الوحيد لمواصلة هذه المناقشات، مع التأكيد على استمرار الدور القيادي للأمم المتحدة في العملية السياسية.

وفي الاتجاه نفسه، يدعو المشروع الأطراف إلى التعاون الكامل مع الميسّرين، والمشاركة بفاعلية وبشكل بناء، باستخدام مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا وحيدا للتفاوض، وتقديم ردود تستند إلى هذا المقترح.

كما يطلب من المبعوث الشخصي للأمين العام التشاور مع طيف واسع من المكونات والأطراف الصحراوية المعنية، بمن فيهم من هم خارج نطاق الأطراف المتفاوضة، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في الشتات، على أن تنعكس نتائج هذه المشاورات في التقارير التي يرفعها الأمين العام إلى مجلس الأمن.

وفي ما يتعلق بالمرجعية السياسية للحل، يجدد مشروع القرار التزام مجلس الأمن بالتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، وفق مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير، معتبرا أن منح حكم ذاتي حقيقي في إطار السيادة المغربية يمثل الحل الأكثر واقعية لملف الصحراء.

“وصول المفاوضات إلى طريق مسدود”

وتأتي هذه التطورات بعد الإحاطة التي قدمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، أمام مجلس الأمن، يوم 8 أكتوبر الجاري، أقر خلالها بوصول المفاوضات بشأن النزاع حول الصحراء إلى حالة من الجمود الجوهري، معتبرا أن تجاوز الوضع الحالي يكاد يكون مستحيلا من دون تحرك من طرف مجلس الأمن.

وأوضح دي ميستورا أن الجولات الثلاث من المفاوضات رفيعة المستوى، التي ترأسها خلال الربع الأول من السنة الجارية، إلى جانب السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، وبدعم من كبير مستشاري الرئيس الأمريكي مسعد بولوس، واحتضنتها واشنطن ومدريد، لم تتمكن من تجاوز العقبات التي تحول دون إحراز تقدم في العملية السياسية.

وعزا المبعوث الأممي حالة الجمود إلى استمرار انعدام الثقة بين الطرفين، ورفض جبهة البوليساريو الخوض بجدية في تفاصيل الحكم الذاتي باعتباره حلا محتملا، استنادا إلى التوجيهات الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 2797، فضلا عن التعقيد الواضح للقضايا المطروحة للنقاش.

وفي هذا الإطار، توقف دي ميستورا عند مشروع الحكم الذاتي المغربي الموسع، المكون من 39 صفحة، معتبرا أنه يوفر أساسا متينا للمفاوضات، لكنه لا يشكل وثيقة جاهزة للاعتماد، ولا يزال يحتاج إلى مزيد من التفاوض.

ودعا المبعوث الشخصي إلى توضيح مواطن الغموض التي يتضمنها القرار الأممي رقم 2797، بما يجعل الحكم الذاتي محور المناقشات المقبلة، معتبرا أن هذا الخيار يستحق أن يحظى بالاهتمام الأكبر في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى مواقف الطرفين وتطور الأوضاع خلال السنوات الخمس التي قضاها في منصبه، فضلا عن وجهات النظر التي عبر عنها عدد كبير من الدول الأعضاء.

ثلاثة شروط

وفي تصوره لمقومات التسوية المرتقبة، حدد دي ميستورا ثلاثة شروط أساسية، تتمثل في أن يكون الحكم الذاتي المقترح حقيقيا وفعليا، لا مجرد تسمية شكلية، وأن يخضع لعملية ذات مغزى لتقرير المصير لشعب الصحراء الغربية، وأن يكون مدعوما بضمانات دولية قوية من مجلس الأمن تكفل مراقبة تنفيذه الكامل.

وفصل المبعوث الأممي هذه الرؤية بالإشارة إلى ضرورة إحداث مؤسسات تتيح للصحراويين التحكم في القرارات السياسية التي تؤثر في حياتهم اليومية، وإدارة شؤونهم بأنفسهم، بما يشمل سن القوانين وتسيير المؤسسات العمومية والعمل في سلك القضاء، إلى جانب تولي مسؤوليات حفظ النظام العام والأمن، والنجاح في مجالات الصناعة والتجارة.

كما شدد على ضرورة إتاحة عودة اللاجئين في ظروف آمنة وكريمة، وإشراك البوليساريو والصحراويين الآخرين بوصفهم شركاء في إدارة الصحراء، مع ضمان عدم إمكانية إلغاء الحكم الذاتي أو تقويضه بقرار مفاجئ أو مرسوم أو أمر إداري، وإخضاعه لضمانات دولية قوية تضمن تنفيذه في الحاضر والمستقبل.

واعتبر دي ميستورا أن التصديق على الحكم الذاتي ينبغي أن يتم من خلال ممارسة فعلية وذات مغزى لحق تقرير المصير، مشددا على أن هذا الخيار لا يمكن فرضه ببساطة على الصحراويين، بل يستدعي إطلاعهم على تفاصيل المقترح واستشارتهم بشأنه.

زيارات فردية إلى العيون والداخلة

وفي سياق توسيع دائرة المشاورات، كشف دي ميستورا عن مبادرة جرى تطويرها بالتعاون مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، تقوم على تنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى العيون والداخلة، بهدف تمكينهم من الاطلاع بصورة أفضل على الظروف الراهنة بالصحراء المغربية، وطرح تساؤلاتهم بشأن مقترح الحكم الذاتي.

وأوضح أن المبادرة أُحيطت بها جبهة “البوليساريو” علما في الثاني من شتنبر الماضي، من خلال رسالة وقعها المفوض السامي والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز ودي ميستورا شخصيا، مشيرا إلى أن الجبهة ردت على الرسالة في 14 شتنبر 2026، معربة عن استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتسهيل تنفيذ المبادرة.

واعتبر المبعوث الأممي أن هذا الانفتاح ينبغي متابعته والبناء عليه، بالنظر إلى إمكانية مساهمة الزيارات المقترحة في تطوير المقترحات المطروحة وتحسينها، وتشكيل قاعدة اجتماعية داعمة لتسوية مستدامة للنزاع.

ويتقاطع هذا التوجه مع ما تتضمنه النسخة “الزرقاء” من مشروع القرار، التي تطلب من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين استكمال تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف في غضون ستة أشهر، وفق القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي للاجئين، وبما يتماشى مع ممارسات المفوضية ومعاييرها، ودون تدخل من أي جهة، مع دعوة جميع الأطراف المعنية إلى تسهيل الوصول دون عوائق وضمان حرية التنقل لهذه الغاية ولأغراض تقييم الحلول المستدامة.

تكريس الإحالة إلى القرار 2797

وتندرج هذه التطورات ضمن سياق أممي عرف بدوره محطة مهمة في 15 أكتوبر الجاري، بعدما اعتمدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها السنوي بشأن الصحراء، بـ152 صوتا مؤيدا، من بينها صوت المغرب، مقابل صوتين معارضين وسبعة امتناعات عن التصويت.

وجاء التصويت استثنائيا، بعدما طلبت بعثة الولايات المتحدة الأمريكية إخضاع مشاريع القرارات الـ23 المعروضة على اللجنة الرابعة للتصويت، بما فيها النصوص التي جرت العادة على اعتمادها بالتوافق أو دون تصويت.

وتبرز أهمية القرار المعتمد هذه السنة في تضمينه الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي كرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للحل في إطار السيادة المغربية، وهي إحالة ترد لأول مرة في القرار السنوي للجنة الرابعة، بالنظر إلى أن اعتماد القرار الأممي المذكور جاء عقب المناقشة السنوية السابقة للقضية من طرف اللجنة.

كما يجدد القرار دعم العملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام، بهدف التوصل إلى حل سياسي واقعي وبراغماتي ودائم ومقبول من الأطراف، وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ويدعو الأطراف إلى مواصلة إبداء الإرادة السياسية والعمل في جو مناسب للحوار، من أجل الدخول بحسن نية ودون شروط مسبقة في مرحلة مفاوضات مكثفة بشكل أكبر.

وصوت المغرب لصالح القرار، إلى جانب 151 دولة أخرى، في حين صوتت الجزائر أيضا لصالحه، بينما صوتت الولايات المتحدة وإسرائيل ضده، وامتنعت سبع دول عن التصويت، من بينها فرنسا وبريطانيا.

نحو مرحلة جديدة

وبينما يتجه مجلس الأمن إلى التصويت على مشروع القرار مساء اليوم الجمعة، تتقاطع مضامين النسخة “الزرقاء” مع التوجه الذي عبر عنه دي ميستورا في إحاطته الأخيرة، خصوصا بشأن جعل الحكم الذاتي محور المفاوضات المقبلة، وتوسيع المشاورات مع المكونات الصحراوية، وإعادة تقييم دور البعثة الأممية.

وفي ختام مداخلته أمام المجلس، دعا دي ميستورا الطرفين إلى الانخراط، عقب اعتماد القرار المقبل، في مفاوضات منسقة وبحسن نية، لاستكشاف إمكانية التوصل إلى حكم ذاتي حقيقي، مؤكدا أن مشاركة “البوليساريو” لا تعني مجرد قبول المقترح المغربي، وإنما تقتضي دراسته والمطالبة بإدخال تحسينات عليه وطلب توضيحات بشأنه وتقديم مقترحات بناءة تتعلق بعناصر محددة منه.

كما أعرب عن أمله في أن تتخذ الجبهة هذه الخطوة قبل نهاية العام الجاري، بمساعدة جماعية من الأطراف المعنية، مشيرا إلى أن بلوغ هذه الغاية يتطلب مرونة تاريخية وشجاعة سياسية من البوليساريو والمغرب على حد سواء.