اعليا: توقعات الحكومة لميزانية 2027 تواجه تحديات الأسواق الدولية
تراهن الحكومة، من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2027، على مجموعة من الفرضيات الاقتصادية والمالية التي ترسم ملامح التوازنات الكبرى للميزانية المقبلة، غير أن مدى واقعيتها يظل مرتبطا بمتغيرات داخلية وخارجية، من بينها أداء الموسم الفلاحي، وتطور أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، وتقلبات أسعار الصرف، فضلا عن انعكاساتها المحتملة على عجز الميزانية ونفقات صندوق المقاصة.
وفي قراءته لهذه الفرضيات، يرى الخبير الاقتصادي ياسين عليا ضمن برنامج “إيكوترند” الذي يُبث على منصات صحيفة “صوت المغرب”، أن الحكومة اعتمدت توقعات يمكن وصفها بالعقلانية إجمالا، وإن كانت بعض المؤشرات تنطوي على قدر من التفاؤل، خصوصا في ما يتعلق بسعر غاز البوطان وتطورات الأسواق الطاقية الدولية.
وبخصوص النمو الاقتصادي، اعتمدت الحكومة نسبة 3.7 في المائة لسنة 2027، مقابل توقعات محينة تشير إلى إمكانية بلوغ 4.7 في المائة خلال سنة 2026، مدعومة بموسم فلاحي شبه ممتاز يصل إنتاجه إلى 90 مليون قنطار.
ويوضح عليا أن مراجعة الحكومة لتوقعاتها جاءت في ضوء افتراض موسم فلاحي متوسط خلال السنة المقبلة، في حدود 70 مليون قنطار.
وتظل النسبة المعتمدة أقل من توقعات صندوق النقد الدولي، الذي رجح بلوغ النمو 4.2 في المائة، والبنك الدولي الذي حدد توقعاته في 4 في المائة، فيما كان بنك المغرب أكثر تحفظا بتوقعه نموا لا يتجاوز 2.9 في المائة.
ويربط الخبير الاقتصادي هذه التقديرات باستمرار تأثر الاقتصاد الوطني بالتساقطات المطرية والتغيرات الجيوستراتيجية الدولية، فضلا عن توالي سنوات الجفاف.
أما بخصوص التضخم، فتتوقع الحكومة أن يستقر في حدود 1 في المائة سنة 2027، مقابل 0.7 في المائة خلال سنة 2026، وهي نسبة تظل قريبة من تقديرات المؤسسات المالية الدولية والوطنية؛ إذ يتوقع البنك الدولي تضخما في حدود 1.8 في المائة، وصندوق النقد الدولي 1.4 في المائة، فيما يقدره بنك المغرب بـ1.5 في المائة
ويرتبط هذا المؤشر، بحسب اعليا، إلى حد كبير بتطور الأسعار الدولية، ولاسيما في الأسواق الطاقية، وهو ما يجعل فرضية سعر غاز البوطان من بين المحددات الأساسية في حسابات الميزانية.
وفي هذا السياق، حددت الحكومة متوسط سعر طن غاز البوطان في 600 دولار، بينما بلغ السعر خلال أكتوبر، وفق مرجع أسعار منطقة البحر الأبيض المتوسط الذي تسيطر عليه شركة “سونطراك” الجزائرية، 750 دولارا، مقابل 730 دولارا وفق السعر الذي تعتمده شركة “أرامكو” السعودية.
وتستند الحكومة في توقعها إلى فرضية ارتفاع العرض العالمي بنسبة 9 في المائة، مقابل زيادة الطلب بنسبة 7 في المائة، إلى جانب توسع القدرة التصديرية لأمريكا الشمالية. غير أن الخبير يعتبر هذا التقدير متفائلا، في ظل مخاوف عودة الحرب إلى منطقة الخليج بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، فضلا عن الحاجة إلى فترة انتقالية لاستعادة الشركات المنتجة قدراتها الإنتاجية بعد انحسار التوتر.
وتتوقع الحكومة، في المقابل، حصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، اعتمادا على نمو المداخيل، غير أن هذا الهدف يظل مرتبطا بدوره بتطور أسعار الغاز؛ إذ إن أي ارتفاع في الأسعار الدولية من شأنه زيادة نفقات صندوق المقاصة، بما قد يضعف إمكانية الالتزام بمستوى العجز المستهدف.
ومن بين المستجدات التي تضمنتها الفرضيات المعتمدة هذه السنة، تحديد سعر صرف الأورو مقابل الدولار في 1.163 دولار، استنادا إلى توقعات مؤسسة “بلومبيرغ”.
ويرتبط هذا المعطى بنظام ربط الدرهم بنسبة 60 في المائة بالأورو و40 في المائة بالدولار، فيما قد يؤدي استمرار قوة العملة الأمريكية، بفعل القرارات المتحفظة للاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، إلى ارتفاع الفاتورة الطاقية ومخصصات صندوق المقاصة، فضلا عن كلفة خدمة الدين المقوم بالدولار.
وبينما تبدو فرضيات النمو والتضخم أقرب إلى تقديرات عدد من المؤسسات المالية، تبرز أسعار غاز البوطان وسعر الصرف باعتبارهما من أبرز مصادر عدم اليقين التي قد تؤثر في التوازنات المالية المتوقعة.
لذلك، يخلص الخبير الاقتصادي ياسين اعليا إلى أن الفرضيات الحكومية “تبدو عقلانية في مجملها”، لكن اختبار مدى قدرتها على الصمود أمام تقلبات الاقتصاد الدولي سيظل رهينا بما ستكشف عنه الأرقام الفعلية للمداخيل والنفقات ومستويات المديونية.
لمسشاهدة الحلقة كاملة يرجى الضغط على الرابط