ما بعد المينورسو.. بوخبزة يستشرف ملامح الانتقال من الآليات الأممية إلى الواقعية السياسية
يفتح إعلان المغرب طي صفحة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو”، بعد 35 سنة من إحداثها، نقاشا يتجاوز مستقبل هذه البعثة إلى طبيعة المسار الذي قد يسلكه ملف الصحراء المغربية خلال المرحلة المقبلة، في ظل تعثر الآليات الأممية وتباين مواقف القوى الكبرى، وهو ما عكسته التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن.
وبين الرهان على تجاوز المسار الأممي التقليدي والانتقال إلى منطق الواقعية السياسية، تبرز أسئلة بشأن شكل المفاوضات المقبلة، ودور الأمم المتحدة، والآليات التي يمكن أن تؤطر المرحلة الجديدة.
في هذا الإطار، أكد محمد العمراني بوخبزة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، أن المرحلة الراهنة اقتضت مراجعة طريقة تدبير ملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، مشيرا إلى أن هناك تحولا سيكون جذريا في التعاطي مع الملف.
صراع القوى الكبرى
وقال بوخبزة، في حديث لصحيفة “صوت المغرب”، إن الواقع الآن يستدعي وضع “حد لهذا المسلسل الذي يتم الاستثمار فيه من قبل القوى الكبرى من أجل استدامة هذا النزاع لخدمة مصالحها وأجنداتها”، مبرزا أن “الجميع يعلم أن هناك صراعا كبيرا جدا ما بين القوى الكبرى حول منطقة الساحل”.
وأضاف بوخبزة أن الانتقال إلى مرحلة جديدة ينبغي أن ينطلق من تصحيح “أخطاء الماضي”، من خلال سحب الملف من اللجنة الرابعة.
واعتبر الأستاذ الباحث أن النقاش حول ملف الصحراء المغربية داخل اللجنة الرابعة كان “نقاشا مغلوطا منذ البداية”، موضحا أن “هناك معطيات تاريخية تثبت بأن هذا الملف وُضع أمام اللجنة قبل اتفاق 1975 مع مدريد”.
وشدد في هذا الصدد على أنه “لم يكن من المقبول أن يستمر هذا الملف أمام اللجنة الرابعة، لأنه لا يتعلق بتصفية الاستعمار”.
دعم مغربية الصحراء
وفي السياق ذاته، اعتبر الأستاذ الجامعي أن استمرار مناقشة الملف داخل مجلس الأمن، وما يرافق ذلك من إحاطات دورية خلال شهري أبريل وأكتوبر، لم يعد له معنى، في ظل التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، ودعم مغربية الصحراء من قبل أزيد من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن استمرار مناقشة الملف بمجلس الأمن لا معنى له أيضا، في ظل الوضع الإنساني الذي تعيشه ساكنة مخيمات تندوف.
وأكد الخبير في العلاقات الدولية أن هذه المعطيات كلها تصب في اتجاه إخراج الملف من “دهاليز الأمم المتحدة” وفتح مسار آخر قائم على الواقعية السياسية التي فرضها المغرب، يستند إلى التنمية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، وتزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إلى جانب الرغبة في عودة الساكنة المحتجزة في مخيمات تندوف إلى أرض الوطن.
خلل الأجهزة الأممية
وفيما يتعلق بمستقبل التسوية السياسية، لم يستبعد الأستاذ الباحث أن تأخذ المفاوضات المقبلة شكلا مغايرا للمسار الذي ساد خلال السنوات الماضية، معتبرا أن الأمم المتحدة والأمين العام ومجلس الأمن لم يتمكنوا من تحريك هذا المسار، بسبب ما وصفه باختلالات في أداء أجهزة المنظمة الأممية.
وشدد بوخبزة على أن تجاوز المرحلة الحالية لا يقتصر على تغيير آليات تدبير الملف، بل يستدعي أيضا إصلاح أجهزة الأمم المتحدة، ومراجعة الأجندات التي تُفرض على الدول دون مراعاة مصالحها والأوضاع الإنسانية لساكنتها.
يُذكر أن روسيا كانت قد لجأت، يوم أمس الجمعة 30 أكتوبر 2026، إلى استخدام “الفيتو” ضد مشروع القرار الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية ونال تأييد 11 دولة داخل مجلس الأمن الدولي، المكون من 15 عضوا، فيما امتنعت 3 دول عن التصويت.
وإثر ذلك، أعدت روسيا مشروع قرار آخر لم ينل سوى تأييد 3 دول، وامتناع 11 دولة، فيما عارضته الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام “الفيتو”. وأوضحت أمريكا، عبر سفيرها الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن وضعية “المينورسو” غير قابلة للاستمرار في المغرب.
عجز مجلس الأمن
وبعدما عجز مجلس الأمن في إصدار قرار جديد بشأن بعثة “المينورسو”، أعلن المغرب طي صفحة هذه البعثة التي دامت 35 سنة، موردا أن “هذه البعثة، الموروثة عن سياق عفا عليه الزمن، شكلت لفترة طويلة أداة لتدويل النزاع الإقليمي المتعلق بالاسترجاع المشروع للمملكة المغربية لأقاليمها الصحراوية”.
وأكد المغرب، في بلاغ صادر عن الديوان الملكي، أن “عدم التمديد لمهمة المينورسو يتعين أن يضع حدا لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله”، مبرزا أنه “لن يبقى أَي مبرر لانعقاد الاجتماعات النظامية الدورية للمجلس المخصصة للصحراء المغربية، ولا لتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا لإحاطات مبعوثه الشخصي”.
وأضاف “هكذا، يتوقف المسار السياسي الأممي، الذي اتسم للأسف بمماطلة الأطراف الأخرى، وإصرارها على خلق حالة من الجمود وإدامة الوضع الراهن. كما سيتم اتخاذ خطوات مماثلة في القريب العاجل داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة”.