الزرهوني: الديمقراطية تحولت من نظام سياسي إلى معيار حضاري تقاس به الدول
قالت سلوى الزرهوني، أستاذة العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، إن الديمقراطية “تحولت تدريجياً من نظام سياسي إلى معيار حضاري تُقاس به الدول ما بعد الاستعمار”، معتبرة أن الانتخابات لم تعد تقرأ فقط كآلية تقنية للتداول على السلطة، بل كجزء من تاريخ معقد من الهيمنة والمعرفة والشرعية السياسية.
وجاء ذلك خلال مداخلتها في ندوة “ما وراء التصويت: قراءات متقاطعة في الدلالات المتعددة للانتخابات”، التي نظمها المركز الثقافي إكليل، حيث قدمت قراءة ديكولونيالية للانتخابات، دعت فيها إلى تجاوز الفهم الإجرائي السائد نحو مساءلة أعمق لأسس الديمقراطية الحديثة.
وأوضحت الزرهوني أن النقاشات التي ترافق عادة الاستحقاقات الانتخابية، خصوصا مع اقتراب الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026، تنشغل غالبا بأسئلة المشاركة ونزاهة الاقتراع والتنافس الحزبي وتشكيل الأغلبيات الحكومية، لكنها تبقى، بحسب تعبيرها، محكومة بأطر نظرية مستمدة من التجربة الغربية للديمقراطية الليبرالية.
وأضافت أن المقاربة الديكولونيالية تسعى إلى تجاوز هذا الفهم، عبر طرح أسئلة أعمق تتعلق بتاريخ تشكل المؤسسات الانتخابية، وعلاقتها بالإرث الاستعماري، وأنماط الهيمنة المعرفية والسياسية التي ما تزال تؤثر في تقييم النظم السياسية المعاصرة.
وأكدت المتحدثة أن الدراسات الحديثة حول تاريخ الانتخابات أظهرت أن هذه الأخيرة ليست دائما آلية سياسية محايدة، بل تمثل في كثير من السياقات امتدادا لإرث استعماري عالمي، موضحة أن انتقال الانتخابات إلى المستعمرات السابقة لم يكن نتيجة تطور داخلي طبيعي، بل جاء ضمن شروط إنهاء الاستعمار.
وأضافت أن القوى الاستعمارية فرضت على الدول حديثة الاستقلال تبني مؤسسات مثل الانتخابات والأحزاب والبرلمانات والدساتير، باعتبارها شروطاً للاعتراف بها كدول حديثة، ولو على مستوى الشكل فقط، دون أن يعني ذلك تحقق ديمقراطية فعلية على مستوى الممارسة.
وسجلت الزرهوني مفارقة أساسية، تتمثل في أن القوى نفسها التي دفعت نحو تنظيم الانتخابات في المستعمرات، كانت تمارس في الوقت ذاته التمييز العنصري والإقصاء السياسي وانتهاك الحقوق الأساسية، وهو ما يكشف، وفق تعبيرها، عن “استعمارية كامنة في المعيار الديمقراطي”.
وفي هذا السياق، شددت على أن الانتخابات في الدول الغربية تُعامل غالبا باعتبارها تتمتع بشرعية تلقائية، في حين تخضع انتخابات الدول ما بعد الاستعمار باستمرار للمراقبة والتقييم والتشكيك الخارجي، ما يعكس، بحسبها، استمرار هرمية عالمية في فهم الديمقراطية وتوزيع الشرعية السياسية.
كما استحضرت المتحدثة نماذج من التنظيم السياسي المحلي قبل الحقبة الاستعمارية، مثل “الجماعة” في المغرب والجزائر، معتبرة أنها شكلت فضاءات للتشاور والتداول واتخاذ القرار الجماعي، قبل أن يعمل الاستعمار على تفكيكها أو إعادة تشكيلها وفق حاجاته الإدارية والسياسية.
وأوضحت أن استعادة هذه الذاكرة السياسية المحلية تظل ضرورية لفهم الانتخابات خارج السردية الأوروبية للحداثة السياسية، وبما يسمح بإعادة التفكير في العلاقة بين التمثيل السياسي والمجتمع.
وفي ما يتعلق بالحالة المغربية، أشارت الزرهوني إلى أعمال باحثين مثل محمد الطوزي وعبد الله حمودي، الذين بيّنوا أن الشرعية السياسية في المغرب لا تختزل فقط في التنافس الانتخابي، بل ترتبط أيضاً بعناصر تاريخية ورمزية ومؤسساتية أوسع.
وخلصت إلى أن قراءة الانتخابات التشريعية المغربية المقبلة من منظور ديكولونيالي تتيح فهما أعمق للعلاقة بين الانتخابات والمؤسسة الملكية والأحزاب السياسية والمجتمع، مؤكدة أن هذا المنظور لا يدعو إلى رفض الانتخابات أو التقليل من قيمتها، بل إلى إعادة وضعها داخل سياقها التاريخي والسياسي.