تحالف اليسار يرفض برنامج المنصوري: أين وعود مليون منصب شغل وخفض البطالة؟
أعلنت المجموعة النيابية لتحالف اليسار بمجلس النواب رفضها البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، منتقدة غياب التزامات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس بشأن التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة الجبائية والمحاسبة.
وقالت نبيلة جلال، رئيسة المجموعة النيابية لتحالف اليسار، خلال مناقشة التصريح الحكومي، يوم الخميس 22 أكتوبر، إن المجموعة “ستصوت برفض البرنامج”، معتبرة أن الالتزامات الواردة فيه “لا تجيب عن انتظارات المغاربة، ولا تتضمن ما يكفي من الضمانات والآجال والمؤشرات التي تسمح بمساءلة الحكومة عن نتائج عملها”.
واعتبرت جلال أن عبارة “تدريجيا وفق الواقعية التنفيذية واستدامة المالية العمومية”، التي أوردها التصريح الحكومي بشأن تنفيذ الالتزامات، تمثل “تنصّلا مسبقا من المسؤولية”، معلنة إخضاع البرنامج لخمسة اختبارات تتعلق بالتشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة الجبائية والمحاسبة.
وعود التشغيل تحت المساءلة
في مقدمة انتقاداتها، تساءلت جلال عن مآل الوعود الانتخابية المتعلقة بإحداث مليون منصب شغل وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة في أفق سنة 2031. وقالت مخاطبة رئيسة الحكومة: “وعدت أحزاب أغلبيتكم بمليون منصب شغل، وبخفض البطالة إلى 7% سنة 2031. أما تصريحكم، فلا عدد فيه للمناصب، ولا هدف للبطالة، ولا كلمة عن الحد الأدنى للأجر. اكتفيتم بـ’التكوين’ و’التجربة المهنية’، التكوين ليس شغلا، والتجربة ليست عقد عمل”.
ولم تقتصر انتقادات رئيسة المجموعة النيابية لتحالف اليسار على التشغيل، بل شملت طريقة تنفيذ الوعود المرتبطة بالقدرة الشرائية. وذكّرت بوعد توفير مجانية تلقائية للكهرباء دون شروط، معتبرة أن الوعد “تحول إلى دعم موجه إلى الأسر المستحقة”، بما يعني، بحسب تعبيرها، الانتقال من التلقائية إلى فرض الشروط.
كما استحضرت التعهد بإعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة، وضمان معاش لا يقل عن 3000 درهم، وانتقدت إخضاع هذه الالتزامات للتنفيذ التدريجي وفق إمكانيات الدولة. وأشارت إلى أن “وعد حليف حكومي بإقرار أجر أدنى للكرامة ابتداء من سنة 2027 أُجّل إلى نهاية الولاية الحكومية”.
وفي ملف المحروقات، انتقدت غياب التزامات بشأن تسقيف الأسعار أو إعادة تشغيل مصفاة “سامير”، مضيفة أن المحتكرين وحدهم نالوا، بحسب تعبيرها، “الدعم التلقائي دون شروط”.
الصحة والضرائب والمحاسبة
وفي الاختبار المتعلق بالصحة والتعليم، أثارت جلال تردي الخدمات والخصاص في الموارد البشرية، مشيرة إلى استحواذ القطاع الخاص على 91 في المائة من نفقات التأمين الصحي. وتساءلت عن ضمانات مجانية العلاج والتعليم والجامعة، والرفع من منح الطلبة، وتمويل البحث العلمي.
أما في العدالة الجبائية، فانتقدت “الاعتماد على النمو لتوفير الجزء الأكبر من التمويلات اللازمة لتنفيذ البرنامج الحكومي”. وقالت إن حزب رئيسة الحكومة “يراهن على تمويل 300 مليار درهم من أصل 350 مليار درهم عبر الأثر الإضافي للنمو”، في الوقت الذي يستهدف فيه التصريح تحقيق نمو بنسبة 5 في المائة، وحصر عجز الميزانية في أقل من 3 في المائة، والمديونية في أقل من 62 في المائة.
كما قارنت بين الوعود الانتخابية المتعلقة بفرض ضرائب على الريع والثروات الكبرى وأرباح الاحتكار، واقتصار التصريح على توسيع الوعاء الضريبي وإعادة هيكلة المحفظة العمومية، معتبرة أن ذلك “قد يعني خوصصة بنكهة جديدة”.
ودعت، في المقابل، إلى تمويل الحماية الاجتماعية من خلال ضريبة تصاعدية على الثروة، وتضريب كبار الفلاحين، ومحاربة التهرب الضريبي، بما يضمن، وفق تصور المجموعة، توزيع الأعباء بصورة أكثر إنصافا.
وفي اختبار المحاسبة، تساءلت جلال عن الآجال والمؤشرات التي ستعتمدها الحكومة لتقييم نتائج عملها، مستحضرة قولها إن المسؤولية “تُقاس بالنتائج”. كما انتقدت موقف وزير العدل من تجريم الإثراء غير المشروع، قائلة إنه يعتبره متعارضا مع قرينة البراءة، ومضيفة أنه عطل العدالة لشهور، قبل أن تتساءل: “كيف ستحاربون الفساد إن لم تحاسبوا المفسدين؟”.
وقالت جلال إن المنصوري كانت شريكة في قرارات الحكومة السابقة، التي وصفتها بحكومة “التزاوج الفاضح بين المال والسلطة”، وحاضنة لتضارب المصالح. كما توقفت عند إعفاء وزيرة بعد 48 ساعة من تعيينها، معتبرة أن الواقعة “كشفت إخلالا بواجب الاختيار والتدقيق في تحمل المسؤولية الحكومية”.
وتساءلت جلال أيضا عن تصريح وزير المالية بشأن تبديد وتبذير 280 مليار درهم دون أثر ودون محاسبة، معتبرة أن ذلك “يطرح سؤالا بشأن مدى الانسجام بين الخطاب الحكومي ومقتضيات المساءلة”.
ملكية برلمانية وعفو عام
على المستوى السياسي والدستوري، اعتبرت المجموعة النيابية لتحالف اليسار أن تحقيق التنمية يقتضي إصلاحا دستوريا شاملا نحو ملكية برلمانية، تقوم على الفصل الفعلي بين السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وقالت جلال إن الحديث عن دورة جديدة للمسار التنموي لا يستقيم دون معالجة جوهر السؤال السياسي، داعية إلى حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع وكاملة الصلاحيات، وبرلمان يمارس أدواره في التشريع والمساءلة والرقابة، وقضاء مستقل وحر ونزيه.
وانتقدت ما وصفته بـ”عرف مقلق” يتمثل في جمع حزب رئيس الحكومة بين رئاسة السلطة التنفيذية ورئاسة الغرفة البرلمانية التي يُفترض أن تراقب عملها. كما دعت إلى إحداث هيئة مستقلة للانتخابات، معتبرة أن ذلك من بين المداخل اللازمة لضمان نزاهة العملية الانتخابية.
وفي ملف حقوق الإنسان، سجلت جلال أن التصريح الحكومي وصف حقوق الإنسان بأنها “خيار وطني ثابت”، دون أن يذكر معتقلا واحدا. وأعلنت أن المجموعة ستتقدم، للمرة الثالثة، بمقترح عفو عام شامل يشمل معتقلي حراك الريف وشباب “جيل Z”، وجميع المعتقلين السياسيين والصحافيين والمدونين والنقابيين والحقوقيين.
وطالبت كذلك بوقف المتابعات التي وصفتها بـ”الكيدية” وجبر الضرر، داعية إلى سن قانون يجرّم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، مشيرة إلى أن مقترح القانون، بحسب تعبيرها، “واجد عندنا”.
وشملت المطالب أيضا تعديل قانون المحاماة، بعدما قالت جلال إن تطبيقه خلال أشهر قليلة أظهر اختلالات تمس استقلال الدفاع وحقوق المتقاضين، مؤكدة أنه “لا عدالة دون محاماة حرة ومستقلة”.
سبتة ومليلية وفلسطين
وفي القضايا الوطنية، جددت جلال تمسك المجموعة النيابية لتحالف اليسار باسترجاع سبتة ومليلية والجزر والثغور التي وصفتها بالمحتلة، داعية إلى برنامج استعجالي لتنمية المناطق الحدودية، وإشراك البرلمان والقوى السياسية في مناقشة تنزيل الحكم الذاتي.
وأكدت أن الوحدة الترابية “مبدأ سيادي راسخ لا يقبل التفاوض”، كما دعت إلى تجاوز المقاربات الرمزية في التعامل مع الأمازيغية، عبر إدماجها الفعلي في السياسات العمومية، معتبرة أن “العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن العدالة اللغوية والثقافية”.
وبشأن مغاربة العالم، شددت على أنهم ليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل مواطنون كاملو المواطنة، من حقهم إطار قانوني يضمن مشاركتهم الانتخابية عبر التصويت المباشر في القنصليات، وتمثيلهم الفعلي داخل المؤسسات.
وفي القضية الفلسطينية، انتقدت جلال صمت التصريح الحكومي عن التطبيع مع إسرائيل، معتبرة أن الموقف المنسجم مع وجدان المغاربة، خصوصا بعد حرب الإبادة الجماعية على غزة، “يقتضي تجريم التطبيع وإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل، والانتصار لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس”.
الماء والطاقة
وفي الجانب البيئي والاقتصادي، انتقدت جلال دعم الزراعات التصديرية “التي تستنزف الفرشات المائية على حساب الأمن الغذائي وماء الشرب”. كما ربطت تحقيق السيادة الطاقية بإعادة تشغيل مصفاة “سامير”، معتبرة أنها “معطلة عمدا”، ودعت إلى تعزيز الإنتاج الوطني لتلبية حاجيات السوق الداخلية وتقليص العجز التجاري.
وفي مواجهة البرنامج الحكومي، استحضرت رئيسة المجموعة النيابية لتحالف اليسار برنامج هذا الأخيرة في حملته الانتخابية “الكرامة أولا”، الذي قالت إنه “يقدم بدائل تستجيب للاختبارات الخمسة” التي طرحتها خلال مناقشة التصريح.
ويشمل البرنامج، إلى جانب الملكية البرلمانية وتعزيز استقلالية القضاء والبرلمان وهيئة الانتخابات، ضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة في الولوجيات والتعليم والشغل والعيش الكريم، مؤكدا أن الإعاقة ليست سببا للإقصاء، بل إن الإقصاء نتيجة لسياسات تمييزية.
كما تدعو المجموعة إلى إصلاح نظام التقاعد على أساس ضمان تمويل منصف ومعاش يصون الكرامة، بدل رفع سن التقاعد وتقليص المعاشات، وإقرار مساواة فعلية ومناصفة في مواقع القرار، مع استحضار ما راكمته الحركة النسائية المغربية.
وخلصت جلال إلى إعلان رفض المجموعة النيابية لتحالف اليسار البرنامج الحكومي، مؤكدة أنها “ستصوت ضده وستمارس صلاحياتها الرقابية”.