لماذا لا ينتج الاقتصاد المغربي ما يكفي من فرص الشغل؟
قبل وبعد تقديم رئيس الحكومة للحصيلة الحكومية 2021-2026، صدرت تقارير متتالية تهم الاقتصاد المغربي من مؤسستي بريتون وودز، حيث أصدر صندوق النقد الدولي تقريرا على إثر مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 والمراجعة في إطار اتفاقية خط الائتمان المرن؛ وتقريرين حول قضايا مختارة: تقرير حول الأثر الاقتصادي الكلي لتسريع الاستثمارات في البنية التحتية؛ وتقرير حول كفاءة الإنفاق العام في قطاعي الصحة والتعليم؛ كما أفصح البنك الدولي يوم 28 أبريل 2026 عن تقرير له تحت عنوان النمو والشغل من أجل مغرب مزدهر، وعن تقرير يتضمن دراسة تشخيصية للقطاع الخاص بالمغرب.
وبالرغم من كون المجال لا يسمح بالوقوف على كل التفاصيل، لكن ما يمكن استنتاجه هو أن هذه التقارير تدندن كلها حول خلاصة واحدة وسؤال مقلق، وهو أن الاقتصاد المغربي وبالرغم من كل ما يتمتع به من عوامل الصلابة والصمود، بفضل التدبير الاقتصادي الكلي الرشيد والاستقرار السياسي والإصلاحات الهيكلية الاستباقية، والحجم المتزايد للإنفاق العمومي على البنيات التحتية وعلى قطاعي التعليم والصحة، إلا أن فجوة الكفاءة والفاعلية لا تزال قائمة، مما يجعل النمو لا ينتج ما يكفي من فرص الشغل، حيث يُسَجَّلُ -حسب البنك الدولي- عجز سنوي مزمن في إحداث مناصب الشغل، بلغ في المعدل 215 ألف منصبا سنويا أقل مما يحتاجه سوق الشغل بين 2000 و2024، وارتفع هذا العجز ليبلغ 370 ألف منصبا سنويا بين 2020 و2024، وهو ما يجعل حسب نفس البنك الحفاظ على الاتجاهات الحالية غير كاف لتحقيق المسار الذي رسمه النموذج التنموي الجديد، ويستدعي القيام بإصلاحات جوهرية لسد هذه الفجوة ولمعالجة العوامل التي تثبط المستثمرين من القطاع الخاص للحفاظ على النمو الشامل وتمكين المغرب من تحقيق أهدافه الطموحة في خلق فرص العمل وغيرها من الأهداف التنموية.
وفي سياق هذه التقارير المتواترة وخلاصاتها وأسئلتها المقلقة، لم يَعُدْ التدليس والتلاعب بالأرقام يفيد في شيء، ولم يعد مُهِّماً دحض أرقام رئيس الحكومة ومواجهته بفشله الذريع في تحقيق التزاماته، وبالأخص التزامه بإحداث مليون منصب شغل صافي خلال الولاية الحكومية الحالية، مادامت هذه التقارير مُجْمِعَةٌ على حقيقة معضلة البطالة وتُعَدِّدُ أسبابها وتوصي بكيفية معالجتها، وما دام الأمر يتعلق بمستقبل المغرب وأبنائه وبناته، وهو أمر يتجاوز الزمن الحكومي، ولا سيما زمن الحكومة الحالية ما دام رئيسها قد أعلن خروجه المبكر وأصبح شغله الشاغل مواصلة حملاته الدعائية في محاولة فاشلة لتجميل حصيلته والدفاع عن شخصه وحزبه.
لذا، فالمهم والأنفع اليوم للبلاد والعباد وما تقتضيه المصلحة العامة هو توجيه النقاش العمومي بكل صراحة وشفافية ومسؤولية وبصوت عال نحو الأسباب الحقيقية والهيكلية التي تقف عائقا وحاجزا أمام ترجمة الاستقرار السياسي والمؤسساتي والماكرواقتصادي الذي ينعم به المغرب، والمستوى العالي والمتواتر من الإنفاق العمومي في البنيات التحتية وفي القطاعات الاجتماعية، بهدف سد الفجوة بين معدل النمو المحقق في ظل السياسات والممارسات الحالية، ومعدل النمو المراد والممكن تحقيقه عبر الرفع من كفاءة ونجاعة وحكامة الإنفاق العام وتحرير كل الطاقات والإمكانات الوطنية، وتشجيع المبادرة الخاصة، وفتح الفرص الاستثمارية العامة والخاصة أمام الجميع وتوسيع وعاء المقاولات ومحاربة التركيز وتعزيز شروط المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص.
وهنا يكفي لمعرفة أين يكمن الداء والخلل وسبل معالجته العودة لمثل هذه التقارير، التي تلتقي كلها في كون أن المغرب وبالرغم من كونه يحقق نموًا اقتصاديًا مستقرًا وتحسنًا مستمرا في البنيات التحتية، لكن هذا النمو يبقى غير كافٍ من حيث إحداث فرص العمل ولا يمكن أن يحقق أهداف النموذج التنموي الجديد، وذلك لكونه نموذج نمو يستند إلى استثمارات عمومية كبيرة في البنيات التحتية واللوجستيك والطاقات المتجددة، إلا أن الاستثمار الخاص لم يبلغ بعد الحجم المطلوب للحفاظ على نمو مرتفع واستيعاب القوى العاملة المتنامية.
وأنه وفي الوقت الذي تظل معدلات الاستثمار مرتفعة، حيث تبلغ حوالي 30% من الناتج الداخلي الخام، وهو من بين أعلى المعدلات في العالم، وأعلى بكثير من المعدلات في الدول ذات مستويات الدخل المماثلة، فإن مصادر تمويلها تبقى عمومية، حيث لا يمثل الاستثمار الخاص سوى حوالي ثلث إجمالي الاستثمار. وهو ما يترجم بتباطؤ في إحداث فرص العمل، مع نمو محدود في الإنتاجية واستمرار ظاهرة الاقتصاد غير المهيكل في عدة قطاعات، وضعف دينامية المقاولات، حيث أن 94% من الشركات صغيرة جدًا، ولا تنمو بسرعة ولا تخلق وظائف كافية، في الوقت الذي تهيمن فيه الشركات الكبرى مع أنها أقل إنتاجية من المتوقع، وتكمن أحد العوامل الرئيسية وراء هذه التشوهات في إشكالية تخصيص الموارد بحيث تستفيد الشركات الأقل إنتاجية أكثر من الفرص ومن الدعم، كل ذلك في ظل ضعف تكافؤ الفرص، ومعاناة قطاعات كثيرة من الاحتكار ومن ضعف المنافسة ومن قيود تنظيمية.
والمثير في الأمر أن ما صدر عن هذه التقارير الأجنبية ليس جديدا ولا مجهولا، فقد سبق وأشار إليها سنة 2021 تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الذي نبه إلى إشكالية ضعف المنافسة وانتشار مظاهر الاحتكار وعدم تكافؤ الفرص، وأشار بوضوح إلى الأسباب الكامنــة وراء التعبئــة الضعيفــة لمؤهلات بلدنــا التنمويــة، وأوزعها إلــى معيقــات ذات طبيعــة نســقية، ومنها تعثــر التحــول الاقتصادي بســبب ضبــط غيــر كاف للحقــل الاقتصادي، ممــا يحــد مــن القــدرة علــى خلــق قيمــة مضافــة مــن قبــل وافديــن جــدد يتَّســمون بــروح المبــادرة والابتكار والتجديــد، ســواء علــى المســتوى القطاعــي أو الترابــي.
وأكد نفس التقرير أنه ورغــم الجهــود المبذولــة فــي مجــال تحريــر الاقتصاد والانفتاح، فــإن ســير الاقتصاد الوطنــي تطبعــه اختلالات وعراقيــل تقــف فــي وجــه المنافســة الحــرة وتحمــي حالات الريــع ومراكــز النفــوذ، وأنه اقتصاد ليس مفتوحــا ومحــررا بالقــدر الكافــي ويفيــد مصالــح اقتصاديــة قائمــة ويحمــي حالات الريــع، كما أن القصــور المســجل فــي مجــال ضبــط بعــض القطاعــات يســاهم فــي تقويــة وضعيــة الاحتكار الجزئــي والممارســات المنافيــة للمنافســة، ممــا يجعــل ولــوج فاعليــن جــدد أمــرا صعبــا، كما يواجه المقاولون حواجــز غيــر مباشــرة مــن قبيــل مقتضيــات تنظيميــة معقــدة أو وجــود اتفــاق ضمنــي بيــن الفاعليــن مــن القطــاع العــام والخــاص فــي منــح الرخــص أو فــي الولــوج الــى مــوارد عقاريــة أو ماليــة، كما ينعكــس التأخيــر الحاصــل فــي معالجــة حالات الاستغلال التعســفي للأوضاع المهيمنــة والتفاهمــات علــى شــفافية الصفقــات العمومية ويضــر بالديناميــات المقاولاتية.
كما أشار التقرير إلى أن تنــازع وتضــارب المصالــح يشكل مصــدر قلــق مســتمر لمختلــف الفاعليــن وأن تداخــل الســلطة السياســية مــع المــال لــه تداعيــات مضــرة بالاقتصاد وبالحكامــة، وله تداعيات عدة أبرزهــا عــدم نجاعــة السياســات العموميــة وضعــف الاستثمارات الخاصة والبحــث عــن مصــادر دخــل ريعيــة وهجــرة الأدمغة.
وفي ظل هذه التقارير من الداخل والخارج، من الواجب ومن المفيد التذكير أيضا بأن موضوع تشجيع الاستثمار والقطاع الخاص ورفع العراقيل التي تعيقه قد كانت موضوع خطابات ملكية وفي مناسبات رسمية، حيث أشارت بوضوح إلى ضرورة محاربة “العراقيل المقصودة” التي تعيق الاستثمار.
لقد وجه خطاب العرش لسنة 2022: ” الحكومة والأوساط السياسية والاقتصادية، للعمل على تسهيل جلب الاستثمارات الأجنبية، التي تختار بلادنا في هذه الظروف العالمية، وإزالة العراقيل أمامها”؛ واعتبر “أن أخطر ما يواجه تنمية البلاد، والنهوض بالاستثمارات، هي العراقيل المقصودة، التي يهدف أصحابها لتحقيق أرباح شخصية، وخدمة مصالحهم الخاصة. وهو ما يجب محاربته.“
كما جعل الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان في أكتوبر 2022 من موضوع “النهوض بالاستثمار” ثاني موضوع مهم ركَّز عليه الخطاب بعد موضوع إشكالية الماء، حيث جدد التأكيد على الرهان على الاستثمار المنتج، کرافعة أساسية لإنعاش الاقتصاد الوطني، وتحقيق انخراط المغرب في القطاعات الواعدة، لكونها توفر فرص الشغل للشباب، وموارد التمويل لمختلف البرامج الاجتماعية والتنموية. كما أكد على دور الميثاق الوطني للاستثمار في إعطاء دُفعة ملموسة على مستوى جاذبية المغرب للاستثمارات الخاصة، الوطنية والأجنبية، ونبَّه إلى أن ذلك يتطلب رفع العراقيل، التي لاتزال تَحُول دون تحقيق الاستثمار الوطني لإقلاع حقيقي، على جميع المستويات.
وأكد نفس الخطاب الملكي على أن الهدف الاستراتيجي، هو أن يأخذ القطاع الخاص، المكانة التي يستحقها، في مجال الاستثمار، كمحرك حقيقي للاقتصاد الوطني، وعلى أن تشكل المقاولات المغربية رافعة للاستثمار وريادة الأعمال، وأن القطاع البنكي والمالي الوطني، مطالب بدعم وتمويل الجيل الجديد، من المستثمرين والمقاولين، خاصة الشباب والمقاولات الصغرى والمتوسطة. ولتحقيق هذه الأهداف، ووجَّهَ جلالة الملك الحكومة، بتعاون مع القطاع الخاص والبنكي، لترجمة التزامات كل طرف في تعاقد وطني للاستثمار، بهدف تعبئة 550 مليار درهم من الاستثمارات، وخلق 500 ألف منصب شغل، في الفترة بين 2022 و2026.
لذا، لا ينبغي أن نمر اليوم مرور الكرام على كل هذه التقارير وعلى هذا الوضع وعلى هذه العوائق والعراقيل ونجعل منها مادة ظرفية للمؤاخذات والمقالات والتعليقات، ثم نطوي الصفحة ونمر إلى موضوع آخر وننصرف لنقوم بالعمل كالمعتاد “Business as Usual”، وهي تقارير تأتي لتُنَبِّه من جديد ونحن في 2026، إلى ما سبق ونبَّه إليه تقرير لجنة النموذج التنموي في 2021، وما سبق ووجه جلالة الملك الحكومة والأوساط السياسية والاقتصادية للعمل على معالجته في خطابين متتاليين في يوليوز وأكتوبر 2022.
فما دامت إشكالية تفشي معضلة البطالة ولا سيما لدى الشباب واقعا حقيقيا وتحديا كبيرا، ومادامت العراقيل التي تواجه الاستثمار والمقاولين مستمرة ومعروفة أو على الأقل جُلُّها، وما دامت آليات ميثاق الاستثمار إما متأخرة أو معطلة، وما دام هذا الميثاق لم يُقْرَنْ -كما كان يجب- بتحديد العراقيل التي لاتزال تحول دون تحقيق الاستثمار الوطني والقطاع الخاص لإقلاع حقيقي، على جميع المستويات ورفعها، كما وجه بذلك جلالة الملك، ومادام التعاقد الوطني للاستثمار الذي كان ينبغي أن يجمع المؤسسات الرسمية والفاعلين في القطاع الخاص والبنكي لم يجد طريقه للترجمة؛
فإن الواجب والمصلحة الوطنيين اليوم وفي ظل محدودية الإنتاجية وضعف معدلات النمو وعدم قدرتها على إحداث فرص الشغل بشكل كاف يقتضي مناظرة وطنية حول الاستثمار والنمو والتشغيل تؤسس على التوجيهات الملكية حول أهمية النهوض بالاستثمار وبالقطاع الخاص ومحاربة ورفع العراقيل التي تحول دون تحقيق الاستثمار الوطني لإقلاع حقيقي، وتستفيد من خلاصات وتوصيات هذه التقارير الداخلية والخارجية. مناظرة تجمع المؤسسات الرسمية والفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين والميدانيين من مختلف المستويات، ولاسيما من المقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة، في لحظة وطنية للصراحة والوضوح والمسؤولية للوقوف على كل العراقيل المؤسساتية والقانونية والتنظيمية والإجرائية والميدانية والمالية والعقارية وغيرها…التي تعيق الاستثمار والنمو والتشغيل، وترجمة كل ذلك في ميثاق وطني للاستثمار والنمو والتشغيل يشكل تعاقدا وطنيا وخارطة طريق تُلزم الجميع لتحقيق الأهداف التنموية ووضع المغرب على سكة الدول الصاعدة، كي لا نتفاجأ بعد بضع سنين بتقارير أخرى تعيد نفس الأرقام والخلاصات والتوصيات…