story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

أخنوش مُدرِّباً: “كيف تكون شنّاقاً ناجحاً؟”

ص ص

صدِّق أو لا تصدّق. عزيز أخنوش لربما أول رئيس حكومة في العالم يُحرِّض تجاراً ضد المواطنين.

من قبّة البرلمان، دعا الشنّاقة والكسّابة إلى إخراج مواشيهم حتى لا يغرق السوق بالأغنام دفعةً واحدة وتتراجع الأسعار، و”المواطن هاد الشي اللي بغا”.

وبمناسبة إقامة المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب بمكناس هذه الأيام، نتذكّر “نصيحة” أخنوش، حين كان وزيرا للفلاحة، في 2019، لمزارعي التفاح لرفع ثمنه: “ثمن التفاح طايح. خصكم طلعوا الثمن ديالو.. هادشي ماشي معقول!”.

في كل بلاد الدنيا، تحاول الحكومات مكافحة غلاء المعيشة، إلا في المغرب يوجد رئيس حكومة يعرض “توجيهات” كي لا تهبط الأسعار، ويقدّم خدمات استشارة لـ”زملائه” التجار بحكم تجربته الواسعة في “التشنّاقت”. ولا تفسير غير هذا.

ليست المرّة الأولى التي يسبق لسانُ “الشنّاق” لسانَ رئيس الحكومة. الطبعُ يغلب التطبّع. وطبعه أنه تاجر “اشترى” منصب رئيس حكومة. قصة شراء الانتخابات ليست من عندي، بل صدرت عن زميله في الحكومة وأحد قادة الائتلاف الحكومي لحظة تأسيس الأغلبية، عبد اللطيف وهبي.

لم يكشف وهبي سَبْقاً. الكل يعرف أن التجمع الوطني للأحرار حوّل الانتخابات إلى مزادٍ مفتوح. لم يكن “الحزب الأزرق” الأول، لكنه الحالة الأكثر إثارة.

إصرار رئيس الحكومة على التفكير بـ”عقل الشنّاق” يدمِّر الثقة التي يجب أن تربط المواطنين بالسلطة التنفيذية، وعموم المؤسسات. وإذا كان ينطقُ بمثل هذا الكلام في البرلمان وعلى الهواء مباشرة، وتحت رقابة المجتمع، فكيف يكون في الاجتماعات الرسمية المغلقة، واللقاءات غير الرسمية حيث تُدار “المصالح الكبرى”، وترسم خرائط الانتفاع.

منذ 2021 تشعر أن المغرب تحوّل إلى “همزة كبيرة” بالنسبة للبعض، وأن المنتفعين صاروا أكثر قدرة على الخروج بوجه سافر للمحاججة بـ”حقّهم” في دوس القانون والأخلاق. أخنوش قاد وزارة الفلاحة لأكثر من 18 عاماً، والحصيلة غلاء فاحش. المناخ وسوء التدبير لا يُفسَّران كل شيء، بل مراتٍ يجب أن “نسيء الظن” للتحقق مما إذا كنّا أمام حالة “حسن تدبير” لصالح فئة المحظوظين، ضمن توزيع غير مسبوق لجغرافيا المصالح بالمغرب، حوّلت قطاع الفلاحة من ضمان للأمن الغذائي، إلى سوق تتحكم فيه لوبيات تجوّع المغاربة بالغلاء.

أخنوش مُستأمنٌ منذ 20 عاما على الأمن الغذائي للمغاربة، ومهما بسط من أرقام الاستثمار وارتفاع المساعدات المالية الممنوحة، ورفع إجمالي الناتج المحلي الفلاحي، وصادرات المنتجات الفلاحية، ومشاريع الفلاحة التضامنية، والمشاريع ذات القيمة المضافة العالية، وكل هذه المسمّيات الفخمة، فإن خروج المواطن لـ”التْقَدْية” تُخْبِر عن فشل ذريع بعد تحويل منظومة الإنتاج نحو الخارج، ما أدى إلى نوع من “التجويع بالغلاء” للداخل. ثم ما فائدة كل هذا الهجوم بالأرقام غير المتحَقّق من صدقيتها أو انتقائيتها إن كان المغاربة يشعرون أن نكسةً حلّت بهم ويجدون حُرقتها في جيوبهم، وأن أزمات متلاحقةً نزلت فوق رؤوسهم بفعل برامج يجب أن تخضع ودون إبطاء للمحاسبة والتدقيق لتقييم حجم الأضرار التي تسبّبت فيها.

ولتكن بداية التدقيق من الزراعات المعيشية التي تعني يوميات المواطنين وكيف تغيّرت جغرافياتها ولصالح من، وجدوى توطين زراعات في بيئات هشّة وغير متوائمة، وأيضا لحساب من جرى إطلاق أيادي محظوظين بتمويلات عمومية لا يعنيهم الأمن الغذائي لهذا البلاد ومهتمون أكثر بما يستهلكه مواطنو ما وراء البحار شمالاً، حتى ارتفعت الأسعار وأرهقت ساكنةَ الداخل. ولئن بدأت المحاسبة فلا يجب أن تنتهي عند حدّ مراجعة السياسات المائية، التي كادنا نصل بسببها إلى الندرة بسبب الهدر الناتج عن مخططات عوجاء شكلت ولا تزال خطراً على مستقبل واستقرار بلدنا، في ظل تحولات مناخية لن ترحم.

خلال الجلسة البرلمانية الأخيرة، قال أخنوش بالحرف إن “الملايير تفرقات”، ومن حقنا أن نسأل عن الجدوى والعائد. فإذا كانت هناك وفرة في القطيع مثلما يؤكد رئيس الحكومة، مدعومةً بالمال العام يستفيد منه فلاحون، فلماذا أسعار لحم الغنمي فوق الـ140 درهماً؟. من يستفيد من هذه الفجوة بين الوفرة والدعم، مقابل غلاء غير مبرّر في الأسعار؟. يُسأل عن هذا رئيس الحكومة وزير الفلاحة لما يقارب العقدين، وصاحب “المشاريع الملوّنة” التي أدت فعلا إلى “تثمين” أرصدة المنتفعين من سياساته.

كتَبَ كثيرون مراراً أن أسلوب إدارة الشركات لا يصلح لتدبير شؤون الشعب، وفي كل مرة أخنوش مستعدٌ لإثبات صحة هذه الفكرة. حين دافع، بصفته رئيس حكومة، عن صفقة مشروع تحلية المياه في الدار البيضاء، التي فازت بها إحدى شركاته، أصيب الجميع بالذهول. الأخطر من دفاعه عن استثماره الخاص بذلك الشكل، هو ألّا يشعر بالخطأ الذي يرتكبه، وبالضرر البالغ الذي يتسبّب فيه لمؤسسة رئيس الحكومة.

حين لم يحدث شيء في “المملكة السعيدة” بشأن شبهة تضارب المصالح التي أطلّت برأسها خلال تلك الجلسة، تيقّن كثيرون أننا نعيش لحظة سياسية بالغة السوء. ومباشرةً تناسلت فضائحُ بلا حصر عن صفقات استفاد منها وزراء وسياسيون ومقرّبون.

داء الجشع يُعْدي. وأخنوش جعله “جائحة سياسة”، واكتسب “الجرأة” للدفاع عنه. وبعد هذا، قد يهون كل شيء، وقد رمانا بحجرٍ ثقيل، و”اللي ما عجبو حال يضرب راسو مع الحيط”.

فعلياً، يستغل أخنوش لحظة سياسية لا تهتم فيها الدولة بـ”كيف ننجز”، ولا تُظهر انشغالا كافياً بمكافحة الدوس على القانون والأخلاق السياسية عند تقلّد المسؤولية العمومية. هذا يضرّ برابط الثقة بين المؤسسات والمواطنين، مادام “مقبولاً” أن يُحرِّض رئيس الحكومة لاستمرار الغلاء، وأن يدافع عن تضارب المصالح.

فما الذي يضمن مثلا، وبعد كل هذا، أن رئيس الحكومة لا ينصح تجار المحروقات، و”هو كبيرهم الذي علّمهم (…)”، باستغلال الفرص التي تُنتجها عوامل خارجية لرفع الأسعار قبل أن تنزل في الأسواق الدولية و”المواطن هاد الشي اللي بغا”؟ وما الذي يضمن أنه لا يقدّم خبرته كرجل أعمال لشركات الأدوية للزيادة في أثمنة منتجاتها قبل أن تطرأ أمور تستدعي خفض الأسعار و”المواطن هاد الشي اللي بغا”؟ وما الذي يطمئن القلوب أن رئيس حكومتنا لا يحرّض المصحات الخاصة ضد المرضى قبل أن تُسنَّ سياسيات تقلّص من هوامش ربحها و”المواطن هاد الشي اللي بغا”؟.

قصارى القول

أخنوش تمثيل حيّ لعقلية شنّاق يؤمن بـ”الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري”. وفعلاً، وجد “الغفلة” في هذا الزمن السياسي الرديء، وقد اشترى بـ”رُخص التراب” الانتخابات والسياسة، وملَكَ الأغلبية البرلمانية وجزءا من المعارضة، ويمثّل الباطرونا ويضع تحت إبطه نقابات، ويتحكّم في صحافة “مصابة بعمى الألوان” استبدلت حِبْرَ القلم بـ”المازوت”.

ما يقوله رئيس الحكومة يتجاوز زلّة اللسان. هو يعبّر عن حقيقته، وعن نهجٍ ونمط تفكير، وأسلوب إدارة. لذلك اجتهد أكثر ممّا فعل أيُّ أحد لاستوزار موظفي شركاته، ولـ”تبليص” مقربين منه في عدد من المؤسسات والدواوين، بما يُنتج، حتى بعد “مغادرته” الحكومة، وضعية تأثير مستدام في السياسات، تخدم مصالح الفئة ضد الأغلبية.

فكم سيحتاج المغرب من وقتٍ ليَبْرأ من “جائحة الجشع” ونفوذ الرأسمال؟.