تقرير: المواجهة الأمريكية الإيرانية تعيد رسم قواعد الاشتباك وتُهدد استقرار النظام الدولي
سلط تقرير حديث لوحدة الدراسات السياسية بالمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة الضوء على الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران مؤكدا أنها شكلت صدمة نوعية للمنظومة الدولية، وتجاوزت كونها مجرد صراع إقليمي لتصبح إعادة صياغة جذرية لقواعد الاشتباك السياسي والعسكري في الشرق الأوسط.
وأوضح التقرير أن الهجوم جاء في توقيت حساس عقب جولة مفاوضات مكثفة في جنيف، مما يعكس “استخدام الدبلوماسية كغطاء تكتيكي للتصعيد العسكري”، مضيفا أن استهداف قيادات عليا في طهران، بما في ذلك المرشد الأعلى، دفع المواجهة نحو منحى غير مسبوق من الخطورة، مما وضع “النظام الدولي القائم على القواعد” أمام اختبار حاسم لمصداقيته.
وأبرزت الوثيقة أن هذه الحرب كشفت عن تحول جذري في طبيعة التدخل الأمريكي، حيث انتقل من “الدعم اللوجستي” إلى “الانخراط العملياتي المباشر”، وهو ما ظهر بوضوح في استهداف المنشآت النووية الإيرانية في “فوردو” و”نطنز”، مما أدى إلى تآكل المسافة بين الأجندة الإسرائيلية والإسناد الأمريكي المباشر.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي، أشار المركز إلى أن الحرب ترتبط بعلاقة عضوية بـ “أمن الطاقة الرقمي”، حيث بات استقرار إمدادات الطاقة شرطا أساسيا لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العملاقة، مبرزا أن التصعيد الأمريكي يعمل كأداة ضغط استراتيجي ضد الصين، التي تعتمد بشكل حيوي على نفط المنطقة لتأمين مسارها التكنولوجي.
وتابع التقرير أن إيران، وأمام تراجع فاعلية وكلائها الإقليميين تحت وطأة الضربات، اتجهت نحو استراتيجية “الردع السيبراني” واستهداف البنى التحتية الحساسة والأنظمة المالية، مع تكثيف الاعتماد على سلاح المسيرات منخفض التكلفة مثل “شاهد 136″، وهو ما يمثل انتقالا إلى حروب “الهندسة العكسية” لمواجهة التفوق التقني الغربي.
وفيما يخص التداعيات الإقليمية، حذر التقرير من “انهيار منظومة الأمن الجماعي”، حيث توسعت رقعة الصراع لتشمل جبهات متعددة في لبنان (حزب الله) والممرات البحرية الاستراتيجية في مضيق هرمز وقناة السويس، مما ينذر بكارثة اقتصادية عالمية وتملح في مسارات التجارة الدولية.
وأمام هذا الوضع المعقد، قدم المركز جملة من التوصيات والمخرجات، من أهمها ضرورة “الرقمنة الاستراتيجية” في إدارة الأزمات، وتفعيل الذكاء الاصطناعي في رصد التهديدات الاستباقية، داعيا المجتمع الدولي إلى الخروج من دائرة “الحلول التقنية المؤقتة” وفتح نقاش شامل حول هوية النظام الدولي الجديد الذي بدأ يتشكل وسط دخان هذه المواجهة.
كما دعا التقرير إلى حماية السيادة الرقمية للدول وتطوير آليات قانونية دولية تمنع استخدام “الدبلوماسية كخديعة”، مع فرض رقابة صارمة على التسلح السيبراني الذي بات يهدد الاستقرار المالي العالمي بنفس قدر تهديد الأسلحة التقليدية.
وخلصت الورقة السياسية إلى أن الحرب الحالية تضع النظام الدولي القائم على القواعد في اختبار تاريخي، حيث تشير المعطيات إلى أن الهدف غير المعلن قد يتجاوز البرنامج النووي نحو دفع إيران لمرحلة “انتقال قسري” في بنية الحكم، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية متزايدة وانكماش متوقع في الناتج المحلي الإيراني لعام 2026.