story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

الفيفا.. إمبراطورية مالية تحقق أرقاما قياسية

ص ص
مع اقتراب موعد كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك الصيف المقبل، خرجت أرقام بعيدة عن المعطيات التقنية للرياضة الشعبية الأولى في العالم، حيث تشير إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يتربع على عرش إمبراطورية مالية هي الأضخم في تاريخ الرياضة.
 
فمع التوقعات التي تشير إلى تحقيق مداخيل قياسية تلامس سقف الـ 11 مليار دولار، تحول “الفيفا” من مجرد اتحاد رياضي ينظم البطولات إلى عملاق اقتصادي عابر للحدود، يدير ميزانيات تضاهي ميزانيات دول بأكملها.
 
هذا التدفق الملياري الهائل أعاد إشعال فتيل الجدل القديم المتجدد حول “عدالة التوزيع” ومعايير الشفافية داخل أروقة هذه المنظمة. فبينما يعلن الاتحاد الدولي التزامه بتسخير هذه الموارد لتطوير اللعبة في القارات النامية ودعم البنى التحتية الكروية عبر برامج طموحة، تبرز تساؤلات مشروعة حول حجم الإنفاق الإداري المتضخم وتكاليف التشغيل الباهظة التي تلتهم جزءاً غير يستهان به من هذه الكعكة، وأيضا عن حدود الشفافية في الإفصاح عن أوجه الصرف الحقيقية؟ ومن هم اللاعبون الحقيقيون الذين يحققون الاستفادة القصوى من هذه المنظومة المالية الضخمة التي تجعل من كرة القدم الصناعة الأكثر ربحية في العالم المعاصر.
 
مونديال ألمانيا الغربية
 
قبل الخوض في مسارات إنفاق المليارات التي يجنيها فيفا، لا بد من العودة إلى أصل الحكاية وكيف تحوّلت كرة القدم إلى صناعة مالية ضخمة.
 
فمونديال 1974 الذي احتضنته ألمانيا الغربية آنذاك اعتبر نقطة تحول تاريخية في عمل الفيفا، حيث كانت تلك البطولة بداية تحول الهيئة المسؤولة عن كرة القدم إلى مؤسسة مالية كبيرة.
 
ويعتبر الألماني هورست داسلر، ابن مؤسس شركة أديداس أدولف داسلر، أول من أدخل أشكال تسويق جديدة إلى الفيفا. فقد كان مدركا للإمكانيات الاقتصادية للاتحاد الدولي للعبة، وكان أول من جلب رعاة رسميين للفيفا.
 
التسويق والبث التلفزيوني
 
تشكل حقوق البث التلفزيوني العمود الفقري لمداخيل الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، إذ تمثل المصدر الأكبر للدخل عبر بيع حقوق نقل كأس العالم وبقية البطولات الدولية إلى شبكات البث حول العالم.
 
هذا النموذج يعتمد على الطلب العالمي الهائل على مشاهدة المباريات، ما يجعل حقوق النقل التلفزيوني المنتج الأكثر قيمة في سوق الرياضة الدولية.
 
كما تشكل حقوق التسويق أحد الأعمدة المالية الرئيسية داخل منظومة الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهي لا تقتصر على بيع مساحات إعلانية تقليدية، بل تقوم على شبكة معقدة من الشراكات الاستراتيجية طويلة المدى مع كبرى العلامات التجارية العالمية.
 
هذه الشركات لا تشتري مجرد حضور بصري في البطولات، بل تدخل في فئات رعاية محددة تمنحها امتيازات حصرية، مقابل مساهمات مالية ضخمة تُضخ مباشرة في ميزانية الاتحاد.
 
ورغم هذا التفاوت في الأرقام، يبقى كأس العالم الحدث الإعلاني الأضخم عالميًا، حيث يُقدَّر عدد متابعيه بنحو خمسة مليارات شخص عبر مختلف القارات، وهو ما يمنحه قيمة تسويقية استثنائية لا تضاهيها أي منصة رياضية أخرى.
 
هذا الانتشار العالمي الهائل يجعل من حقوق التسويق أداة تأثير اقتصادي وإعلامي في آن واحد، تمتد من الإعلانات إلى التمويل غير المباشر لبرامج تطوير كرة القدم التي يشرف عليها الاتحاد الدولي لكرة القدم.
 
مداخيل بيع التذاكر
 
تمثل مداخيل بيع التذاكر والضيافة أحد أكثر مصادر الدخل المباشرة وضوحا داخل منظومة الاتحاد الدولي لكرة القدم، إذ تعتمد على تحويل الطلب الجماهيري الكبير إلى عائدات مالية فورية تُدار عبر شركة تابعة مملوكة بالكامل للاتحاد.
 
هذا النموذج يمنح “الفيفا” سيطرة كاملة على تسعير التذاكر وتنظيم مبيعاتها، إلى جانب باقات الضيافة التي تستهدف الفئات الأعلى إنفاقًا من الجماهير والشركات.
 
وتكشف الأرقام عن حجم هذا المصدر المالي خلال الدورات المختلفة، حيث بلغت مداخيل في دورة 2015-2018 نحو 712 مليون دولار، وهو رقم يعكس أهمية الحضور الجماهيري في تعزيز ميزانية البطولات.
 
كما سجلت بطولة كأس العرب 2021 نحو 12 مليون دولار من عائدات التذاكر، نتيجة حضور يقارب 600 ألف مشجع، في مؤشر على قدرة البطولات الإقليمية أيضًا على تحقيق دخل معتبر رغم اختلاف حجمها مقارنة بكأس العالم.
 
أما كأس العالم 2022 فقد شكّل ذروة واضحة في هذا المسار، مع بيع نحو 3 ملايين تذكرة بأسعار تراوحت بين 100 و1100 دولار، ما يعكس تنوع الشرائح السعرية واستراتيجية تعظيم العائدات حسب المباريات والمراحل.
 
هذا الطلب المرتفع يعكس في النهاية القيمة الاستثنائية للحدث الكروي الأكبر في العالم، ويؤكد أن حضور الجماهير ليس مجرد عنصر رياضي، بل رافد مالي أساسي ضمن اقتصاديات الاتحاد الدولي لكرة القدم.
 
تنويع المصادر
 
لا تتوقف مصادر الدخل لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم عند حدود البث أو الرعاية أو التذاكر، بل تمتد إلى مجال أكثر اتساعا يتمثل في استغلال العلامة التجارية وحقوق الترخيص.
 
هذا الجانب يقوم على تحويل اسم “فيفا” إلى قيمة تجارية قابلة للتسويق في الألعاب الإلكترونية، والمنتجات الترفيهية، والمحتوى الرقمي، ما يفتح أمام الاتحاد مسارًا ماليًا إضافيًا بعيدًا عن الملاعب.
 
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الشراكة الطويلة مع شركة “إلكترونيك آرت”، التي طورت سلسلة ألعاب كرة القدم الشهيرة، حيث حققت هذه السلسلة مبيعات تُقدّر بنحو 20 مليار دولار خلال عقدين من التعاون، مقابل رسوم سنوية وصلت إلى حوالي 150 مليون دولار لاستخدام اسم “فيفا”.
 
هذه الأرقام تعكس كيف تحولت العلامة التجارية إلى أصل اقتصادي مستقل بحد ذاته، يستفيد من الشعبية العالمية لكرة القدم ويعيد توظيفها في سوق الألعاب الإلكترونية.
 
وفي عام 2021 وحده، بلغت مداخيل الترخيص نحو 180 مليون دولار، ما يؤكد استمرار هذا المصدر في تحقيق مداخيل مستقرة. كما حصل الاتحاد على تعويض بقيمة 201 مليون دولار من وزارة العدل الأمريكية، في سياق تداعيات قضايا فساد كُشف عنها عام 2015، وهو ما أضاف بعدًا ماليا غير تقليدي إلى سجل الإيرادات.
 
وبذلك يتضح أن منظومة دخل الاتحاد الدولي لكرة القدم تقوم على مزيج متكامل من حقوق البث، والتسويق، وبيع التذاكر، واستثمار العلامة التجارية، ما يجعلها واحدة من أكثر المؤسسات الرياضية ثراءً وتعقيدًا من حيث مصادر التمويل عالميًا.
 
أين تذهب مليارات “الفيفا”؟
 
رئيس قسم تطوير كرة القدم العالمية في الاتحاد الدولي لكرة القدم، الفرنسي أرسين فينغر تحدث خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في “دافوس” بسويسرا في شهر يناير 2026، حول أين تذهب عائدات الفيفا.
 
وأوضح فينغر أن عائدات الاتحاد من البطولة سيعاد استثمارها في تطوير كرة القدم حول العالم، بهدف منح المزيد من الدول فرصة المنافسة في أعلى المستويات، حيث قال “تذهب جميع الأموال إلى الاتحادات لتطوير بنيتها التحتية. وبما أنني أسافر كثيراً اليوم، ينبغي أن تروا مدى التطور الذي حقّقه كل اتحاد بفضل الأموال التي حصل عليها من فيفا”.
 
وأضاف “أعمل الآن في مجال تطوير كرة القدم، وأدرك مدى الأهمية التي تتمتع بها كرة القدم حالياً على مستوى العالم، والذي يظهر عندما نتحدّث عن عدد التذاكر التي يرغب الناس في شرائها. الأمر يفوق الاستيعاب. أسافر حول العالم، وفي كل مكان، أصبحت كرة القدم أهم شيء يتحدّث عنه الناس”.
 
وذكر أيضاً أن توسّع بطولة “كأس العالم FIFA” لتضم 48 منتخباً كان جزءاً ضرورياً من تطوير اللعبة على مستوى العالم، حيث قال “كان علينا أن نفتحها أمام العالم. وأعتقد أن هذا أقل ما يمكننا القيام به فتح البطولة أمام المزيد من الدول الأفريقية والمزيد من الدول الآسيوية، لأننا نرغب في أن تكون كرة القدم قوية في كل مكان”.
 
يمكن فهم أوجه إنفاق الاتحاد الدولي لكرة القدم على أنها شبكة واسعة من البرامج والمشاريع التي تستهدف إعادة توزيع جزء كبير من العائدات، خصوصًا تلك المتأتية من كأس العالم وحقوق البث والرعاية، نحو الاتحادات الوطنية والقارية وأمور أخرى يمكن استعراضها في التالي:
 
الجوائز المالية للبطولات
 
وتندرج ضمن أوجه إنفاق “الفيفا” أيضا الجوائز المالية للبطولات، وهي إحدى القنوات الأكثر مباشرة في ضخ الأموال داخل منظومة كرة القدم العالمية، حيث يخصص الاتحاد الدولي مبالغ ضخمة للمنتخبات والأندية المشاركة في المسابقات الكبرى.
 
في كأس العالم 2026 يُنتظر أن يوزع الفيفا مئات الملايين من الدولارات كجوائز مالية للمنتخبات، تحدد قيمتها وفق المسار الذي يقطعه كل منتخب في الدورة، من دور المجموعات وصولا إلى الأدوار النهائية والتتويج باللقب.
 
وخلال الاجتماع الذي عُقد في العاصمة القطرية الدوحة في شهر دجنبر الماضي، أعلنت “الفيفا” أنها بصدد منح كل منتخب 10.5 ملايين دولار بحد أدنى نظير المشاركة في المونديال فقط، وسيرتفع إلى 50 مليونا للفريق الذي سيُتوج باللقب.
 
وسيصل إجمالي الجوائز إلى 727 مليون دولار بزيادة قدرها 50% عن مونديال قطر، وهو ما عدّته صحيفة “آس” الإسبانية “ثورة مالية في كأس العالم”، إذ لم يسبق للفيفا أن خصص توزيعا ماليا بهذا الحجم من قبل.
 
توسيع النفوذ بالمال
 
إتهامات كثيرة توجه إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، حول ما يصفه بعض المراقبين بـ”شراء الولاءات” داخل الاتحادات الوطنية، في إشارة إلى تأثير برامج الدعم المالي على مواقف هذه الاتحادات.
 
وتستند هذه الانتقادات إلى أن برامج التمويل، وعلى رأسها برنامج “فيفا فوورود”، تمنح الفيفا نفوذًا واسعًا على 211 اتحادًا وطنيًا، خصوصًا الاتحادات الصغيرة التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذا الدعم لتسيير نشاطها.
 
وفي هذا السياق، يطرح منتقدون فرضية أن هذا الاعتماد المالي قد يدفع بعض الاتحادات إلى مساندة قرارات قيادة “فيفا” في الانتخابات أو عمليات التصويت،
 
في المقابل، يؤكد الاتحاد الدولي لكرة القدم أن توزيع الأموال “يتم وفق معايير رقابية صارمة، مع اعتماد آليات تدقيق ومحاسبة لضمان الشفافية”.
 
كما يشدد على أن الهدف من هذه البرامج هو تطوير كرة القدم عالميًا، وليس التأثير على القرارات السياسية داخل المنظومة، مشيرا إلى أنه “عزز أنظمة الحوكمة بعد عام 2016″، في محاولة للحد من الفساد ورفع مستوى الرقابة الداخلية.