story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

طلال الحلو: الاقتصاد يساهم في علمنة المجتمع المغربي

ص ص

اعتبر الدكتور طلال الحلو أن تراجع الهوية المغربية لا يرتبط فقط بالتحولات الثقافية والاجتماعية، بل يمتد إلى طبيعة النظام الاقتصادي والقواعد القانونية التي تؤطره، محذراً من أن ترك الاقتصاد خاضعاً لمنطق الربح والمنفعة، بعيداً عن المرجعيات الدينية والأخلاقية، يؤدي تدريجياً إلى علمنة المجتمع في الممارسة، حتى وإن كانت النصوص الدستورية تنص على أن الإسلام دين الدولة.

وقال الحلو، خلال مداخلة له في ندوة “الهوية المغربية الجامعة: المنطلقات والثوابت”، المنظمة ضمن فعاليات ملتقى شبيبة العدالة والتنمية، إن النقاش حول حماية الهوية بالمغرب يغفل ثلاث حلقات أساسية، تتعلق بالبرلمان والمحاكم والاقتصاد، معتبراً أن المجال الاقتصادي لا يحظى بالمكانة التي يستحقها في النقاشات المرتبطة بالهوية والمرجعية المجتمعية.

وأوضح المتحدث أن النقاش العمومي يركز بصورة كبيرة على قضايا الأسرة وحقوق المرأة والرجل والأطفال ومدونة الأسرة، بينما يغيب عنه سؤال المرجعية التي تحكم الاقتصاد، رغم تأثير هذا الأخير في تشكيل المجتمع وتوجيه سلوك الأفراد.

وفي هذا السياق، أشار الحلو إلى أن الاقتصاد المغربي ما زال يستند، في جانب من تنظيمه القانوني، إلى قانون الالتزامات والعقود الصادر سنة 1913 خلال فترة الحماية الفرنسية، معتبراً أن النموذج الاقتصادي السائد يقوم على معايير الربح والمنفعة، دون استحضار كافٍ للضوابط الدينية والأخلاقية.

وأضاف أن هذا الوضع يخلق تناقضاً بين المبادئ التي يؤمن بها الأفراد وبين الممارسات التي يفرضها عليهم الواقع الاقتصادي، حيث يصبح الدين، في بعض الحالات، وكأنه عائق أمام المسار الاقتصادي، في ظل منظومة تجعل الربح والمنفعة معياراً أساسياً لتدبير المعاملات والعلاقات التجارية.

وانتقد الحلو اقتصار النقاش حول قانون المالية على الجوانب التقنية والمحاسباتية، المرتبطة بتوزيع الموارد والنفقات وتحديد الاعتمادات، دون التطرق إلى الأسئلة الفلسفية والهوياتية المرتبطة بطبيعة الاختيارات الاقتصادية، وما إذا كانت منسجمة مع المرجعية التي تستند إليها الدولة والمجتمع.

وتطرق الحلو أيضاً إلى العلاقة بين المرجعية الدينية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مشيراً إلى ما اعتبره إشكالاً يتعلق بالتوفيق بين التنصيص الدستوري على أن الإسلام دين الدولة، والالتزامات الدولية التي تفرض ملاءمة التشريعات الوطنية مع المنظومة الحقوقية العالمية.

وفي معرض حديثه عن الديمقراطية، انتقد الحلو مساواة الأصوات الانتخابية من حيث القيمة، بصرف النظر عن الاختلافات بين الناخبين من الناحية الأخلاقية والعلمية والسلوكية، معتبراً أن الديمقراطية قد تتحول إلى آلية لإنتاج اختيارات لا تنسجم بالضرورة مع القيم الأخلاقية إذا لم تخضع لمرجعية ضابطة.

واستحضر في هذا السياق أفكار عدد من الفلاسفة، من بينهم أفلاطون وأرسطو وروسو، بشأن إشكالات النظام الديمقراطي ومخاطر انحرافه، كما تحدث عن دور ما سماه “الأقلية الترجيحية”، التي قدر حجمها بما يتراوح بين 5 و10 في المائة من الناخبين، في التأثير على نتائج الانتخابات وتوجيه السياسات العمومية.

واعتبر أن الحسابات الانتخابية قد تدفع بعض الفاعلين إلى تبني اختيارات تستجيب لمطالب الدعم والاستهلاك الآني، على حساب الإنتاج والمنتجين، وهو ما يطرح، بحسب تصوره، أسئلة بشأن العلاقة بين التنافس السياسي والاختيارات الاقتصادية بعيدة المدى.

ومن بين القضايا التي خصص لها حيزاً من مداخلته، مسألة المديونية العمومية، التي وصفها بأنها “معاقبة للطفولة واضطهاد لها”، معتبراً أن الحكومات التي تلجأ إلى الاقتراض لتمويل نفقات التسيير والاستهلاك الحالي تنقل أعباء قراراتها إلى الأجيال المقبلة.

وخلص الحلو إلى أن الاقتصاد، بالنظر إلى تأثيره المباشر في حياة الأفراد وتوجهات المجتمع، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجالاً تقنياً منفصلاً عن النقاش الهوياتي، محذراً من أن استمرار إخضاعه لمعايير مادية قائمة على الربح والمنفعة سيؤدي إلى تغيير المرجعيات التي تحكم المجتمع، بصرف النظر عن المقتضيات الدستورية المعلنة بشأن هوية الدولة.