مغاربة خارج “entourage” شوكي
لا أدري كم يحتاج المرء من خروج من محيطه كي يرى المغرب كما هو، لا كما يراه في التقارير، أو من شرفة البرلمان، أو من داخل “entourage” لا يعرف فيه أحدا لم يجد ما يذبحه يوم العيد.
لكنك لا تحتاج إلى دراسة اكتوارية، كي تفهم أين يوجد المغرب الحقيقي.
يكفي أن تجلس قليلا مع ماسح أحذية قرب محطة القطار، أو أن تنصت إلى “كسّال” فقد سندا عائليا بسبب عطب في نظام الصحة، أو أن تركب مع شاب يجرّ خلفه خطأ قديما كما يجرّ سجينا غير مرئي.
في مثل هذه الزوايا الصغيرة التي لا تدخل نشرات الإنجازات ولا صور الحملات، تجد المغرب الذي ينطق بلسانه العاري، وتسمع مواطنين لا يملكون ترف البلاغة، لكنهم يملكون الحقيقة كما تنزل على الظهر، وعلى الجيب، وعلى الكرامة.
هؤلاء، في الغالب، هم من لا نراهم نحن الذين نعيش في entourage النخبة، أو نتحرك بين سياسيين وخبراء ومحللين، ثم نزعم أننا نتحدث باسم “الناس” كما لو أننا نعرفهم، بينما هم، في كثير من الأحيان، يجلسون تحت أقدامنا، أو يغسلون ظهورنا في حمّام شعبي، أو يحملون أضحيتنا على متن “الهوندا”.
لهذا قرّرت تحويل ثلاث قصص صادفت أصحابها خلال فترة العيد، إلى مساهمة في تنوير السياسيين حول ما يجري خارج l’entourage الخاص بهم.
القصة الأولى لماسح أحذية يمارس نشاطه أساسا وسط الرباط، غير بعيد عن محطة القطار المدينة. لنطلق عليه اسم “عزيز”، وفي حقيقة الأمر هو الذي أوحى لي بتجميع هذه القصص المتناثرة وربطها بحديث رئيس رئيس الحكومة، محمد شوكي، عن “محيطه” الذي قضى العيد في أفضل الأحوال. والعلاقة بين الطرفين تكمن في مشهد سابق رأيت فيه محمد شوكي حين كان رئيسا للجنة المالية بمجلس النواب.
شاهدت الرجل الذي كنت قد تعرّفت عليه حديثا خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، وهو يقف بكامل أناقته، في الزاوية المقابلة لمحطة القطار المدينة، قرب مقهى “هواي” لمن يعرفون هذا الجزء من الرباط، وصدمني مشهد البرلماني الذي يقف بذلك الشكل وهو يمدّ قدمه لماسح أحذية كي يقوم بتلميعه، وصادف يومها أن كان هناك اجتماع للجنة البرلمانية.
تابعت المشهد يومها بكثير من التأمل والتقزّز، لا أخفيكم. لأن الرجل عَبر شارع محمد الخامس وتوجّه نحو مقرّ البرلمان، حيث يفترض أنه سيقوم بالدفاع عن “الشعب” وحماية حقوقه وصيانة كرامته.
لا أقول إن الرجل ارتكب جريمة، أو خرق قانونا، أو تعسّف في حق ماسح الأحذية، لا أبدا، لكن هذا تقديري الشخصي للأمر، لا أطيق مشهد مدّ القدم لإنسان آخر كي يقوم بمسح الحذاء. يمكن الحصول على الخدمة نفسها مع نزع الحذاء وتسليمه لمن يتولى هذه المهنة الشريفة، ثم ارتداءه من جديد.
الشاهد عندي هنا، ” أن “عزيز” الذي يتردّد على هذه المنطقة بشكل متقطّع، بما يوحي أنه لا يحترف مسح الأحذية، بقدر ما يصنع لفقره قناعا يستعمله بين الحين والآخر لتوفير قوت أطفاله، وباتت تجمعني به شبه صداقة. التقيته عشيّة العيد (…) وبعده، ولم تكن المساعدات التي قام بجمعها كافية ليشتري أضحية.. لهذا أدعو السيد شوكي إلى الالتفات أكثر إلى الناس الذين يخدمون في l’entourage ديالو.
القصة الثانية، ل”كسّال” دعونا نطلق عليه اسم “نزار” (باش ما يتقلق حدّ داخل الحكومة)، صادفته خلال فترة العيد أيضا، وكان أن استفدت من خدماته، فكان الرجل كما لو أنه يتحيّن الفرصة ليطلعني على مصابه.
قذف بعبارة نحو أحد زملائه، مذكرا إياه أنه ما زال في فترة حداد بعد وفاة حماته حديثا. فكان لابد لي أن أقدّم له العزاء والمواساة، لينطلق بوح الرجل: كانت السيدة تتولى مساعدة “نزار” أسريا من خلال تكفّلها برعاية أبنائه، بينما يخرج هو وزجته للبحث عن لقمة العيش، فتعرّضت السيدة لصدمة دماغية، شلّت حركتها واستدعت البحث عن سبيل لإنقاذها.
كانت الوجهة أحد مراكز القرب بمدينة سلا، ومنه إلى المستشفى الإقليمي، حيث خلص الفحص الطبي الأولي، كما هو طبيعي في هذه الحالة، إلى حاجة المريضة لتدخّل اختصاصي في أمراض الدماغ والأعصاب، وهو ما لم يكن ممكنا بشكل فوري، بل تمت إحالة الأسرة على موعد لا يحلّ إلا بعد أسابيع…
أتت النجدة، كما هو الحال في مثل هذه الحالات، من قريبة للمريضة تشتغل خارج المغرب، قامت بتحويل الأموال اللازمة، وطلبت اللجوء إلى مصحة خاصة لإنقاذ المريضة، وهو ما حاول “نزار” وباقي الأقارب القيام به عبر إحدى المصحات الكبرى حديثة التدشين في الرباط، والتي أحيط انطلاق العمل فيها بترويج إعلامي كبير، لكونها تجمع بين التجهيزات المتطورة والأسعار المخفضة للخدمات (…).
تم تشخيص الحالة، وكانت النتيجة مطابقة لتشخيص المستشفى الإقليمي، وحصلت الأسرة على وصفة طبية، وقيل لها أن تجرّبها ليومين ثم العودة في حال عدم حدوث أي تحسّن.
حكى لي “نزار” بين “تشليلة” وأخرى، كيف أن حالة المريضة تدهورت أكثر، فقام بحملها مجددا نحو هذه المصحة صبيحة يوم سبت، ليواجه بجواب غريب: لا يوجد اختصاصي أعصاب خلال يومي نهاية الأسبوع، اذهب وعد يوم الإثنين.. لكن الأجل سيوافي المريضة زوال يوم الأحد…
“كان مليون ديال الفرنك فجيبي، وقلت لهم نخلّص غير عتقوا السيدة، ولكن ما بغاوش”.
القصة الثالثة لشاب دعونا نطلق عليه اسم “المهدي” (والله ما نقلقو شي حد)، صادفته يوم العيد تحديدا، لكونه من بين هؤلاء الذين لا يرتدون الملابس الأنيقة ويجلسون أمام موائد الحلويات والولائم أيام الأعياد، بل يحوّلونها إلى مصدر للحصول على دخل هم في أمسّ الحاجة إليه.
يشتغل “المهدي” أساسا عبر سيارة صغيرة لنقل البضائع (هوندا)، ويستثمر فترة عيد الأضحى في تقديم كل الخدمات المرتبطة بهذه المناسبة. يساعد من يحتاجون إلى خبرة في أسواق المواشي وإرشاد داخل “الرحبة”، ويقتنص “بريكولات” هنا وهناك، نقل للأضاحي، وتوسّط في عمليات التسوّق، ثم يحمل سكاكينه صباح العيد حيث يتحوّل إلى جزّار موسمي، “يفكّ وحايل” الكثيرين، ويرافقهم في كل ما يتعلّق بذبح وسلخ وتفصيل الأضاحي…
صادفته في إحدى هذه الخدمات، فوجدته قارئا ومتابعا وفيّا. شاب يصارع من أجل لقمة عيش حلال، ويحرص على فهم ما يجري على المستويات السياسية والاقتصادية.
بعدما أثبت لي متابعته الدائمة وفهمه لارتباط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالسياسة والانتخابات… دعاني بإلحاح إلى طرح موضوع يمسّه بشكل مباشر: “الوسخ” في الضوصي.
كانت ل”المهدي” كبوة تجرّع معها مرارة السجن بعدما “غلط”. قضى عقوبته السجنية ودفع الثمن لصالح المجتمع واستعاد حريته قبل أكثر من ثلاث سنوات. هو اليوم يجمع بين دبلوم في الميكانيك ورخصة لسياقة الشاحنات من الحجم الكبير، لكنّه كلّما حاول استئناف مسار حياته وتقدّم لوظيفة، واجهه حاجز شهادة السوابق.
“واش آ خويا أنا نتعاقب حياتي كاملة؟ ياك غلطت وخلّصت؟”.
وعدت “المهدي” بأن أفتح هذا الموضوع، ليس لأنه حكاية فردية فقط، بل لأنه واحد من تلك الأبواب الصغيرة التي تدخل منها السياسة إلى لحم الناس. فالشخص الذي أخطأ وقضى عقوبته لا ينبغي أن يظل محكوما بالمؤبد الاجتماعي. والفقير الذي لم يذبح لا ينبغي أن نخرجه من الإحصاء لأن محيط السيد الرئيس كلّه “عيّد”. والمريضة التي ماتت بين مركز قرب ومستشفى إقليمي ومصحة خاصة لا ينبغي أن تتحول إلى حادث عائلي محض.
هذه القصص ليست تحقيقا، ولا أدعي أنها تمثل المغرب. لكنها تكفي، في نظري، لكي نخرج قليلا من وهم الأرقام الكبيرة، والإنجازات المرتبة، والخطابات التي تنظر إلى الناس من أعلى.
“عزيز” و“نزار” و“المهدي” ليسوا هوامش في المغرب، بل هم المغرب الحقيقي حين ننزع عنه ربطة العنق. هم المغرب الذي يمسح أحذية السياسيين، ويفرك أوجاع الناس في الحمامات، ويحمل الأضاحي، ويبحث عن فرصة ثانية، ثم يسمع في التلفزيون من يقول له إن من كان قادرا فقد عيّد.
المطلوب من السيد شوكي، ومن كل من يشبهه، ليس أن يخرجوا إلى الشعب في موسم انتخابي، ولا أن يلتقطوا صورا مع “الدراوش” حين تقتضي الحملة ذلك؛ بل المطلوب فقط أن يوسعوا محيطهم قليلا. وأن ينظروا إلى اليد التي تلمع الحذاء قبل أن تنظر الكاميرا إلى الحذاء نفسه.
حينها فقط، قد يكتشفون أن المشكل في المغرب ليس أن بعض المواطنين لم يذبحوا الكبش. المشكل أن كثيرا منهم يُذبحون كل يوم، بصمت، وبلا دم، وبلا نشرة أخبار.
يذبحهم الفقر، والانتظار، والملف الطبي، وشهادة السوابق، والباب الإداري المغلق، والسياسة التي لا تراهم إلا حين تحتاج إلى أصواتهم.
أما حين ينتهي العيد، وتبرد الشوايات، فيرجعون هم إلى أماكنهم: قرب محطة القطار، وفي حمّام شعبي، وفوق “هوندا” صغيرة، أو أمام مكتب لا يفتح لهم إلا ليقول إن “الضوصي موسّخ”.
هؤلاء ليسوا خارج المغرب. هؤلاء هم المغرب حين لا يكون في “l’entourage” الصحيح.