أكاديميون وخبراء: القرار الأممي 2797 يكرس وضوحاً أكبر في ملف الصحراء ويقلص التأويل
أكد عدد من الأكاديميين والخبراء أن القرار الأممي 2797 يشكل محطة مفصلية في مسار معالجة ملف الصحراء المغربية، باعتباره يكرّس دينامية سياسية جديدة قائمة على مقترح الحكم الذاتي، ويعكس تحولا تدريجيا في مقاربة مجلس الأمن للنزاع.
وجاء ذلك خلال ندوة احتضنها المعرض الدولي للنشر والكتاب بعنوان “القرار الأممي 2797 بين الشرعية القانونية والحجية التاريخية”، حيث أوضح المشاركون أن فهم القرار يقتضي قراءة تراكماته التاريخية والقانونية والسياسية والدبلوماسية.
كما شددوا على أن مستقبل التسوية لم يعد محكوما بالتصورات التقليدية، و إنما بات مرتبطا أكثر بواقعية مقترح الحكم الذاتي كحل نهائي للنزاع المفتعل وإمكانية تنزيله على أرض الواقع.
تراكم تاريخي قانوني
في هذا السياق أكد الموساوي العجلاوي، الخبير والمحلل السياسي في ملف الصحراء المغربية، أن القرار الأممي 2797 لا يمكن قراءته كمعطى معزول، و إنما باعتباره نتيجة مسار طويل من التراكم التاريخي والقانوني الذي كرس تدريجيا مشروعية الطرح المغربي.
وأوضح العجلاوي أن العامل الزمني يشكل مفتاحا أساسيا لفهم هذا القرار، معتبرا أن اختزال النزاع في خمسين سنة فقط “خطأ تحليلي كبير”،مشددا على أن جذور القضية تعود إلى نهاية خمسينيات القرن الماضي، حين انخرط المغرب مبكرا داخل آليات الأمم المتحدة، خاصة لجنة تصفية الاستعمار.
و أشار العجلاوي إلى أن المغرب كان أول من بادر إلى طرح ملف الصحراء داخل المنتظم الأممي، عبر طلب إدراج الأقاليم الجنوبية ضمن القضايا المرتبطة بإنهاء الاستعمار الإسباني، وهو ما يعكس، بحسبه، أسبقية دبلوماسية وقانونية واضحة.
ولفت المتحدث إلى أن المرحلة الممتدة بين 1959 و1975 عرفت صراعا داخل المؤسسات الدولية حول طبيعة النزاع، في ظل محاولات لفصل الصحراء عن امتدادها المغربي، قبل أن يحسم رأي محكمة العدل الدولية في وجود روابط البيعة.
وخلص العجلاوي إلى التأكيد على أن هذا الاعتراف شكل لحظة مفصلية مهدت لإطلاق المسيرة الخضراء، باعتبارها تجسيدا سياسيا لشرعية تاريخية وقانونية أكدتها أعلى هيئة قضائية دولية.
أرضية واضحة
من جهته أكد الحسن بوقنطار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط أن القرار الأممي 2797 يمثل تحولا نوعيا في طريقة تعاطي مجلس الأمن مع ملف الصحراء، بعدما انتقل من مقاربة تتسم بالغموض إلى تبني أرضية أكثر وضوحا تقوم على مبادرة الحكم الذاتي.
وأوضح بوقنطار أن معالجة الأمم المتحدة للنزاعات تكشف مفارقة واضحة بين مؤسستين أساسيتين، هما الجمعية العامة ومجلس الأمن، حيث تعتمد الأولى مقاربات ذات طابع سياسي عام، بينما يحتفظ الثاني باختصاص حصري في تدبير النزاعات الدولية.
وأضاف أن مجلس الأمن ظل يتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها نزاعا يستوجب الحل في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يعني أن القرارات الصادرة عنه تقوم على منطق التوافق والوساطة، دون اللجوء إلى آليات التنفيذ القسري التي يتيحها الفصل السابع.
وسجل أن هذا الإطار التوافقي جعل قرارات المجلس، رغم طابعها الإلزامي، تظل رهينة بمدى استعداد الأطراف للانخراط في الحلول السياسية، وهو ما طبع مسار الملف لسنوات طويلة دون حسم.
واعتبر بوقنطار أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 ظلت، إلى حدود وقت قريب، تحظى بإشادة مجلس الأمن دون أن يتم اعتمادها كمرجعية صريحة للحل، حيث كانت توصف فقط بالجدية وذات المصداقية.
و خلص بوقنطار إلى أن القرار 2797 شكل قطيعة مع هذا التوجه، إذ أقر لأول مرة بكون تسوية النزاع ينبغي أن تتم على أساس هذه المبادرة، وهو ما يمنحها حمولة قانونية وسياسية جديدة داخل مسار الأمم المتحدة.
سقوط الأقنعة الجزائرية
من جهته أكد الأكاديمي والمؤرخ الجيلالي العدناني أن القرار الأخير يكشف تحولات عميقة في تموقع الجزائر داخل ملف الصحراء، معتبرا أنه يعرّي ما وصفه بـ”الأقنعة” التي اعتمدتها في مقاربتها لهذا النزاع عبر مراحل تاريخية مختلفة.
وأوضح العدناني أن أول هذه “الأقنعة” يعود إلى ستينيات القرن الماضي، حين قدمت الجزائر نفسها، وفق وثائق أممية، كطرف مساعد للاستعمار الإسباني سنة 1966، بل واعتبرت في مرافعاتها داخل الأمم المتحدة وأديس أبابا أنه لا يمكن لكيان قبلي صغير أن يؤسس دولة مستقلة.
وأضاف أن القناع الثاني تمثل في تحول توصيف الجزائر لنفسها داخل المسار الأممي، حيث انتقلت من صفة “طرف مهتم” إلى “طرف معني”، قبل أن تصبح، خاصة بعد سنة 1975، طرفا ضمنيا منخرطا بشكل فعلي في النزاع.
وسجل العدناني أن الجزائر تعود إلى “قناع الحياد” كلما مالت موازين القوى لصالح المغرب، إذ تعلن في تلك اللحظات أنها ليست طرفا في النزاع، وتدفع بكونه نزاعا بين المغرب وجبهة البوليساريو.
واعتبر أن قرار 2767 يحمل دلالة قانونية مهمة، تعكس تطور القواعد القانونية الدولية في سياقها الزمني، مشيرا إلى أنه جاء ليضع حدا لأطروحات سابقة، من بينها فكرة التوجه نحو الأطلسي، وكذا خيار الاستقلال الذي ظلت بعض الأطراف تدفع به.
التأويل ضرورة
أما محمد بن عبد القادر، وزير العدل السابق والقيادي الاتحادي فقد شدد على أن القرار 2797 يقلص فعليا مساحة التأويل المتناقض بين الأطراف، ويعزز توجها أمميا أكثر وضوحا نحو اعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا لأي تسوية مستقبلية للنزاع.
و أوضح بن عبد القادر أن قراءة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء المغربية لم تعد ممكنة دون التوقف عند مسألة التأويل، باعتبارها العنصر الحاسم في فهم مواقف الأطراف.
ولفت بن عبد القادر إلى مقولة الباحث الكندي في القانون الدولي مايكل بايرز، الذي اعتبر أن مستقبل القانون الدولي سيتحدد جزئيا وفق الطريقة التي تُقرأ بها قرارات مجلس الأمن.
وأضاف أن هذا الطرح لا يتعلق بالتفسير التقني للنصوص، و إنما بالتأويل باعتباره فعلا سياسيا وقانونيا يساهم في تشكيل قواعد النظام الدولي نفسه.
ولفت إلى أن قرارات مجلس الأمن منذ 2007 كانت تصاغ داخل منطق توافقي، ما يجعلها نصوصا قانونية–دبلوماسية أكثر منها نصوصا قانونية صرفة.
وخلص محمد بن عبد القادر إلى اعتبار التحول في المفاهيم و التأكيد على جدية مقترح الحكم الذاتي يعكس انتقال مجلس الأمن من منطق الغموض القابل لتعدد التأويلات إلى صياغة أكثر وضوحا ودقة في تحديد اتجاه الحل السياسي.