story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

تقرير رسمي يحذر من هشاشة مخزونات المحروقات والقمح ويدعو إلى تدخل مباشر للدولة

ص ص

حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من هشاشة منظومة المخزونات الاحتياطية للمواد الأساسية بالمغرب، معتبراً أن النموذج الحالي لم يعد قادراً على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة، في ظل تنامي التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد والتغيرات المناخية.

ودعا المجلس، في تقريره السنوي لعام 2025، إلى إعادة هيكلة المنظومة عبر إحداث مخزونات عمومية إلى جانب المخزونات الخاصة، وتعزيز آليات المراقبة والشفافية.

وجاء هذا التشخيص ضمن إحدى “نقط اليقظة” التي خصصها التقرير لموضوع “إعادة النظر في آلية المخزونات الاحتياطية من أجل تعزيز قدرة منظومة التموين الوطنية بالمواد الأساسية على الصمود”، مع التركيز على المحروقات والقمح اللين باعتبارهما من أكثر المواد ارتباطاً بالأمنين الطاقي والغذائي.

واعتبر المجلس أن تأمين هذه المخزونات يشكل “رافعة أساسية لتعزيز قدرة المغرب على الصمود وضمان استمرارية التزويد بالمواد الضرورية، خاصة في فترات الأزمات”. غير أنه سجل أن المنظومة الحالية تعاني من “أوجه قصور تحد من نجاعتها ومن قدرتها على مواجهة الاضطرابات التي قد تمس تموين البلاد بالمواد الأساسية”.

هشاشة متزايدة في قطاع المحروقات

رغم الجهود المبذولة في مجال الانتقال الطاقي، أكد التقرير أن المنتجات البترولية “لا تزال تحتل مكانة محورية ضمن المنظومة الطاقية الوطنية، حيث تمثل 51 في المائة من المزيج الطاقي سنة 2025”.

وبلغ الاستهلاك الوطني حوالي 12.8 مليون طن، يهيمن عليه الغازوال بنسبة 73 في المائة، بينما “يُرتقب أن يواصل هذا الاستهلاك منحاه التصاعدي، مع زيادة متوقعة بنسبة 16 في المائة في أفق سنة 2030”.

وأوضح المجلس أن المغرب أصبح، منذ توقف نشاط مصفاة “سامير” سنة 2015، “يعتمد حصرياً على استيراد المنتجات البترولية المكررة، وهو ما يزيد من هشاشة البلاد أمام اضطرابات الأسواق الدولية وتقلبات الأسعار”.

وفي الوقت نفسه، سجل التقرير نقصاً في المعطيات العمومية، مشيراً إلى أن “البيانات المتعلقة بمستويات المخزونات الاحتياطية تظل غير متاحة بشكل ممنهج”.

وأبرز المجلس أن غياب نشر معطيات دقيقة ومستمرة “يحد من إمكانية تتبع تطور المخزونات الاحتياطية ومن وضوح الرؤية لدى الفاعلين الاقتصاديين والمواطنات والمواطنين”، كما أظهرت المؤشرات الرسمية السابقة أن مستويات المخزون ظلت “أقل من السعة القانونية المحددة في ستين يوماً”.

إطار قانوني متقادم وآليات مراقبة محدودة

وسجل التقرير أن الإطار القانوني المنظم للمخزونات الاحتياطية للمحروقات يعود في أساسه إلى سنة 1971، ولم يخضع سوى لتعديلات محدودة “لم تمكن من تحديث المنظومة بشكل جوهري”.

وأشار المجلس إلى أن “النصوص الحالية لا تميز بشكل واضح بين المدخرات الاحتياطية الإلزامية التي يحتفظ بها الفاعلون الخواص، وبين المخزونات التي ينبغي أن يتوفروا عليها لتلبية حاجياتهم التجارية”.

كما انتقد التقرير محدودية العقوبات القانونية، التي “لم تخضع لأي تحيين منذ سنة 1973″، وهو ما يحد من أثرها الردعي. ونبه إلى ضعف آليات المراقبة، مبرزاً أن “الأعوان المكلفين بالمراقبة لا يتوفرون على الصفة القانونية (محلفون)، كما أنهم لا يحررون محاضر المخالفات وفق الضوابط والشكليات المعمول بها”.

اختناقات في التخزين واللوجستيك

رغم ارتفاع قدرات التخزين بنسبة 36 في المائة بالنسبة للمنتجات البترولية السائلة و43 في المائة لغازات البترول المسيلة خلال الفترة 2021-2025، يرى المجلس أن البنيات الحالية ‘ما تزال تعاني من درجة عالية من التمركز الجغرافي”.

فوفقاً للأرقام، يتمركز “أزيد من 70 في المائة من القدرة التخزينية لغاز البوتان” في الكهوف الملحية بالمحمدية، بينما تتركز “حوالي 80 في المائة من قدرات تخزين المنتجات البترولية السائلة” في موانئ طنجة والمحمدية والجرف الأصفر.

كما رصد التقرير “اختناقات في الموانئ وفترات انتظار متكررة للسفن” بسبب الاكتظاظ والعوامل المناخية، بالإضافة إلى “إكراهات تتعلق بتعبئة العقار المخصص للتخزين، وبطء بعض مساطر منح التراخيص”.

القمح.. تبعية متزايدة للخارج

وفي الجانب الغذائي، أكد المجلس أن القمح اللين يظل من أكثر المواد الاستراتيجية ارتباطاً بالأمن الغذائي، إذ يبلغ متوسط استهلاك الفرد المغربي “حوالي 180 كيلوغراماً سنوياً، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي”.

وأشار التقرير إلى أن معدل تبعية المغرب لاستيراد الحبوب “بلغ نحو 70 في المائة خلال الفترة 2019-2023″، بينما “قاربت التبعية 74 في المائة خلال السنوات الأخيرة”.

ورغم أن المخزون الاحتياطي يغطي ما بين ثلاثة وأربعة أشهر من الاستهلاك، يرى المجلس أن هذا المستوى “يحتاج إلى يقظة أكبر في ظل تنامي حالة عدم اليقين التي تطبع الأسواق الدولية”.

هذا وسجل التقرير أن الإطار القانوني المنظم للمخزونات الاحتياطية للحبوب “لا يزال غير مكتمل”، إذ لم يصدر بعد القرار المشترك المتعلق بـ “تكوين هذه المخزونات وكيفيات إنشائها وتمويلها”، المنصوص عليه منذ سنة 1996.

كما اعتبر المجلس أن المنظومة الحالية “تعتمد بدرجة كبيرة على التصريح الذاتي للفاعلين الخواص”، مما “لا يُمكِّن من التتبع الدقيق لمعرفة مستويات المخزون المتوفرة فعلياً”. وأضاف أن “غالبية المخزونات تبقى في حيازة القطاع الخاص”، رغم الطابع الاستراتيجي لهذه المادة.

سياسة تفاعلية لا استباقية

ويرى المجلس أن سياسة التخزين الحالية تظل رهينة بتقلبات الأسواق الدولية، إذ “يقتصر تدخل السلطات غالباً على فترات ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق”. واعتبر أن هذا التدخل “يغلب عليه الطابع التفاعلي، ويحد من قدرة سياسة التخزين على مقاومة التقلبات الدورية”.

كما أشار إلى أن منظومة التخزين لا تزال تعتمد بشكل كبير على “المخازن التقليدية التي تمثل 59 في المائة من إجمالي القدرات التخزينية”، مقابل 41 في المائة فقط للمستودعات الحديثة، مع استمرار “تمركز منشآت التفريغ ومستودعات التخزين بالموانئ، خاصة على مستوى ميناء الدار البيضاء”.

توصيات بإحداث مخزون عمومي

ودعا المجلس إلى مراجعة شاملة للإطار القانوني للمحروقات، مع “توضيح أهداف إنشاء المخزون الاستراتيجي أو الاحتياطي، وتحديد شروط تعبئته بدقة”.

وأوصى بالانتقال إلى “نموذج هجين يجمع بين قدرات عمومية مباشرة (توفّرها الدولة أو وكالة متخصصة)”، ومخزونات إلزامية لدى الخواص، مع “التمييز بكيفية قانونية وإجرائية واضحة بين المخزونات القانونية ذات البعد الاستراتيجي والمخزونات التجارية”.

كما أوصى بـ “تحديث آليات المراقبة من خلال رقمنتها”، و “الإحداث الفعلي لهيئة من المراقبين المحلفين”. وفي ما يتعلق بالحبوب، دعا المجلس إلى “استكمال الإطار التنظيمي، و تعويض النظام القائم على التصريح بمنظومة للمراقبة الفعلية ترتكز على عمليات تفتيش منتظمة”، مع إنشاء “بنيات تخزين تابعة للدولة تضمن حصة مهمة من المخزون” لضمان قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الأزمات.