أرا فرنسا!
ونحن نستعدّ اليوم لمواجهة فرنسا في ربع نهائي كأس العالم، لا نحتاج إلى كثير ضجيج، ولا إلى جرعات إضافية من الحماس، ولا إلى خطاب يرفع سقف الثقة حتى تتحول إلى عمى. نحتاج فقط إلى أن نتذكر ما فعله هذا المنتخب منذ بداية البطولة، وكيف وصل إلى هنا.
نحن نثق في محمد وهبي وعناصره. ليس ذلك النوع من الثقة الذي تصنعه العاطفة الهوجاء، ولا تلك التي تتغذى من الرغبة وتغلق عينيها عن الوقائع. نثق فيهم لأنهم أقنعونا، وأقنعوا العالم، بأنهم قد لا يكونون الأقوى دائما، لكنهم يعرفون كيف يدبّرون إمكاناتهم، وكيف يضبطون انفعالاتهم، وكيف يصنعون من المجموعة شخصية تسمو فوق شخصيات الأفراد، وتسمو، بالتالي، فوق قدرات الخصم وقوته، كيفما كان اسمه.
هذه ليست ثقة في لاعب واحد، ولا في لحظة عبقرية، ولا في ركلة ثابتة، ولا في معجزة مؤجلة. هي ثقة في فريق لا يستهلك نفسه في الاستعراض، ولا يبدّد طاقته في مطاردة الصورة، بل يشتغل على التفاصيل، ويعرف أن المباراة لا تُلعب كلها بالإيقاع نفسه، ولا تُربح كلها بالطريقة نفسها.
نثق في وهبي وأبطاله لأنهم كرّسوا ما بدأه وليد الركراكي ومجموعته قبل أربع سنوات. كرّسوا إعادة بناء ثقة الإنسان المغربي في نفسه، وتخليصه من عقدة الخوف من الآخر، ومن ذلك الشعور القديم بأن المنتخبات الكبرى تدخل المباراة وهي تملك نصف الانتصار قبل صافرة البداية.
ستكون مباراة رياضية، بلا شك. تحتمل الفوز كما تحتمل الهزيمة. وسنقبل، في النهاية، بما يسفر عنه النزال، وإن كنا الآن لا نفكر إلا في الفوز. لكن أحدا لا يستطيع أن ينزع عنها طعمها الخاص. فهي ليست مباراة عادية، لا في الذاكرة، ولا في التاريخ، ولا في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا في طبيعة العلاقة التي جمعت المغرب بفرنسا، وما زالت تجمعه بها إلى اليوم.
سنكون أمام مستعمرنا السابق، برموزه الوطنية، وعلمه، ونشيده، وربما بسياسييه أيضا. وسنكون نحن حاضرين بكل ما نحمله من تاريخ معه بجنودنا الذين قاتلوا من أجل فرنسا، ومقاومينا الذين قاتلوها وقتلتهم، وأجيال صنعتها المدرسة الفرنسية، وأجيال أخرى قاومت أثرها، وبلاد خرجت من الاستعمار ولم تخرج تماما من هيمنته.
ستحضر ذاكرتنا بغثّها وسمينها. ستحضر غنيمتنا التاريخية من دوري الاستعمار العالمي: اللغة الفرنسية. اللغة التي استعملها الآخر، دون شك، أداة للهيمنة، لكنها كانت أيضا نافذة لنا على العالم، وعلى ثقافة وحضارة متقدمتين، وعلى فضاء كان يسبقنا بأشواط أصلية وأخرى إضافية.
سنلعب ضد فرنسا، لكننا سنلعب أيضا داخل جزء من أنفسنا. ستكون المباراة أشبه بديربي، دون أن نكون جيرانا. لأننا أكثر من جيران. بيننا تاريخ أكبر من الجغرافيا، وامتداد أعمق من المسافة، وتشابك لا تختصره خرائط البحر المتوسط ولا رحلات الطيران بين الرباط وباريس.
سنرى في نزالات حكيمي وبوعدي مع خصومهم الفرنسيين أكثر من صراع على الكرة. سنرى، رغم السياق الرياضي وقواعده الأخلاقية، انعكاسا لكل الحروب الصغيرة والكبيرة التي خاضها لاعبونا ومواطنونا مع فرنسا، في الملاعب، والمحاكم، والإعلام، والإدارات، والمطارات، ومكاتب التأشيرات.
وستعيد لنا تدخلات بونو شيئا من ذاكرة مقاومة أجدادنا. سيقف أمام المرمى كما وقف مغاربة كثيرون أمام قوة كانت تبدو أكبر منهم، لكنهم عرفوا كيف يصمدون. وسيبدو كل تصدّ منه كأنه رفض آخر لفكرة أن الأقوى يمرّ دائما.
وسنرى، مع كل لقطة يظهر فيها ديدييه ديشون، صورة أخرى لفرنسا التي لا تكتفي بأن تلعب ضدنا في الملعب، بل حضرت طويلا في مدارسنا، وجامعاتنا، وإدارتنا، واقتصادنا، وثقافتنا، ونجحت في تحقيق انقلاب أبيض على جزء من منظومتنا التعليمية، حتى عادت لغة موليير، تحت عناوين مختلفة، إلى احتلال مساحة كان يفترض أن يحسمها القانون والإرادة الوطنية.
سنتفرج بكل روح رياضية، دون شك. لكننا سنتذكر كيف عذبت فرنسا آلاف المغاربة، قبل أعوام قليلة، بقيود التأشيرة، وحولت حقا عاديا في التنقل إلى أداة ضغط سياسي وإذلال إداري.
وسنتذكر كيف تنكرت طويلا لتاريخ ساهمت هي نفسها في صناعته، وكيف أورثتنا قضية الصحراء بحدودها الملتبسة وخرائطها المسمومة، ثم احتاجت إلى حرارة قادمة من وراء الأطلسي حتى تراجع حساباتها وتقترب من الاعتراف بما كان ينبغي أن يكون واضحا منذ البداية.
سنتذكر أيضا صفقات السلاح والنقل والبنية التحتية، وكيف ظلت العلاقة الاقتصادية بين البلدين تُبنى، في أحيان كثيرة، على ميزان يميل أكثر إلى باريس. سنتذكر الرافال، والتيجيفي، وكل تلك الصفقات التي كانت فيها السياسة تختلط بالتجارة، والسيادة بالتبعية، والمصلحة الوطنية بمصالح شبكات عابرة للحدود.
وسنتذكر تحرش السلطات الفرنسية بمسؤول أمني مغربي رفيع وهو داخل بيت سفير بلادنا في باريس، في واقعة لم تكن مجرد خطأ دبلوماسي، بل إهانة محسوبة لدولة تعرف فرنسا جيدا حجم حساسيتها تجاه رموزها السيادية.
وسنتذكر الأراضي التي اقتطعتها الإدارة الاستعمارية من المجال المغربي وضمّتها إلى الجزائر، حين كانت تتعامل مع هذه الأخيرة باعتبارها امتدادا فرنسيا خالدا، قبل أن يترك لنا التاريخ حدوده الملغومة، ويمضي.
وسنتذكر، ونحن نشاهد المباراة، نصف نهائي قطر. سنتذكر أن المغرب لم يخرج يومها منكسرا، بل خرج وهو يشعر بأن شيئا ما لم يكن عادلا، وأن المباراة لم تمنحه كل ما استحقه. قد نختلف في تقدير التفاصيل، لكن الذاكرة الشعبية احتفظت بذلك الإحساس، وستحمله معها إلى مباراة اليوم.
غير أن هذه ليست مباراة ثأر.
الثأر فكرة صغيرة، وهذا المنتخب أكبر منها.
نحن لا نريد أن يفوز المغرب لأن فرنسا استعمرتنا، ولا لأن باريس ضيقت علينا التأشيرات، ولا لأن خلافات السياسة والاقتصاد تحتاج إلى تسوية داخل الملعب.
نريد أن يفوز المغرب لأنه يستحق، ولأن لاعبيه قادرون.
لن يدخل وهبي المباراة بخطاب التاريخ، بل بخطة. ولن يدخل اللاعبون وهم يحملون ملفات التأشيرة وصفقات السلاح وخرائط الاستعمار. سيدخلون وهم يحملون قمصان المغرب، وهذا يكفينا.
لكننا نحن، الجالسون أمام الشاشات، سنحمل كل ذلك معنا. سنشاهد المباراة بأعين رياضية، وذاكرة سياسية، وقلب مغربي لا يفصل بسهولة بين الكرة وما حولها.
نثق في هذا المنتخب لأنه لا يلعب تحت الضغط، بل يحوله إلى طاقة. لا نراه ينهار أمام الأسماء، ولا يبالغ في احترام الخصم حتى يفقد احترامه لنفسه.
فرنسا قوية. هذه حقيقة لا تحتاج إلى جدال. تملك لاعبين كبارا، وتجربة عميقة، ومدربا خبر المواعيد الثقيلة. لكنها ليست قدرا. وليست فوق الكرة. وليست أكبر من أن تُهزم.
نريد من أسود الأطلس أن يلعبوا كما عرفناهم: بهدوء، وانضباط، وثقة، وبروح المجموعة التي ترفع الجميع فوق حدودهم الفردية. لا نريد بطلا واحدا. نريد الفريق كله بطلا.
لا نريد أن نحمّل حكيمي وحده ثقل الذاكرة، ولا بونو وحده ثقل الأمل، ولا وهبي وحده ثقل القرار. نريد أن تتوزع المسؤولية كما توزعت القوة داخل هذا المنتخب منذ البداية.
سنحتفي بهم كيفما كانت النتيجة، لأنهم يقاتلون بشرف، ولأنهم أعادوا إلى المغربي شيئا أعمق من فرحة عابرة. أعادوا إليه الشعور بأنه قادر على الوقوف أمام الأقوى دون أن ينكمش، وعلى التطلع إلى الفوز دون أن يعتذر عن طموحه.
لكننا، الآن، لا نفكر في الهزيمة. بل نفكر في مباراة يمكن أن يفوز بها المغرب. ونفكر في ليل طويل قد ينتهي بفرح جديد. ونفكر في منتخب يعرف كيف يكتب تاريخه دون أن يظل أسيرا لتاريخ الآخرين.
سنشاهد بكل روح رياضية، نعم. وسنقبل بكل ما تقوله الكرة، هذا صحيح. لكننا سندخل المباراة بثقة كاملة في وهبي وأبطاله.
هولندا ومشات.. كندا ومشات.. أرا فرنسا!