لسنا قطيعا.. صوتك ثورة!
هذا “المسخ السياسي” الذي تحدّثت عنه في مقال سابق، وأنا أصف ما يجري أمام أعيننا في سوق الانتخابات، ليس قدرا نزل علينا من السماء، ولا حكما نهائيا صدر باسم التاريخ، ولا نتيجة حتمية يتعين على المغاربة أن يتجرعوها ثم يعودوا إلى بيوتهم.
هذا المسخ صناعة بشرية؛ تصنعه اختيارات الذين يهندسون ويرتبون ويخططون ويشترون ويبيعون، نعم، لكنه يُصنع أيضا بصمت الذين يتفرجون.
لست هنا بصدد مناقشة المقاطعة أو محاكمة أصحابها. لذلك النقاش منطقه وحججه وموقعه. بل أخاطب الذين لا يقاطعون اقتناعا، وإنما يستقيلون كسلا ويأسا؛ الذين يقولون إن صوتا واحدا لا يقدم ولا يؤخر، وإن النتائج معروفة، و”كلشي بحال بحال”، وإن ذهابهم أو بقاءهم في البيت سيان.
لهؤلاء أقول: لو كان صوتك بلا قيمة، لما جنّ جنونهم للحصول عليه أو إخراجه من المشهد. لو لم تكن الانتخابات حيوية في تحديد ما سيقع بعد 23 شتنبر، لما تدفقت كل هذه الأنهار من الأموال التي نسمع عنها، ولما اندلعت حرب الأعيان، ولما اقتتل القوم على “الكائنات الانتخابية” كبيرها وصغيرها، ظاهرها وخفيها.
لو لم يكن صوتك حاسما لما انتقل البرلماني من هنا إلى هناك، ولما أصبح رئيس الجماعة عريسا تتسابق على وده الأحزاب، ولما استيقظ فجأة من قضى خمس سنوات “معفّرا” و”منفّخا” ليصبح خطيبا مفوها، وحكواتيا، ومهرجا، وصديقا للفقراء والمقهورين.
كل هذا الصخب من أجلك أنت. هم يعرفون قيمة صوتك أكثر منك.
المفارقة أن من يعتقد أنه يعاقبهم بالبقاء في منزله قد يكون، من حيث لا يدري، يمنحهم بالضبط ما يريدونه. لأن تجار الانتخابات لا يحتاجون إلى إقناع كل المغاربة؛ يكفيهم أن يحشدوا شبكاتهم الصغيرة المنظمة أمام بحر كبير من المواطنين المستقيلين. وهكذا عشنا ما عشناه طيلة خمس سنوات السابقة.
بسبب الفرجة والسلبية والاستسهال، تُرك المجال للفراقشية. رأينا “لحومنا” تُنهش، ورأينا المال العام يتحول، في أكثر من مناسبة، إلى صفقات و”شراكات” و”دعم” وامتيازات يدور حولها السؤال نفسه: أين تنتهي المصلحة العامة وأين تبدأ المصالح الخاصة؟
بسبب التردد والكسل رأينا الانتهازيين يزدادون ثراء، ورأينا قوانين مثيرة للجدل تمر في أكثر المجالات اتصالا بالحقوق والحريات، ورأينا ما تبقى من الصحافة ومنابر التعبير والنقاش والتداول يُدفع نحو الهاوية، حتى صار الخوف سيفا معلقا فوق رؤوس كثيرين.
ثم نقول إن السياسة لا تعنينا؟!
بل هي تعنينا تحديدا عندما نقرر ألا نعنيها.
هذا المسخ ليس قدرا. وبوسع المغربي أن يقلب الطاولة، ويهدم المعبد فوق رووس المفترسين، ليس بالصراخ ولا بالعنف ولا بالفوضى، وإنما بتلك الورقة الصغيرة التي يحتقرها طوال خمس سنوات ثم يطاردها السياسيون في أسبوعين.
ما نشاهده اليوم من سباق محموم على الأعيان يحمل في داخله قدرا كبيرا من الاحتقار لك أيها المواطن. حين يتعامل حزب مع شخص باعتباره “مقعدا مضمونا” ينتقل معه من حزب إلى آخر، فهو يفترض ضمنا أن وراء ذلك الشخص كتلة بشرية ستنتقل معه كما تنتقل الماشية من حظيرة إلى أخرى.
أصبحنا أمام مباراة “ريكبي” انتخابية: هذا جلب رئيس جماعة، وذاك انتزع برلمانيا، والثالث خطف عائلة انتخابية، وكل يعرض غنيمته أمامنا كأنه عاد من السوق بقطيع جديد.
والرسالة المبطنة لنا جميعا: أنتم لستم ناخبين؛ أنتم أتباع، أتم رعاع، أنتم ضباع!
لكل عين أصواته. ولكل رئيس جماعة قطيعه. ولكل نافذ ضيعته. “يفرقشوننا” بالتقسيط، ثم تُجمع القطعان يوم الاقتراع في “رحبة” كبيرة، يبيعون فيها ويشترون بالجملة، وبعدها نتساءل لماذا لا تحترم السياسة المغربي.
هذا المغربي هو أول من يستطيع أن يفرض احترامه. قديما قال أسلافنا: “الله لا يخيّرنا في ضرار”، ونحن لسنا مخيرين بين الفراقشية. لا الدستور يقول ذلك، ولا القانون، ولا علم السياسة، ولا الحساب، ولا الإحصاء. لا يوجد شيء اسمه أن من جمع المال والنفوذ والأعيان أصبح قدرنا المحتوم.
القاسم الانتخابي، مهما كانت الخلفيات التي رافقت اعتماده ومهما قيل عن وظيفته في ضبط النتائج ومنع المفاجآت الكبرى، جعل التنافس داخل الدوائر شديدا، وجعل الحصول على أكثر من مقعد في الدائرة الواحدة بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أغلب الأحزاب. ومعنى ذلك أن كتلا محدودة من الأصوات يمكنها أن تقلب الترتيب.
“شناقة” الانتخابات يستطيعون ضبط ألف صوت هنا، وألفين هناك، والتأثير في جماعة أو دائرة بعينها. لكن لا أحد يستطيع التحكم في ملايين المواطنين إذا قرروا فجأة الدخول إلى الملعب.
وهناك متغير آخر لا ينبغي الاستهانة به. عملية مراجعة اللوائح الانتخابية الحالية أدت إلى حذف قرابة مليوني اسم مقارنة بالاستحقاق السابق، ضمن عملية تنظيف واسعة شملت حالات متعددة، بينها الوفيات والتسجيلات التي لم تعد تستجيب للشروط المطلوبة. أي أن جزءا من المخزون الانتخابي القديم الذي بنيت عليه حسابات سابقة لم يعد موجودا بالصورة نفسها.
ثم هناك المليون المنسي. في كل الانتخابات التشريعية السابقة، توجه أكثر من مليون مواطن تقريبا إلى مكاتب التصويت، ثم خرجت أصواتهم بيضاء أو ملغاة. هؤلاء لم يقاطعوا. حملهم شيء ما إلى الصندوق، لكنهم لم يجدوا أو لم يريدوا اختيار أحد.
في 2016 انخفض هذا الرقم إلى نحو 860 ألفا، في سياق كانت فيه المنافسة السياسية أكثر وضوحا واستقطابا. فماذا لو قررت هذه الكتلة هذه المرة ألا تكتفي بإلغاء ورقتها، وإنما أن تستعملها لمعاقبة من يحتقرها؟
ماذا لو تحرك فوقها جزء صغير فقط من المسجلين الذين لا يصوتون أصلا؟
نتحدث عن هيئة ناخبة تتجاوز اليوم 15 مليون مسجل، بينما مجموع الأصوات الصحيحة التي تحدد فعليا موازين القوى ظل في حدود سبعة ملايين. هنا توجد الحقيقة التي يحاول اليأس إخفاءها: هناك ملايين الأصوات خارج اللعبة، قادرة، لو دخل جزء منها فقط، على إعادة كتابة النتائج.
لذلك لا أخاطب في هذا المقال من يبيع صوته تحت ضغط الحاجة والهشاشة؛ فتلك ظاهرة أعقد من أن نعالجها بموعظة أخلاقية. ولا أختزل حتى التصويت للأعيان في الرشوة؛ فهناك علاقات اجتماعية وقبلية ومحلية وخدمات وشبكات ولاء تجعل مواطنين يصوتون بحسن نية لأشخاص يتحولون بعد ذلك إلى أدوات لإفساد السياسة.
أنا أخاطب شخصا آخر. أخاطب ذلك المغربي المسجل الذي لا يبيع صوته، ولا يخاف أحدا، ولا يدين لأحد بشيء، لكنه يقول “آش غادي نبدل أنا؟”
أنت بالضبط من يستطيع أن يغير.
ساعة واحدة من يومك.
ورقة واحدة.
اختيار واحد، حتى لو لم يكن مثاليا.
لا أحد يطلب منك البحث عن المهدي المنتظر في ورقة التصويت. ابحث عن الأقل سوءا، عن الأنظف، عن الأكثر استقلالا، عن صاحب فكرة بدل صاحب ضيعة، عن صاحب موقف بدل صاحب خزينة، عن امرأة أو رجل يمكنك أن تختلف معه دون أن تخجل من الطريقة التي وصل بها.
الانتخابات ليست دائما اختيارا بين الخير المطلق والشر المطلق. أحيانا تكون مجرد فرصة لرفع كلفة الرداءة.
لذلك نعم، هذه دعوة إلى الثورة.. لكنها ثورة الصناديق.
ثورة هادئة، قانونية، حضارية، لا تكسر زجاجا ولا تحرق سيارة ولا تهدد أحدا. ثورة المواطن الذي يدخل وحيدا وراء الستار، حيث لا يرى المقدّم، ولا الشيخ، ولا القائد، ولا رئيس الجماعة، ولا صاحب الشركة، ولا زعيم الحزب ماذا يفعل.
هناك، لثوان قليلة، يصبح المواطن فعلا سيد نفسه.
استعملوا تلك الثواني.
ثوروا عليهم يوم 23 شتنبر، ليس لأن البديل كامل أو مثالي، بل لأنهم يجب أن يعرفوا أن الرداءة لها ثمن. قولوا لهم إن المغرب ليس ضيعة، وإن المغاربة ليسوا رؤوس ماشية موزعة على حظائر انتخابية.
قولوا لسماسرة الأصوات والأعيان شيئا واحدا يفهمه التجار جيدا: هذه البضاعة ليست للبيع.. سير تلعب!