story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

لمَ لا نصبح “كلنا إسرائيليون”؟

ص ص

هل صِرنا في المغرب، بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل، أكثر انقساماً؟
هذا ما يشعر به صحافيٌ مثلي متابعٌ لتوجهات شبكات التواصل الاجتماعي وضجيجها، وقنوات إدارة نقاش النخبة وما يعْتمِل فيها.

والأسوأ أن النَّقيصَةَ السابقة في “أن تكون صهيونياً” حين تُبرِّر، بشكل صريح، صَلَف الإسرائيليين وعدوانهم على حقوق الفلسطينيين وغيرهم، انقلبت عند البعض إلى معادلة نقيضة: وطنيتُك تتحدّد بمدى تماهيكَ مع موقف الدولة في ما يخصّ القضايا الدولية، أو انمحاء رأيك ليصبح مطابقاً لقراراتها، فيما المقصدُ أن حَمَلَة راية هذه الخديعة يُفتِّشون، حقيقةً، في درجة قُربك من إسرائيل.

بصيغة أخرى: عند البعض، صار أن تكون وطنياً مطابقةٌ لأن تكون مُتصهيناً.

التّستر خلف الموقف الرسمي لترتيب حُكمٍ بشأن وطنيةِ الناس مكرٌ يخدم غايةً إسرائيلية بحتة: كسرُ حلقة الرفض لدولة الاحتلال الإسرائيلي شعبياً وفي صفوف النخبة وقوى المجتمع السياسية والمدنية، ثم الانتقال إلى تسويق إسرائيل مجرّد موضوع خلافي مثل كل ما يختلف حوله الناس، في أفق تطبيع شعبي يَلْحَقُ بالتطبيع الرسمي.

القولُ بعدم وطنية الرافضين لإسرائيل لا يجب، بأي حالٍ، أن يُرْعِب أو يهُزّ أصحاب هذه القناعة. من يجب أن يُقَيَّم مُعدّل صِدقه في مغربيته هو من يقبل أن يحمل مِعْولَ هدم لخرق جدار هذا الوطن، بدسّ جرائم إسرائيل، في عقول الناس، باعتبارها “حقَّ دفاعٍ عن النفس”، وتعويم دولة الاحتلال في النقاش العمومي باعتبارها “حليفاً طبيعياً وموثوقاً”، بل وتسويق حروبها كأنها حروب المغرب.

من حقّ الدولة (وأيّ دولة)، بالمجمل، أن تُقدِّر المصلحة العامة في قراراتها، وأن تخُطَّ سياستها الخارجية وفق معطياتها وشبكة تحالفاتها. لكن عليها، في مقابل هذا الحق، واجبُ أن تشرح حيثيات ما تقرِّره بالقَدْر الذي يمنحهم فهماً، على أمل أن تحوزاً من المواطنين تفهُّما في الحد الأدنى، أو دعماً ومباركة شعبية. ومن حقّ المواطنين، أيضا، بعد الفهم، إنْ لم يتفهّموا أو يدعموا، أن يكون لهم رأيٌ معارضٌ محفوظ ومحمّي. هذا من البديهي.

في المغرب، نُمْنَحُ حدّاً أدنى من حيثيات القرارات، بما يُضِرُّ بالحقّ في الفهم، وقد نُمنع من حقّ إبداء الرأي، ثم يأتي من يُزايد على الناس في وطنيتهم، رَهْناً بمصلحة يُخفونها ولا تظهر دوماً مغربيةً خالصةً، إنْ لم تتكشَّف مرّاتٍ إسرائيليةً.

بشأن الحرب الجارية في الشرق الأوسط، ملأَ الموقفُ المغربي مساحةً تشمل منطقة الخليج العربي، انسجاما مع علاقة تضامن ورابطة تاريخية مستقرة مع أغلب دوله، وكاد يسكت عن الموقف من الحرب الأمريكية الإسرائيلية العدوانية على إيران، لولا لغة قاسية ضد طهران هي جزءٌ من حقّ الدولة في تصريف موقفها من نازلة الحرب، وتحيُّزاتها التي تتحمّل فيها المسؤولية.

الموقف الرسمي بالكاد يتمايز عن السير إلى جنب واشنطن وتل أبيب، ربطاً بالمصلحة في قضية الصحراء. منذ الاتفاق الثلاثي اختار المغرب تحالفه، وتقديرُ الموقف من الحرب على إيران لن يخرج عن هذا الإطار.

ولئن كان موقف المغرب الرسمي لم يدعم، علناً، الحرب الإسرائيلية الأمريكية، فإنّه علّق على تداعياتها، رفضاً للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج ومنشآتها المدنية والاقتصادية، واسترجاعاً لجُملة اعتراضات مغربية على سياسات طهران.

وللأمانة، وإنْ كان الموقفُ المغربي يُفسَّر في أجزاءَ منه بالاتفاق الثلاثي مع أمريكا وإسرائيل، فإنّ علاقةَ توجُّس وسوء فهم مع إيران منغرسةٌ حتى ما قبل اتفاق 10 ديسمبر 2020. منذ الثورة الإيرانية 1979، التي أطاحت بحليف المغرب محمد رضا بهلوي، شاه إيران، إلى منازعات ذات ارتباط بالرمزيات الدينية بلغت ذروتها بتكفير “أمير المؤمنين” الحسن الثاني لـ”الولي الفقيه” روح الله الخميني، قبل أن تتضرّر العلاقة، وفق اتهامات مغربية، بتدخّل إيراني للإضرار بالوحدة الترابية بدعم جبهة البوليساريو الانفصالية، جرياً على عادةٍ إيرانية (غير محمودة) في دعم قوى ومليشيات محلية للإضرار بدولٍ عربية، ضمن استراتيجية دفاع متقدّم شكّلت إحدى أضلع سياستها للنفوذ في الإقليم.

هذا يعني تشكيلةً واسعة من الخلافات أطّرت علاقة مغربية إيرانية منذ 1979، انطلاقا من إزاحة نظام سياسي حليف لصالح نظام بديل “غير حليف”، ثم منازعة دينية في ميزان الدولتين بالغةَ الأهمية، إلى خلافٍ سياسي في قضية الوحدة الترابية للمغرب التي تُعتبر خطاً أحمر. وأخيراً، ومُضافاً لكل ما سبق، شبكة تحالفات مغربية جديدة/ متجدّدة، تضمّ مع آخرين إسرائيلَ وأمريكا، وتضع الرباط، تلقائياً، ضمن خطّ مخالفٍ لخطّ إيران.

يُقَدِّر كاتب هذه السطور أن الدولة مُستأمنة على رعاية شؤون المغاربة ومصالحهم، بما يشمل العلاقات الخارجية، ويفهم أن الدولة تُقيِّم، لربما، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتبارها حرباً لتغيير الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط وغرب آسيا في الحد الأدنى ضمن تداعيات ما بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، وأن إنتاج موقف متماسك من حربٍ ترتبط بتحوّلات عنيفة في النظام الدولي مهمةٌ صعبةٌ، أخذاً بعين الاعتبار مصلحةَ المغرب، وأيضا موارده ومقدّراته وحدود وهوامش تحرّكه.

لكن ذلك لا يُعفي من التعرُّض لما يمكن أن يكون قصوراً في موقف الدولة، أو لما يعتقد مخالفون لتوجهاتها أنّها مخاطر تحيط بهذا الاصطفاف المنسجم مع أداءٍ دبلوماسي يترسّخ بشكل أوضح في السنوات الأخيرة، مُتجهاً بشكل سريع إلى حسم التحالفات في عالم يتفكّك.

من حقِّ الناس إثارة موضوعات من قبيل الكُلفة الأخلاقية للتحالف مع دولتين لا تقيمان اعتبارا للقانون والشرعية الدولية، إحداهما ترتكب إبادة جماعية في غزة، والأخرى اختطفت رئيساً، وتعمدان معاً إلى الاغتيال السياسي في إيران لتصفية مسؤولين مدنيين كجزء من أعمال الحرب، بينهم المرشد الذي يمثّل رأس السلطة السياسية والدينية هناك، “متفوِّقتين” مثلا على روسيا/ بوتين التي لم تستهدف، إلى الآن، الرئيس الأوكراني وأركان حكومته رغم انكشافهم وسفرياتهم التي لا تنقطع.

من حق الناس طرح السؤال بشأن المخاطر المحتملة للتحالف مع إدارة أمريكية يرأسها دونالد ترامب، بكل تلك المزاجية و”سوء الأخلاق السياسية” في التعامل مع الحلفاء قبل الأعداء. كما من الواجب مساءلة الدولة بشأن تقديرها للموقف حول تحوّل المنطقة إلى زمن الهيمنة والنفوذ الإسرائيلي.

أثبتت إسرائيل، مراراً، أنها لا تتردّد مرتين في ابتزاز حلفائها، وجرّبت ذلك مع المغرب، فهل تَغَيُّر موازين القوة في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، بعد الحرب على إيران، إن حصل، يخدم مصلحةً مغربية؟

ولمزيد من الوضوح: أليس هناك خطرٌ لأن تتحوّل قضية الصحراء موضوعَ مزايدةٍ وضغط ضد المغرب إذا ما تحقّقت أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟ ألن يتحوّل الاتفاق الثلاثي من “مكسب” إلى عبءٍ، وفي البال تجربة أمريكية في التعامل مع الحرب في أوكرانيا (الغربية)، وكيف تحوّل دعمُ واشنطن لكييف إلى أداة ابتزاز للسيطرة وسرقة موارد البلد من المعادن النادرة؟

هذه سيناريوهات مُفزِعة لن يقبل الذي يُشكِّك في وطنية الناس السؤال عنها. بل لربما يشكّك في وطنية الناس حتى لا يسألوا عنها.

التاريخ مليء بنماذج اعتراف الدول بأخطاء في تقدير الموقف من قضايا وعلاقات دولية. ولا يُحصَّنُ الموقف الرسمي ويكتسبُ قوته إلا بعرضه للنقاش العمومي، بدون ازدراء لمواقف المواطنين، أو ترهيبهم، أو التشكيك في وطنيتهم.

قصارى القول

مصلحة المغرب في حماية النقاش العمومي داخله، وحفظه من الاختراق، من إيران أو إسرائيل أو غيرهما. حقُّ الدولة أن تقدِّر المصلحةَ العامة بخبرائها وخبراتها ومواردها، وواجبُها أن تحمي حقّ الناس في تقييم اختياراتها. لا دولة في هذا العالم يجب أن تكون مصلحتها مقدّمةً لدى أي مغربي على مصلحة المغرب. على هذا الأساس، لا يُقبل التذاكي، لرعاية مصلحة إسرائيل في هذا البلد، بالتّمترس والتخفي خلف أزعومات المصلحة الوطنية لوأدِ أي نقاش يحتاجه المغرب أكثر ممّا يحتاج تعميم الصمت.

الوطنيةُ، عبر التاريخ، لا يصنعها المدّاحون. الوطنية، في بلدٍ يمشي حَبْواً إلى الديمقراطية، وللمعارضةِ فيه تكاليف، تتحدّد بالقدرة على إخضاع موقف الدولة للفحص، ونقده، ونقضِه إن تبث قصوره.