لماذا يصوت مغاربة إسبانيا المحافظون لأحزاب اليسار؟
كشف استطلاع حديث أن المواطنين المولودين في المغرب والحاصلين لاحقاً على الجنسية الإسبانية يمثلون الفئة الأكثر ميلاً إلى التصويت للأحزاب اليسارية مقارنة بباقي المجنسين في البلاد، وهو معطى يعيد طرح سؤال يتجدد مع كل استحقاق انتخابي: لماذا يفضل جزء كبير من مغاربة إسبانيا، بمن فيهم المحافظين، أحزاب اليسار؟
وبحسب نتائج الاستطلاع، الذي نشره مركز “أوبينا 360” الإسباني المتخصص في قياس الرأي العام، يتجه الإسبان المنحدرون من المغرب بشكل واضح نحو الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، بفارق يتجاوز 38 نقطة عن الأحزاب اليمينية، في وقت أظهر فيه مجنسون من جنسيات أخرى، مثل الفنزويليين، ميلاً معاكساً نحو اليمين.
ولا يبدو هذا الاختيار، وفق شهادات مغاربة يقيمون في إسبانيا، مرتبطاً بالانتماء الإيديولوجي بقدر ما يعكس تقديراً للسياسات التي تمس حياتهم اليومية، وعلى رأسها ملفات الهجرة والاندماج والحقوق الاجتماعية.
محافظون يفضلون اليسار
في هذا الصدد، يقول عبد العزيز، وهو مغربي مقيم في إسبانيا يشارك بانتظام في الانتخابات الوطنية والجهوية، إنه يصوت مع أفراد أسرته للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، معتبراً أنه “الأقرب إلى الدفاع عن الحريات، ودعم المهاجرين، والتضامن مع القضية الفلسطينية”.
ويضيف، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن اختياره يرتبط أساساً بما يراه سياسات تخدم المهاجرين على المدى القريب والمتوسط، من قبيل تسهيل إجراءات تسوية الوضعية القانونية، والاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي وتعويضات البطالة، فضلاً عن تبني خطاب أكثر انفتاحاً تجاه الأجانب مقارنة بأحزاب اليمين.
لكنه في المقابل يقر بأن هذا الخيار لا يخلو من تحفظات، إذ يعتبر أن مواقف الحزب الاشتراكي من قضايا مثل التحول الجنسي والمثليين والإجهاض “لا تنسجم مع القيم المحافظة التي يتبناها كثير من المغاربة المقيمين في إسبانيا”.
ويشير عبد العزيز إلى أن بعض الأحزاب اليمينية تتقاطع مع المغاربة المحافظين في قضايا الأسرة، غير أن خطابها المناهض للهجرة وشعاراتها المتطرفة من قبل “إسبانيا للإسبان” تجعل التصويت لها خياراً صعباً بالنسبة إليه.
ويخلص إلى أن كثيراً من المغاربة يجدون أنفسهم أمام مفاضلة بين أحزاب تدافع عن حقوقهم كمهاجرين، وأخرى تتقاطع معهم في بعض القيم الاجتماعية، لكنها تتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه الهجرة والأجانب.
الخوف من اليمين
من جانبها، ترى أميمة، وهي طالبة مغربية تتابع دراستها في إسبانيا، أن تصويت عدد كبير من المغاربة للأحزاب اليسارية يرتبط أساساً بمواقفها من الهجرة وحقوق المهاجرين، أكثر من ارتباطه بالاعتبارات الإيديولوجية.
وتجعل الأحزاب اليمينية، وخصوصاً حزب “فوكس”، من ملف الهجرة محوراً رئيسياً في خطابها الانتخابي، من خلال الدعوة إلى تشديد الإجراءات ضد المهاجرين، وهو ما يدفع كثيراً من المغاربة إلى الابتعاد عنها. تقول أميمة إن هذه الأحزاب “تركز في حملاتها على الحديث عن المهاجرين أكثر من حديثها عن قضايا أخرى مثل الصحة والتعليم”.
الخطاب الذي تتبناه الأحزاب اليمينية، وما يصاحبه عادة من تداول أخبار مضللة بشأن الجالية المغربية وربطها بالجريمة، يساهم بحسب المتحدثة ذاتها في تغذية مشاعر العداء والعنصرية تجاه المغاربة، وهو ما يعزز، في نظرها، توجه شريحة من أبناء الجالية نحو التصويت للأحزاب اليسارية التي تقدم نفسها كمدافع عن حقوق المهاجرين.
وتستدرك أميمة بأن هذا الانطباع يبقى مستنداً إلى محيطها الاجتماعي، مؤكدة أنها “لا تستطيع الجزم بأن جميع أفراد الجالية المغربية يتبنون الدوافع نفسها في اختياراتهم الانتخابية”.
المهاجرون… كتلة انتخابية
ومع الانطباعات التي يعبر عنها الأفراد من الجالية المغربية، يرى مراقبون أن هذا التوجه الانتخابي لا يرتبط فقط بالمواقف الآنية من قضايا الهجرة، بل هو نتاج مسار طويل من الاندماج الاجتماعي والسياسي، وطبيعة العلاقة التي نسجتها الأحزاب الإسبانية مع المهاجرين خلال العقود الأخيرة.
ويقتضي تفسير هذا الميل الانتخابي، بحسب صلاح الدين المعيزي، الكاتب العام للشبكة المغربية لصحافيي الهجرة، النظر إلى خصوصية الهجرة المغربية في إسبانيا، التي تختلف عن نظيرتها في دول مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا.
ويوضح المعيزي أن الهجرة المغربية إلى إسبانيا تعد هجرة حديثة نسبياً، إذ تعود موجاتها الأساسية إلى أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، على غرار الهجرة المغربية إلى إيطاليا، مضيفاً أن استقرار الجيلين الأول والثاني من المهاجرين جعلهم أقرب، بشكل طبيعي، إلى الأحزاب اليسارية التي تتبنى، في السياق الإسباني، خطاباً أكثر دفاعاً عن حقوق المهاجرين وحقوق الإنسان.
ويشير المعيزي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إلى أن المشهد الحزبي الإسباني يختلف عن نظيره في فرنسا أو بلجيكا، “إذ لا يلاحظ حضور لافت للمغاربة أو المغاربيين داخل مختلف الأحزاب السياسية”، معتبراً أن الأحزاب الإسبانية، باستثناء اليسار، لا تبذل جهداً كبيراً لاستقطاب المهاجرين إلى صفوفها.
وتنظر أحزاب اليسار إلى المهاجرين باعتبارهم كتلة انتخابية مهمة، بينما يرى المهاجرون فيها الطرف السياسي “الأكثر استعداداً للدفاع عن حقوقهم”. ويستشهد المتحدث هنا بعملية التسوية الأخيرة التي أعلنتها الحكومة الإسبانية، والتي ينتظر أن يستفيد منها آلاف المهاجرين، يشكل المغاربة ثاني أكبر المستفيدين منها بعد القادمين من أمريكا اللاتينية.
ويرى أن مثل هذه الإجراءات تعزز شعبية الحزب الاشتراكي ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز لدى المهاجرين، رغم تراجع شعبيته داخل إسبانيا بسبب ملفات سياسية وقضايا فساد تطال عدداً من أعضاء حزبه، مبرزاً أن صورة سانشيز لدى فئات واسعة من المهاجرين ما تزال مرتبطة بسياسات يعتبرونها أكثر دعماً لقضايا الهجرة والاندماج.
وتعكس نتائج الاستطلاع هذا التقاطع بين الاعتبارات الاجتماعية والسياسية، إذ أظهرت أن المجنسين المنحدرين من إفريقيا يشكلون الفئة الأكثر دعماً لليسار بنسبة 51.9 في المائة، مقابل 15.7 في المائة فقط لليمين، بينما بلغت نوايا التصويت لأحزاب اليسار وسط المجنسين عموماً 35.1 في المائة، مقابل 28.9 في المائة لأحزاب اليمين، مع بقاء نحو 22.9 في المائة من المجنسين دون قرار انتخابي محسوم.
كما أبرز الاستطلاع أن الوزن الانتخابي للمجنسين يواصل الارتفاع، بعدما انتقل من 5.3 في المائة من الهيئة الناخبة سنة 2015 إلى أكثر من 7.2 في المائة في الانتخابات الأخيرة، بما يفوق مليونين و544 ألف ناخب، وهو ما يجعل أصواتهم، وفي مقدمتهم المغاربة، أكثر تأثيراً في رسم موازين القوى السياسية داخل إسبانيا.