story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

أين شاهدتم المباراة النهائية لكاس العالم؟

ص ص

الاستمتاع بمشاهدة مباريات المونديال وإشباع شغف الملايين بكرة القدم يطرح، في أحد جوانبه، مدى توفير السلطة لأفضل خدمة عمومية ممكنة، ومن ضمنها إيجاد قناة تلفزية مريحة شكلا ومضمونا لمتابعة هذه المباريات ومنها المباراة النهائية. في المغرب، ليس هناك نقاش حول السياسات العمومية المتعلقة بالتلفزة، إلا بشكل نادر وعرضي، يتم بالأساس خلال مناقشة ميزانية الدولة السنوية، رغم أن الأمر يتعلق بتدبير المال العام وبتطبيق القانون ودفاتر التحملات ذات الصلة. في فرنسا، وحسب مصادر موثوقة، استطاع المواطن أن يتابع مباراتين لكأس العالم كل يوم على قناة M6 الأرضية وبشكل مجاني. ونفس الوضع عاشته إسبانيا حيث تابع المواطنون بعض مباريات كأس العالم على القناة الأرضية العمومية TVE يوميا، بشكل مجاني، وبدون تأدية درهم واحد.

في المقابل، لم تقدم التلفزة العمومية في المغرب، بالمجان، سوى مباريات المنتخب الوطني، كما أنها لم تقدم المباراة النهائية. ولهذا كان على المواطن المغربي من اجل مشاهدة باقي مباريات المونديال أن يؤدي الثمن من جيبه بشكل يومي، مع العلم بأن القدرة الشرائية للمواطن الإسباني والفرنسي تفوق بكثير القدرة الشرائية عندنا.

من اجل إشباع هذا الشغف الكروي المتعاظم، كان على المغربي إما أن يشترك في قنوات مؤدى عنها (مثلا حوالي 1000 درهم عن اشتراك لمدة 3 أشهر في قناة “بي إن سبورت” القطرية)، أو أن يذهب إلى المقهى ليؤدي حوالي 20 درهم لمشاهدة مباراة واحدة فقط. لكن نقل المباريات في المقاهي يطرح، في حال عدم الترخيص إشكالات قانونية وقضائية لأنه يدخل في باب القرصنة والمس بحقوق التأليف. وهناك عدة قضايا معروضة في هذا الشأن على القضاء المغربي ترفعها قناة “بي إن سبورت”، باستمرار ضد المقاهي وضد شركات الاتصال لمنع المواقع المقرصنة، وكذا ضد بعض الجماعات الترابية، وآخرها دعوى قضائية مثيرة تم رفعها ضد جماعة أكادير بسبب بث مباريات المونديال في ساحات عمومية.

هذه الدعاوى القضائية تجعل المواطن المغربي يعيش في الواقع في وضعية سريالية عجيبة. بحيث يكون مهددا في أي وقت بقطع البث على المباراة التي يشاهدها في المقهى في حال دخول لجنة تفتيش مفاجئة تابعة لمكتب حقوق التأليف. وبالتالي، قد يكون مضطرا إلى الخروج من المقهى خالي الوفاض، مجبرا على أن يجمع جميع حاجياته، وهاتفه النقال، بل وان يضيع في كأس العصير الذي طلبه، وفي 20 درهما التي أداها لصاحب المقهى.

القرصنة تبقى مع ذلك هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للمواطن البسيط ليشاهد “معبودة الجماهير”. وقد تطورت طرق وأدوات تقنية عديدة ومعقدة لمتابعة المباريات على قناة “يوتوب”، وعلى غوغل… وغيرها (بالنظر إلى نسبة الأمية كم هو عدد المغاربة الذين يعرفون هذه التقنيات؟). إلا أن هذه المتابعات تكون غير مريحة، ومتقطعة ولها بعض السلبيات، حسب ما يشرحه عدد من التقنيين الذين صاروا علماء كبار عليهم طلب كبير ومتزايد. فالمشاهد الذي يشاهد المباراة على “يوتوب”، مثلا، سيتابع تسجيل الهدف بشكل متأخر بحوالي دقيقة أو دقيقتين مقارنة مع المشاهد الذي لديه اشتراك قانوني على قناة “بي إن سبورت”. والسبب هو أن عملية القرصنة ينتج عنها تأخير في بث الصوة والصوت، وفي وصولهما إلى المشاهد.

إن نقل مباريات كرة القدم في التلفزة الوطنية يقع في قلب وضع وتقييم السياسات العمومية كما هو منصوص عليه في الدستور. فالأمر يتعلق بمعرفة مدى نجاح السلطة في تقديم أحسن خدمة ممكنة عبر التلفزة من خلال توفير الأخبار والترفيه والتثقيف. يُفترض أن هذه الأرقام والمعطيات التي أشرنا اليها متوفرة لدى الأحزاب، وقد تساعدها على تقديم مقترحات وبرامج سياسية خاصة تترافع عنها في أفق الانتخابات البرلمانية المقبلة، لكن الأحزاب نادرا ما تتكلم في مثل هذه المواضيع وتفضل أن تتعايش مع الرقابة التلفزية وتساهم في تعزيزها. في التقرير الأخير (العام 2026) لمؤسسة رويترز حول الإعلام الرقمي توجد بيانات هامة ودقيقة حول وضعية الصحافة ونسب المشاهدة في المغرب، إلا أنها أرقام تحتاج إلى تدقيق وتفصيل. ما هي أرقام متابعة القنوات الرياضية الوطنية التي تتوفر على كفاءات عالية مُهمشة؟ كم يكلف نقل المباريات في ميزانية الدولة؟ ولماذا لا يتم ربط سياسات تطوير البنيات التحية الرياضية بسياسات تقوية الاعلام الوطني؟ يمكننا أن نطرح أسئلة كثيرة في هذا الباب، لكن الجواب عليها لا يمكن أن يتبلور سوى عبر تفكير جماعي، وعبر فتح المجال أمام النقاش العمومي بعيدا عن الشعبوية ونظريات المؤامرة.