ترامب فوق الشجرة
ترامب يسعى إلى النزول عن شجرة الحرب، وإيران لا تمنحه “هبوطاً آمناً”. المستشار الألماني كان أكثر جُرأة من نظرائه للحديث عن غياب “استراتيجية خروج” يتسبّب في “إذلال” الأمريكيين، وأشاد بالإيرانيين الذين قال إنهم “بارعون جدا في التفاوض، أو بالأحرى، بارعون للغاية في عدم التفاوض”.
مشكلة ترامب الأساسية أنه “حْسَبْ ليه نتنياهو تا شاط ليهم بزوج”. صحيفة “نيويورك تايمز” نشرت تحقيقا يكشف كيف اتُخذ قرار الحرب دون نقاشٍ كافٍ، وكيف تلاعبَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بإدارة ترامب لتوريطها في مواجهة بُنيت على فرضيات خطأ.
لم يحصل شيء من أكاذيب نتنياهو، وتورّطت واشنطن في حرب استهلكت من موارد قتالية تراكمت على امتداد عقود، وكُلفة تتجاوز الـ50 مليار دولار (حدٌّ أدنى دون احتساب الأضرار في القواعد بالشرق الأوسط). مجلة “ذي أتلانتك” تنقل عن مسؤولين أمريكيين أن “قدرة إيران على الصمود مدهشة”، بما يؤكد أن وضع واشنطن أكثرٌ تعقيداً، وأنّ الرهان على إيران ضعيفة بعد عقود من الحصار كان فشلاً في التقدير.
إسرائيل تخسر بدورها رهاناً كبيراً على “تشكيل شرق أوسط جديد”. بروز فرصةٍ لميلاد “إيران جديدة” قد يُطوِّح بهذا الطموح.
يحاول ترامب استعادة المبادرة. يجرّب الحرب الاقتصادية عبر حصار موانئ إيران. هذه الحرب مؤذية لطهران، إذ تُجفِّف مورداً مهما عبر منع تصدير النفط الذي تمتلئ به الخزّانات.
ضمن مشهد محاولة ترامب استعادةَ المبادرة “إقصاءٌ تكتيكي” لتل أبيب عن تفاصيل التفاوض، يُعبَّر عنه على شكل “تذمّر” مسؤولين إسرائيليين من عدم إحاطتهم علماً بكل المعطيات، وفي واشنطن على شكل انتقادات متصاعدة للدولة العبرية من نخبٍ تحمِّلها المسؤولية عن هذه الحرب/ الورطة.
في تل أبيب، يفكرون في خيار ثالث لإنهاء الحرب، مختلفٍ عن الخيارين المطروحين: استئناف القتال، أو التوصّل إلى اتفاق أمريكي- إيراني. الخيارُ الثالث يعني نوعاً من التطبيع مع الوضع القائم، والإقرار بالتوازن الحالي غير القابل للكسر، حيث يعلن كل طرف “انتصاره”، على أن يُقابل الهدوء بالهدوء، من دون اتفاق، لكن من دون قتال، ثم يستمرّ استنزاف إيران بأشكال مختلفة.
ترامب من جهته يجرّب إطالة أمَدِ الحصار الذي يراه “أفضلَ من إلقاء القنابل”، وينتظر مفاعيل الخنق الاقتصادي، على أمل أن يؤدِّي إلى تليين موقف طهران للقبول بهدفه الذي صار أكثرَ دقّة: إيران غير نووية.
ما يجري بعد وقف إطلاق النار قتالٌ من نوع آخر سلاحُه الوقت، الذي ينفد من ترامب المضغوط بإكراهات عديدة، والمضطرّ للتوجّه إلى الكونغرس لطلب الموافقة على استمرار العملية العسكرية بعد انقضاء مهلة الـ60 يوماً. وينفد الوقت أيضا من طهران، لكن الإيرانيين أكثرُ استعداداً بعد عقود من بناء “اقتصاد الحرب”، وقادرون على ترميم الخسائر سريعاً استعداد لجولة اقتتال لا يرغب فيها أحد (سوى إسرائيل)، ويمكن أن تندلع في أي وقت.
نظرياً، إيران تملك مخرجاً دبلوماسياً وقد حصَر ترامب هدفه من التفاوض في المشروع النووي. فتوى المرشد المُغتال علي خامنئي حول تحريم حيازة السلاح النووي يمكن أن تُؤطِّر الموقفَ للقول بعدم التنازل. في التفاصيل، استعدادٌ محتملٌ لتجميد التخصيب لسنوات، وتخفيض نسبته، مقابل تشبُّثٍ بعدم إخراج اليورانيوم من إيران. ومع ذلك، “لا أحد” في العالم، سوى الإيرانيين، يعرف مصير اليورانيوم المخصّب. تواجه أمريكا وإسرائيل، منذ حرب الـ12 يوما، أسوأ سيناريو، إذ دخل المشروع النووي “منطقة الظلام” بعدما كان تحت الرقابة الدولية. وللإمعان في ممارسة “التعتيم القاتل”، استثمر الإيرانيون، مباشرة بعد جولة القتال في 2025، في مقولات ترامب “غير المتّسقة” والدعائية التي زعم خلالها أنه دمر “تماما” البرنامج النووي الإيراني ودفنه تحت الركام.
هذه الورطة الأمريكية نتيجةٌ طبيعية لتراجع دولة المؤسسات وطغيان الإدارة الشخصية والمزاجية. تصريحات ترامب وتقلّباته صارت موضِعَ مساءلة بشأن اتّزانه العقلي والنفسي “ليكون القائد الأعلى للقوات المسلحة”. مسؤولون أمريكيون تحدثوا بحنقٍ، في تسريبات، عن تصريحاته التي تهدّد بتدمير الحضارة الإيرانية وغيرها من التعليقات التي تلمِّح إلى استعمال أسلحة غير تقليدية. في الجوهر، ينتقدون غلَبَة النزوع الفردية و”إدارة الحرب باعتماد الحدس والأمنيات” على حساب المؤسسة والخبرة. الاستقالات والإقالات في قيادات الجيش بدورها غير بعيدة عن تداعيات حرب إيران.
يمكن القول الآن، وبكثير من اليقين، إن الحرب على إيران أضعفت الولايات المتحدة. أخطرُ ما كشفته هو حدود القدرة الأمريكية. استعصاءاتٌ ملحوظة في مواجهة قوة من الدرجة الثانية أو الثالثة، بما يفسح المجال لمن يريدون مستقبلا تحديّ واشنطن. والأخطر، أن تهوّر ترامب منح الصين وروسيا فرصةً لتجميع بيانات ورصد نقاط ضعف مع تعمّق الانكشاف. حديث ترامب باستماتة عن “إنجازات عسكرية لا نظير لها” هو التعبير الصارخ عن شعور بتضرّر “القدرة الكُليّة” التي طالما رُوِّجت عن “الجيش الأعظم في التاريخ”.
أيضا، يمكن القول بيقين إن وضعية أمريكا تتأذى بترسيخ صورتها جهةً مزعزعةً للاستقرار. هذه خلاصة مسكوت عنها في تقييم خليجي يتّضح مع الوقت. تفقد أطرافٌ حليفةٌ لواشنطن الثقةَ، وقد تحوّل الوجود الأمريكي من ضمانةٍ أمنيةٍ إلى عبءٍ، مضافاً إليه عدم اكتراث بمصالح دول عربية مُحاصرة اليوم بنفس قدْرِ حصار إيران. ودولياً، يكفي فحص مواقف دول غربية لاستخلاص حقيقة قاسية: ترامب يُفْقِد واشنطن دورها القيادي في العالم.
كذلك، يمكن القول بيقين إن ترامب “نجح” في تجديد شرعية النظام الإيراني، الذي كان يرزح تحت ضغوط شعبية قبل أن تمنحه الحربُ فرصةَ تنفيس، لتحقيق وحدةٍ داخلية.
الخطأ في الحساب فسَحَ المجال لتفكير إيران في مضيق هرمز باعتباره “مصدر رزق” ( بتعبير الحرس الثوري) بعدما كان مفتوحاً بالمجان لعبور خُمُس الطاقة العالمية، وأيضا للنظر في باب المندب والبحر الأحمر أداةَ ضغطٍ وقد جرّب الحوثيون خطورته خلال حرب الإسناد لغزة. وأيضا، فسح المجال أمام تفكير دول في تعظيم “نعمة الجغرافيا”: حديثٌ أندونيسي عن دراسة خطط لإنشاء نظام تحصيل رسوم من السفن العابرة في مضيق ملقا يكفي للدلالة على خطأ فادحٍ اقترفته ترامب. أما قدرة الجيش الأمريكي على الدفاع عن مضيق تايوان ضد غزو صيني محتمل فصار موضع شك.
قصارى القول
في 13 مارس، أي بعد أقل من أسبوعين من بدء الحرب على إيران، كتبتُ في هذا الحيِّز أن “المواجهةَ دخلت معادلةً صفريةً وركوداً، إلا إنْ قرّرت واشنطن التصعيد إلى حرب مدمّرة”. تتأكدُ هذه الفكرة فيما الحربُ تدخل شهرها الثالث، بل تراكمت أصفارٌ كثيرة في حساب ترامب، وفرصٌ أمام إيران.
في أحسن الأحوال، قد يسعى ترامب إلى “نصرٍ بيروسي” (نسبة إلى بيروس الإبيري)، والذي يعني تحقيق انتصار عسكري بثمن باهظ، بحيث تكون خسائر المُنتصِر فادحةً إلى درجة ترقى إلى أن تعادِل الهزيمة.
أمريكا لا تفوز دون حسم عسكري يعني مزيداً من التورّط، وإيران غير مهزومة مادامت لم تستجب لـ”أُمنية” الاستسلام غير مشروط. صمود الإيرانيين نوع من الانتصار، باعتبارِ الفرص التي تلوح أمامهم إذا ما جرى التوصل إلى تسوية تعيد اندماجهم في الاقتصاد العالمي، عبر رفع العقوبات وتمكين النظام من تحصيل عائدات يمكن أن تغيّر وجه البلد الذي كشف حدود القدرة الأمريكية، و”يعيد تشكيل شرق أوسط جديد”، ويمهِّد لبناء نظام عالمي أكثر تعدّداً.