أكباش رحو وأخنوش
عندما يتابع المرء سلوك الحكومة، ومعها بعض المؤسسات مثل مجلس المنافسة، الذي يثبت يوما بعد آخر أنه “رهينة” أخرى في يد حكومة أخنوش، لا يملك إلا أن يطرح سؤالا مريرا: من هم “الأكباش” الحقيقيون في نظر من يدبرون الشأن العام اليوم؟ هل هي تلك الحيوانات الأليفة التي نربيها ونأكل لحومها، أم المغاربة أنفسهم؟
يوم 18 ماي 2026، صدر بلاغ لرئيس الحكومة يعلن، بلهجة من اكتشف فجأة أن هناك أسواقا، ووسطاء، ومضاربين، وأضاحي، ومواطنين، عن حزمة قرارات قيل إنها ترمي إلى تنظيم الأسواق المخصصة لبيع أضاحي العيد، والتصدي للممارسات المؤدية إلى الارتفاع غير المبرر لأسعارها.
كان البلاغ أنيقا في لغته، مطمئنا في عباراته، لكن المشكل، كما يحدث غالبا مع هذه الحكومة، لا يوجد في الكلمات؛ بل في التفاصيل والمساطر. فالبلاغ الصادر يوم 18 ماي قال إن قرار رئيس الحكومة جاء “بعد استشارة مجلس المنافسة”، كما ينص على ذلك القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة؛ غير أن نص رأي مجلس المنافسة، الصادر في 21 ماي، يكشف أن المجلس لم يتوصل بطلب رئيس الحكومة إلا بتاريخ 19 ماي 2026، أي في اليوم الموالي لبلاغ رئيس الحكومة الذي تحدث عن قرار جاء “بعد استشارة مجلس المنافسة”.
وبعد التوصل، عين المجلس مقررا في اليوم نفسه، ودرس الطلب، ثم اجتمعت هيئته يوم 21 ماي وصادقت بالإجماع على الرأي. أي إن الاستشارة، في البلاغ، سبقت وصول الطلب إلى الجهة التي يفترض أن تستشار. وهنا يبدأ ال”سيتكوم” الحامض.
ثم تأتي الجريدة الرسمية لتزيد المشهد غرابة. فالقرار رقم 3.26.26، القاضي باتخاذ تدابير مؤقتة لتنظيم الأسواق المخصصة لبيع أضاحي العيد، صدر بتاريخ 20 ماي 2026، ونشر في عدد من الجريدة الرسمية مؤرخ في اليوم نفسه. وفي ديباجته، يكرر القرار أنه اتخذ “بعد استشارة مجلس المنافسة” الذي لم يجتمع سوى يوم 21 ماي.
قد يقول قائل: ربما كان هناك اتصال، أو مشاورات غير مكتوبة، أو ترتيبات إدارية سابقة. لكن القانون لا يشتغل ب”الشفوي”. والقرارات الاستثنائية التي تمس مبدأ حرية الأسعار والمنافسة لا تبنى على النوايا والمزاعم.
النصوص القانونية، خصوصا حين يتعلق الأمر بتقييد حرية السوق واتخاذ تدابير زجرية، تحتاج إلى مسطرة وتواريخ ووثائق واضحة. أما أن يقول البلاغ يوم 18 ماي “بعد الاستشارة”، ويتوصل المجلس بطلب الرأي يوم 19، ويصدر قرار رئيس الحكومة يوم 20، ويتداول المجلس يوم 21، فهذه ليست مسطرة. هذه حلقة من “سيتكوم” رحو وأخنوش الحامض، والذي بدأ في حقيقة الأمر من ملف المحروقات.
أطرف ما في القصة أن رأي مجلس المنافسة نفسه لا يكتفي بإضفاء المشروعية على تدخل الحكومة، بل يشرح، بلغة مؤسساتية، لماذا أصبح هذا التدخل ضروريا. وينقل المجلس من طلب الرأي الذي قدّمته له الحكومة، وجود ممارسات من شأنها الإخلال بالسير العادي للأسواق، لاسيما المضاربة، والزيادة غير المبررة في الأسعار، وبعض السلوكيات الرامية إلى التأثير المصطنع على توازن العرض والطلب، بما قد ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للمستهلكين.
أي أن الحكومة التي تخرج علينا بوجوه وزرائها “القاصحة” لتنفي وجود أي اختلال، ذهبت عند مجلس المنافسة لتشكو له من نفس التجاوزات التي نردّدها نحن صباح مساء.
فماذا كانت تفعل الحكومة منذ 2022؟ أين ذهبت ملايير دعم الأعلاف؟ وأين ذهب دعم الاستيراد؟ وأين ذهبت الإعفاءات؟ وأين ذهبت الخطابات الطويلة عن حماية القطيع وتجديده؟ وكيف تصرف الدولة كل هذا المال العام، ثم تعود، عشية العيد، لتقول إنها تحتاج إلى تدابير استثنائية كي تمنع المضاربات المفتعلة، والاتفاقات الضمنية أو الصريحة الرامية إلى رفع الأثمان؟
القرار الحكومي، وهو يحاول أن يبدو حازما، يدين الحكومة قبل أن يدين الشناقة. لأنه يقول إن كل ما كان ينبغي منعه منذ البداية صار ممنوعا فقط في نهاية اللعبة. وكأن الحكومة تركت المباراة تُلعب بقواعد الفراقشية، ثم تذكرت في الدقيقة الأخيرة أن هناك قانونا ومجلسا للمنافسة وجريدة رسمية.
ألم تبحّ أصواتنا ونحن نردّد إن سوق اللحوم الحمراء ليس طبيعيا ويخضع لسطوة الفراقشية؟
ثم هناك تلك اللقطة التي لا يمكن لأي مخرج “سيتكوم” أن يحسن كتابتها أكثر مما كتبتها الحكومة بنفسها. منتصف أبريل، وفي البرلمان، كان رئيس الحكومة يخاطب الكسابة بلغة لا تخلو من توجيه واضح للسوق، محذرا من أن دخولهم الجماعي إلى السوق قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار، ومذكرا إياهم بأن “داكشي اللي بغا المواطن”.
وبعد أسابيع قليلة، نجد الحكومة نفسها تطلب رأي مجلس المنافسة من أجل مواجهة ممارسات تروم التأثير المتعمد والمصطنع على مستويات الأسعار.
المشهد هنا يتجاوز التناقض، ويصير كاريكاتورا رسميا.
هل نحن أمام دولة قانون ومساطر، أم أمام إدارة مرتجلة لفضيحة موسمية؟ هل نحن أمام حكومة تضبط السوق، أم أمام حكومة تلحق بالسوق بعدما يكون الفراقشية قد سبقوها؟ هل نحن أمام حماية للقدرة الشرائية، أم أمام حماية متأخرة لصورة حكومة تورطت في خطاب طويل عن الدعم والوفرة ثم صدمتها الحقيقة عند أعتاب العيد؟
لقد صار واضحا أن المشكل ليس في وجود ال”شناقة”، بل في كون الحكومة سمحت ل”تاشناقت” أن تتحول إلى سلطة. ولحلقات إعادة البيع والتخزين والمضاربة أن تصبح أقوى من أثر الدعم. ولحرية الأسعار أن تتحول إلى حرية افتراس.
ثم حين استفاق الرأي العام، وصار عيد الأضحى أكبر من مجرد ملف حكومي، ودخلت المسألة منطقة أعلى من قدرة الحكومة على التجاهل، خرجت علينا بقرار استثنائي، مرتبك زمنيا، يجر وراءه رأيا من مجلس المنافسة جاء بعد البلاغ وبعد القرار.
في أي بلد يحترم مواطنيه، كانت هذه الواقعة وحدها تكفي لفتح باب المساءلة، ليس عن قانونية القرار وترتيب التواريخ فقط، بل عن المسؤولية السياسية في وصول السوق إلى هذه الحالة.
الحكومة التي تحتاج، بعد سنوات من الدعم، إلى تدابير استثنائية لمنع إعادة البيع داخل السوق ومنع التخزين ومنع المضاربات، تعترف ضمنا بأن سياساتها فشلت، أو افتضحت.
أما المواطن، فليس محتاجا إلى كل هذه التفاصيل القانونية كي يفهم. يكفيه أن يرى السعر في “الرحبة”. ويكفيه أن يسمع عن ملايير الدعم، ثم يدخل السوق فلا يجد أثرها. ويكفيه أن يسمع الحكومة تتحدث عن الوفرة، ثم يراها تتحدث عن المضاربة. ويكفيه أن يسمع رئيس الحكومة يحذر من انخفاض الأسعار، ثم يقرأ قرارا يحارب التأثير المصطنع على الأسعار.