story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

“بوجلود”.. من طقس ترفيهي قديم إلى كرنفال شعبي يثير الجدل

ص ص

يثير طقس “بوجلود” أو “بيلماون” مع كل عيد أضحى نقاشاً متجدداً بين المغاربة، بين من يعتبره جزءاً من التراث الثقافي الأمازيغي المتجذر في الذاكرة الجماعية، ومن ينظر إليه باعتباره ممارسة فقدت بعضاً من معانيها الأصلية بفعل التحولات التي طرأت عليها عبر الزمن.

فبينما تبرز أصوات منتقدة لطقس “بوجلود”، معتبرة إياه في بعض الأحيان “بدعة” أو محطة تشهد بعض الممارسات الدخيلة التي تخرج عن النص، تنبري أصوات أخرى للدفاع عن هذا الكرنفال الشعبي، مشددين على أنه ليس مجرد تنكر عابر، بل هو إرث لامادي يضرب بجذوره في عمق الهوية والتاريخ، ويحتاج إلى التقويم بدلاً من الطمس.

وينتظر الشباب في عدد من المناطق هذا الموعد بشغف كبير يضاهي فرحة العيد نفسها؛ حيث تبدأ طقوسهم منذ الساعات الأولى ليوم النحر بجمع الجلود وفرزها بعناية، ثم خياطتها لصنع أزياء تنكرية.

وأمام التحولات الكبيرة التي شهدها هذا الطقس وانتقاله إلى فضاءات جديدة، برزت الحاجة الماسة لتدخل الجمعيات الثقافية وفعاليات المجتمع المدني. وتهدف هذه التدخلات إلى حماية هذا الفلكلور من الانقراض، وتوعية ممارسيه، فضلاً عن التصدي لبعض السلوكيات الفردية التي يرى باحثون أنها قد تخدش جوهر “بوجلود” ورمزيته، لضمان استمرارية الفرجة.

ورغم الجدل الذي يرافقه، يظل “بيلماون” أو “بوجلود” من أبرز المظاهر الاحتفالية التي تميز مناطق واسعة من سوس ومناطق أخرى بالمغرب وشمال إفريقيا، حيث يخرج المشاركون مرتدين جلود الأضاحي وأقنعة وأزياء خاصة، في عروض فرجوية تجوب الأزقة والساحات بعد عيد الأضحى.

وفي هذا الصدد، يرى إبراهيم إشوي، الباحث في الثقافة الأمازيغية، أن تعدد التسميات المرتبطة بهذا الاحتفال، من قبيل “بيلماون” و”بو البطاين” و”بوجلود” و”إيزم نوكرتيل”، بحسب المناطق، “يظهر مدى انتشار الظاهرة أفقياً وعمودياً بالمغرب وبشمال إفريقيا”.

وتنتشر هذه التسمية بأشكالها المختلفة، غير أن مدلولها يرتبط في جوهره بارتداء جلود الأضاحي والأقنعة بعد عيد الأضحى. ويُعد هذا الطقس من أشهر المظاهر الفرجوية الأمازيغية التي ما تزال حاضرة بقوة في جهة سوس ماسة والأطلس الكبير الغربي، خاصة في مدن ومناطق مثل إنزكان والدشيرة وأكادير وإمنتانوت وغيرها.

وأوضح إشوي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن هذا الاحتفال “ليس مجرد شخص يرتدي جلود الأضاحي ويجوب الدواوير والمداشر أو الأزقة والشوارع بعد تغير نمط التعمير، بل هو فرجة شعبية جميلة تختزن قروناً من التاريخ والرموز والمعاني الأنثروبولوجية الغنية التي تزخر بها الثقافة الأمازيغية”.

ويعد القناع والجلد والتنكر عناصر حاضرة في العديد من الثقافات الإنسانية عبر العالم، وهو ما يلاحظ، بحسب المتحدث، في أكبر الكرنفالات بأمريكا وأوروبا، مشيراً إلى أن هذه العناصر شكلت عبر التاريخ وسيلة للتعبير الجماعي وإعادة تمثيل العلاقة بين الإنسان والطبيعة والمجتمع.

وأكد الباحث على أن أهمية هذا الاحتفال تكمن في كونه “مسرحاً شعبياً عريقاً وقديماً تشكل قبل ظهور المسرح أو الحديث عن التمثيل والتشخيص”، مضيفاً أنه احتفال جماعي مفتوح يشارك فيه الجميع، “حيث تختلط السخرية بالنقد والاحتفال بالإبداع، بحسب ما تنتجه هذه الأرض، فيتحول الفضاء العمومي إلى مجال للتواصل والتنفيس وإنتاج المعنى بوسائل تعبيرية متعددة”.

ومن منظور أنثروبولوجي، يرى إشوي أن “بيلماون يمثل ذاكرة حية تختزن طبقات متعددة من التاريخ الاجتماعي والثقافي للأمازيغ منذ القدم، وتكشف عن قدرة هذا الشعب على الحفاظ على موروثه الرمزي وإعادة تأويله بما ينسجم مع التحولات التي فرضتها العولمة والتكنولوجيا”.

واعتبر أن النظر إلى هذا الاحتفال باعتباره “مجرد ممارسة سطحية أو بدعة هو جهل أو تجاهل لثرائه وعمقه الحضاري، وللقيمة الرمزية والعلمية التي جعلته موضوعاً لعشرات الدراسات والأبحاث في مختلف المناطق”.

وشدد الباحث على أن “بيلماون تراث فرجوي وإنساني يعبر عن عبقرية الثقافة الشعبية وبداهة العقل الأمازيغي في تحويل الحياة اليومية إلى إبداع جماعي، وإلى صناعة ثقافية فرجوية تجسد حق المجتمع في صون وحماية كل أشكال تعبيره الثقافي التي تشكل جزءاً هاماً من هويته وذاكرته الجماعية”.

وفي السنوات الأخيرة، شهد هذا الموروث اهتماماً متزايداً من قبل الفاعلين الثقافيين والمؤسسات المحلية، حيث أطلقت مدينة أكادير منذ سنة 2023 كرنفالاً دولياً مستوحى من تقاليد “بيلماون”، في محاولة لإعادة الاعتبار لهذا التراث اللامادي والتعريف به بوصفه أحد أشكال التعبير الثقافي الشعبي بالمغرب.

وتشير معطيات تاريخية وأنثروبولوجية إلى أن “بيلماون” كان في الأصل ممارسة ذات طابع شعائري ورمزي ارتبطت بمعتقدات وطقوس قديمة، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى احتفال شعبي قائم على التنكر والفرجة الجماعية. وبات يمثل لدى كثير من المشاركين فرصة للتعبير الفني والاحتفالي والتحرر المؤقت من القيود الاجتماعية من خلال السخرية والمحاكاة والأداء الجماعي في الفضاء العمومي.

وعادة ما تنطلق احتفالات “بوجلود” في اليوم الثاني من عيد الأضحى، حيث يرتدي المشاركون جلود الأغنام والماعز ويضعون الأقنعة ويجوبون الأزقة والشوارع والساحات العمومية والقرى في مطاردات ترفيهية، قبل أن تتحول إلى مواكب فرجوية. كما يحمل بعضهم قوائم الأضاحي ويقومون بمطاردة المارة أو توجيه ضربات خفيفة لهم على سبيل المزاح، في أجواء يغلب عليها الطابع الاحتفالي والمرح.