الشرق الأوسط.. ما بعد مئة يوم من النار
محمد وحي
طهران.. الثامن والعشرون من فبراير، ألفين وستة وعشرين. أعمدة الدخان تتصاعد في سماء إيران؛ هجوم خاطف وعنيف شنته القوات الأمريكية والإسرائيلية بعد أسابيع من الحشد والوعيد. من هنا.. بدأت أحداث ستغير وجه الشرق الأوسط والعالم للأبد. واليوم، بعد مئة يوم من النار، لم تسقط فيها طهران، لكن عقائد عسكرية سقطت، وخطوطا حمراء جرى تجاوزها.
وهم الحرب الخاطفة
في المخيلة الأمريكية الإسرائيلية، كانت الـ Blitzkrieg هي الخطة المثالية لإنهاء ‘التهديد الإيراني’. ضربة صاعقة وعنيفة، تستهدف رأس الهرم الإيراني وباقي القيادات؛ والهدف: خلق صدمة مزدوجة. داخلياً، عبر تفجير الاحتجاجات وتحريك المعارضة لتداعي النظام، وخارجياً، بوضع طهران أمام شلل استراتيجي يعجزها عن الرد في بيئة عسكرية وجغرافية معقدة.
لكن ما أرادته واشنطن وتل أبيب حرباً خاطفة، ارتدّ حرب استنزاف ممتدة، فالطرفان وجدا أنفسهما أمام بلد معقد النظام والجغرافيا؛ فما كان بالأمس احتجاجات داخلية ضد النظام، تحول تحت وطأة القصف إلى تعبئة قومية داعمة له، بعدما أدرك الشارع أن الخطر الأكبر هو ذاك القادم من “الشيطانين”.
أما رهان إسقاط النظام، فقد خسره ترامب ونتنياهو قبل دويّ الانفجار الأول؛ حين أقدما على استهداف بنية سياسية فسيفسائية، وُضع فيها الخلف وراء السلف، ودرست عبر عقود كل السيناريوهات، وخطط النجاة من الضربات، رغم أنها أغفلت ما تعيشه من اختراق أمني ممتد لسنوات، ذهب بكل قياداتها في مهب الاغتيالات.
الطائرات المسيرة.. اللاعب الجديد
طهران في ردها، لجأت لاستراتيجية لطالما لوحت بها كردع – المواجهة الشاملة – أي أن الرد الإيراني، لن يشمل إسرائيل فقط، بل المنطقة كلها، استراتيجية، فسرتها إيران، بالقواعد الأمريكية المتواجدة في دول الخليج، وانخراطها في الهجمات على الأراضي الإيرانية، وفي مشاهد غير مسبوقة، نقلت رياح التصعيد أعمدة الدخان من طهران، إلى عواصم الخليج، وسمع أزيز المسيرات، كضيف جديد في هذه الحرب، سلاح قليل التكلفة، دقيق الإصابة، ويستنزف الدفاعات الجوية.
طهران دفعت بطرازات مسيرات كـ “شاهد” و “ارش” و “أبابيل”؛ تمتاز بمدى تحليق بعيد وقدرة تدميرية عالية، وبتكلفة تصنيع لا تتجاوز 20 ألف دولار للمسيرة الواحدة. في المقابل، يتطلب اعتراضها صواريخ دفاعية تتجاوز كلفتها ملايين الدولارات، فضلا عن الأضرار البشرية والمادية والاستراتيجية التي تخلفها عند الارتطام، هذه الخصائص جعلت المسيرات المعادلةَ الجديدة أيضا في الصراع بين حزب الله وإسرائيل، وأربكت القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني والمستوطنات.
تصدع المظلة الأمنية الأمريكية
ردود دول المنطقة والعالم انهالت فوراً بعد استهداف العواصم الخليجية، بين مدينٍ، وداعٍ للتهدئة، ومتوعدٍ بالرد. بل إن المجتمعات العربية والإسلامية انقسمت هي الأخرى إلى فريقين: الأول يُدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج ويعتبرها عدواناً سافراً، والثاني يراها مبررة في ظل احتضان هذه الدول للقواعد الأمريكية.
لكن أبرز ما كشفت عنه هذه الحرب، هو فشل الاعتماد المطلق على الحماية الأمريكية أمام هجمات الصواريخ والمسيّرات، رغم ما يكلّفه هذا الاعتماد من تكاليف باهظة؛ فإحدى هذه المسيّرات كانت كفيلة بإسقاط تلك المظلة، لتكشف عن واقع عسكري هش تعيشه دول الخليج.. واقع لا يظهر في أوقات السلم، بل عندما تشتد المعارك.
ارتدادات الاستراتيجية العالمية
مشهد تصويري: من فوق تلال جزيرة هرمز، وبينما كان عناصر الحرس الثوري يثبتون إحدى المسيرات على منصة الإطلاق، لم تكن أعينهم تفارق حركة الناقلات في الأسفل، فالخطوة التي ستقلب موازين العالم كانت جاهزة في أدراج القيادة، ولم تكن تنتظر سوى أمر التنفيذ: تحويل مضيق هرمز من ممر للتجارة.. إلى ساحة عمليات عسكرية مفتوحة.
فالمرر الذي قيدت طهران حركة الملاحة فيه لم يكن مجرد مضيق عادي، بل ممر لخمس إمدادات النفط والغاز العالمية؛ ما يضرب عصب الصناعة الآسيوية، ويهدد أمن الطاقة الأوروبي الجديد بعد التخلي عن الغاز الروسي، ومن هنا، بدأت الارتدادات العالمية للحرب في الشرق الأوسط.
أولى تجليات صدمة الطاقة العالمية برزت مع ارتباك سلاسل الإمداد، لتقفز أسعار النفط – بخامي برنت وتكساس – إلى مستويات قياسية؛ ما استنفر القوى الغربية وأجبرها على السحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية، خاصة دول أوروبا التي وجدت نفسها مرغمة على بحث جهود موازية لتأمين الملاحة في المضيق.
القارة العجوز – تحديدا دول الناتو – وجدت نفسها أمام تحد آخر تمثل في أزمة ثقة حادة مع واشنطن؛ إذ عكست تصريحات ترامب تراجع الإدارة الأمريكية عن الانخراط في مواجهة مفتوحة بالنيابة عن الحلفاء، ونظرتها لهذا التكتل الدفاعي كعبء مالي، و “نمر من ورق”.
بينما في المقابل، جابهت العواصم الأوروبية هذا الموقف برفض قاطع الانجرار وراء حرب تدفع هي ضريبتها الأولى، مستعينة في ذلك بدروس الماضي القريب التي علمتها أن فواتير الأزمات تصب دائما في الشرايين الاقتصادية للقارة.
وإن لم تكن أزمة الثقة بين واشنطن والناتو وليدة الحرب في الشرق الأوسط، بل نتيجة تراكمات عززتها الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أنها كشفت عمق الفراغ الأمني الأوروبي، وعرت اتكاء القارة على قوة باتت تعيش انفصاما حاداً؛ بين رغبة في التحلل من أعباء الحلفاء، وانكفاء على الذات. هنا.. فهمت أوروبا الدرس تماما؛ صيحات الدب الروسي تسمع أكثر فأكثر في الشرق، والعم سام لم يعد حليفا لطيفا.. بل بات قريبا من الكرملين..العالم يتغير.. يا أوروبا!
أحدهم يراقبك يا واشنطن!
على الجهة الأخرى، كان التنين الصيني يراقب بهدوء غريمه الأمريكي وهو يتورط في مستنقع الشرق الأوسط، إلى جانب حليفه الإيراني ومورده النفطي الأول، في ظل اتهامات واشنطن لبكين بتقديم دعم استخباراتي وتقني لطهران، وهو ما تنفيه الصين جملةً وتفصيلاً.
ولعل عنوان مجلة الإيكونوميست كان الأدق في وصف المشهد: “لا تقاطع عدوك وهو يرتكب خطأ”، وقد أرفقته المجلة بصورة تجمع ترامب صارخاً وشي جينبينغ مراقباً بصمت. فمحاولة واشنطن تطويق الصين وتقييد إمداداتها النفطية باتت تتآكل مع الوقت، دون أن تُفضي إلى ما كان متوقعا.
لاحقاً، توجّه ترامب إلى بكين في زيارة لم تعد تحتمل التأجيل، ليكتشف في قاعة الشعب الكبرى أن الضغط على الصين بالأدوات التقليدية لم يعد يجدي، فبكين تلعب بمنطق
مختلف وأفق أبعد.
خلاصة مئوية الحرب
مئة يوم من النار لم تُسقط طهران، لكنها أسقطت أوهاماً راسخة .. وهم الحرب الخاطفة، ووهم المظلة الأمنية الأمريكية، ووهم أن مضيق هرمز مجرد ممر للناقلات، ووهم صلابة التحالف الأوروبي الأمريكي. الشرق الأوسط الذي كان قبل الثامن والعشرين من فبراير لن يعود، والعالم الذي بنى توازناته على معادلات القرن الماضي يجد نفسه أمام قواعد جديدة.