story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

خيبة الكبار

ص ص

كلنا غاضبون هذا الصباح. وهذا طبيعي جدا. لم نفز، ولم نُقنع، ولم نكن حاضرين كما ينبغي في مباراة أمس أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم. وهذه من اللحظات الصعبة التي تمر على الأمم والجماعات، لأن أقسى ما يعيشه الإنسان عموما هو الخيبة بعد الأمل.

وهذا بالنسبة إلى أجل ما في القصة. أنا ابن الثمانينيات، ذلك الجيل الذي لم يطمع في مونديالات 1990 وحتى 2018 بأكثر من التأهل إليها أولا، ثم الحلم بمشاركة “مشرّفة” في الدور الأول عبر فوز يصبح إنجازا أسطوريا أو تعادل يرقى إلى درجة الإنجاز؛ أصبحت أتابع منتخبا يدخل كؤوس العالم مرشحا للتنافس حول اللقب، والتفكير دون خجل من حمل الكأس الذهبية في يوم من الأيام.

هذا لمن يريد أن يعتبر، بمثابة الطفرة في ذهنيتنا ونظرتنا لأنفسنا، سيكون لها ما بعدها حتما في الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام، المغربي لم يعد يعتبر نفسه متخلّفا ولا ضعيفا ولا أقل من الآخرين، وبالتالي لن يقبل بمستوى أقل ولا ديمقراطية أضعف ولا حقوق وحريات أضيق.

نعم لقد غضبنا ليلة أمس، لكن علينا، رغم ذلك، أن نستحضر العقل. كل الانتقادات مشروعة. وكل المؤاخذات مقبولة. ويمكن أن نناقش خطة محمد وهبي، واختياراته، ودرجة التحفظ التي دخل بها المباراة، وطريقة قراءته لتفاصيلها، وكيفية تعامله مع تفوق فرنسا البدني والتقني…

ويمكن أن ننتقد اللاعبين، وأن نسأل عن الغياب، وعن الارتباك، وعن ذلك الشلل الذي بدا واضحا منذ الدقائق الأولى… كل هذا مشروع. إلا شيء واحد: خطاب “شي حاجة تما”، والقول إن المنتخب تعمد الخسارة، أو إن هناك هيمنة ما تفرض علينا ألا نهزم فرنسا، أو إن المدرب واللاعبين دخلوا المباراة وهم يعرفون حدودا مرسومة لا يجوز لهم تجاوزها.

هذا ليس تحليلا. بل هروب من التحليل.

حاولت، منذ فجر هذا اليوم وقبل كتابة هذه السطور، مطالعة آراء عدد كبير من الوجوه الرياضية والإعلامية التي أثق في تقديراتها، وفي امتلاكها لأدوات الفهم والتفسير. والخلاصة التي تكاد تجمع بينها هي أن النتيجة في ذاتها كانت عادية وضمن ما يمكن توقعه أمام منتخب مثل فرنسا، لكن الأداء والفرجة كانا مخيّبين.

لم تكن مشكلتنا أننا خسرنا أمام فرنسا. كان يمكن أن نخسر ونخرج راضين عن أنفسنا. المشكلة أننا لم نشعر، في فترات طويلة من المباراة، بأننا منحنا أنفسنا كامل الفرصة كي نربح. بدونا مترددين، ومتأخرين في الفعل وفي رد الفعل، عاجزين عن فرض أي إيقاع، وكأن المباراة سبقتنا قبل أن تبدأ.

لكن الغضب شيء، وتفسير ما جرى شيء آخر.علينا أن نبذل جميعا هذا المجهود، كل داخل نفسه، للفصل بين الحسرة المشروعة وبين الحاجة إلى اختراع رواية تمنح الهزيمة معنى أكبر مما تحتمل. لأن الاعتراف بالتفوق لا يهيننا. ما يهيننا فعلا هو أن نعجز عن قبول أن خصما كان أفضل منا، فنبحث عن يد خفية تعفينا من النظر في حدودنا.

أنا من أشد المؤمنين بحضور السياسة وأيادي السياسيين في كل ما يتصل بكرة القدم، وخصوصا المنتخبات الوطنية. لقد صارت الدول تنزل بكامل ثقلها لدعم منتخباتها، ولم يعد الأمر يحتاج إلى دليل بعد تدخل دونالد ترامب في قضية البطاقة الحمراء التي تلقاها أحد لاعبي المنتخب الأمريكي، وما تلا ذلك من تعليق للعقوبة.

وأعتبر أن اشتغال الدول بأدواتها المختلفة في الرياضة أمر بديهي، بما في ذلك الأدوات السيادية والاستخباراتية والتقنية والإعلامية، وربما حتى القدرات الفضائية. كما أن الجميع يعرف أن المنتخب المغربي، بما هو معجزة حقيقية، لم يولد صدفة، بل هو نتيجة تخطيط وتدبير ملكيين، بما يعنيه ذلك من حضور لثقل الدولة ومن توفير للإمكانات، وضمان للاستقرار، وفتح للطرق، وتعبئة للمؤسسات… كل هذا صحيح.

لكنه لا يقود تلقائيا إلى القول إن مباراة المغرب وفرنسا حُسمت خارج الملعب، أو إن أحدا طلب من وهبي ولاعبيه ألا يذهبوا أبعد. وجود السياسة في كرة القدم لا يعني أن كل نتيجة سياسية، ووجود النفوذ لا يعني أن كل هزيمة مؤامرة.

أحيانا نخسر لأننا لم نكن في يومنا. وأحيانا أخرى لأن خصمنا أفضل. وأحيانا نجتمع نحن والخصم والظروف على إنتاج مباراة لا تشبه ما تمنيناه. وهذا ما وقع ليلة أمس.

لقد كان فريقنا مشلولا وتائها في الملعب. قد يكون ذلك لأسباب نفسية اعتقدنا أننا نجحنا في تجاوزها مع منتخبي وليد الركراكي ومحمد وهبي. وقد يكون نتيجة تدبير غير موفق للمباراة، أو نتيجة حدود القدرات التي كانت متاحة فعليا على أرض الملعب.

لفرنسا ما يدركه الصغير قبل الكبير من الإمكانات البشرية. بإمكانها، دون مبالغة كبيرة، أن تشارك في كأس العالم بمنتخبين، وإذا لم يلتقيا في الطريق فقد يبلغان معا الأدوار الأخيرة ويلعبان النهاية. وخلف هذه العناصر مدرب أثبت، منذ سنوات، أنه يعرف كيف يدبر المواعيد الكبرى، وكيف يقرأ الخصوم، وكيف يحول نقاط قوتهم إلى عبء عليهم.

لقد عرف ديشان كيف نصنع لعبنا، وكيف نسجّل أهدافنا. ودبّر قطع غياره الفتاكة بالشكل الذي يبطل مفعول أدائنا، وبالتالي لم يكن الخلل في لقطة واحدة، ولا في لاعب واحد، ولا في قرار واحد. كان خللا في التوازن كله. وهذا لا يعني أن ديشان أفضل من وهبي بالضرورة وفي المطلق، أو أنه هزمه في امتحان متكافئ.

الرجلان لم يتوفرا على العناصر البشرية نفسها. ولا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيرا تقنيا كي يدرك أننا ذهبنا إلى كأس العالم بنقص واضح في الدفاع والهجوم، وأننا علّقنا رهانا كبيرا في الوسط على لاعب يافع، هو أيوب بوعدي، ربما حمّلناه أكثر مما يحتمل.

المنتخبات الكبرى لا تلعب بأحد عشر لاعبا، بل بمنظومة كاملة تستطيع أن تغيّر نصف الفريق دون أن ينهار شكلها. أما نحن فلدينا عمل مهم في اكتشاف المواهب المغربية في أوروبا، ومتابعتها منذ سن مبكرة، وقد منحتنا هذه السياسة عددا كبيرا من اللاعبين الذين صنعوا ما نعيشه اليوم. لكنها تظل، في النهاية، سياسة تبحث داخل مصانع الآخرين.

فرنسا لا تكتشف المواهب بل تصنعها. وتملك أندية ومراكز تكوين وإيقاعا تنافسيا مرتفعا، ثم تختار الأفضل لمنتخبها. وما يتبقى من هذا الخزان يكفي أحيانا لبناء منتخبات عديدة أخرى.

لهذا نحتاج إلى تطوير كرة القدم المحلية، وإلى أندية احترافية وشفافة وقادرة على التكوين، وإلى بطولة تنتج الإيقاع والمنافسة. ونحتاج قبل ذلك كله إلى بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية تسمح لمثل هذه المؤسسات بأن تنمو.

كرة القدم يا سادة لا تنفصل عن المجتمع الذي ينتجها. ولا يمكن أن ننسب الانتصارات إلى عبقريتنا، ثم نُخرج الهزيمة من أنفسنا ونلصقها بأشياء غامضة. هؤلاء نحن، بما لنا وما علينا. خططنا واستقطبنا وآمنا، لكننا ما زلنا نعاني من نقص البدلاء، وضعف التكوين المحلي.

نحن الذين بلغنا ربع النهائي، ونحن الذين لم نستطع تقديم مباراة كبيرة أمام فرنسا. وحصيلة هذا كله أننا ضمن الثمانية الكبار في العالم في كرة القدم، بينما لا نكاد ندخل قائمة الخمسين الأوائل في معظم مؤشرات تصنيف الأمم. وهذا أمر كبير.

ما أنجزناه، من التخطيط الملكي إلى تصديات ياسين بونو، مرورا بتدبير فوزي لقجع وعمل محمد وهبي وكل ما بينهما من تنقيب وتأطير وتنسيق… إنجاز ثمين يجب أن نثمنه ونطوره، وأن نستنسخ منطقه في مجالات أخرى. وليس المطلوب أن نحوّل الهزيمة إلى انتصار لغوي، ولا أن نصفق لكل شيء. المطلوب أن نعرف حجم ما تحقق، وحجم ما لم يتحقق بعد.

لقد ذهبنا إلى كأس العالم، وبلغنا ربع النهائي بمدرب حديث العهد، وبإصابات مؤثرة، ومن دون مهاجم حقيقي، وبمجموعة محدودة العمق. كنا نريد أكثر، ومن حقنا ذلك، لكن ما تحقق يبقى إنجازا كبيرا قياسا بما كان متاحا.

لا شيء يدعو المغربي إلى الخجل. له أن يكون فخورا بهؤلاء الشباب، دون تطبيل، ودون تعطيل الحس النقدي، ودون تحويل كل انتصار إلى أسطورة وكل هزيمة إلى خيانة.

الأهم أننا خرجنا هذه المرة أقل إحباطا من 2022. حسرتنا موجودة، لكنها ليست ساحقة. لا نجد في تفاصيل المباراة ما خرجنا به قبل أربع سنوات من شعور عميق بالظلم، كأننا بدأنا نقتنع بأن الخسارة جزء من اللعبة، وأن عدم الذهاب أبعد لا يعني دائما وجود مؤامرة. وهذا تطور في حد ذاته.

رياضيا، علينا أن نراجع ونصحح ونبني. وسياسيا، سيستمر الجميع في محاولة امتلاك الإنجاز وتوظيفه. لكن هذا المنتخب ليس لحزب، ولا لوزير، ولا لمسؤول، ولا لجناح داخل الدولة. هذا المنتخب للمغرب. تماما مثل يد ياسين بونو.

لقد خسرنا أمام الأفضل في هذه البطولة، على الورق وفي الميدان. وهذه هي كرة القدم، وهذه هي الحياة أيضا. لا تمنحك دائما ما تريد، لكنها تترك لك في كل مرة ما يجب أن تتعلمه حتى نصير من الكبار في كل شيء. وها قد أدركنا خيبة الكبار، فلنواصل حتي ننال فرحتهم أيضا.

والطريق إلى ذلك لا يمر عبر الشك في لاعبينا ومدربنا، ولا عبر نظرية مؤامرة تريحنا من مواجهة نقائصنا. بل يمر عبر الاعتراف بالحقيقة كما هي: لقد بلغنا مكانا عظيما، لكن ما يزال أمامنا عمل كثير.

سير! سير! سير!