حكّام وأعوان
بأقلّ قدرٍ ممكن من الأوهام، لا يصوِّت أغلبُ المغاربة، إلا قليلاً، للبرنامج السياسي، ولاحِقِه البرنامج الانتخابي، دون أن يعني ذلك نفيَ أهميةِ العرض السياسي في أي بلد يدّعي أنه يُؤسِّس للديمقراطية، لإظهار الخيارات المتاحة أمام المجتمع، وحدود التلاقي والتنافر المطلوبةِ بين مكونات المشهد السياسي.
أتابعُ تحركات ومحاولات تموضعٍ، وأبحث عن العرض السياسي في كل الجاري، فلا أكاد أَلْوي على شيء. تتراكم الموضوعات التي تحتاج نقاشا سياسيا، من قضية الصحراء إلى التعليم ونماذج التنمية، لكن قَلّ أن ينفذَ النقاش إلى العمق، إلا استهلاكا للعموميات، والمكايدة التي تبقى مقبولةً سياسياً إن كانت مشفوعة باصطفافاتٍ واضحة، تُعبّر عن مشاريع تتنافس، حيث تُعرض دفاعات من يدبِّر الشأن الحكومي عن إنجازاته، في مقابل اعتراضات من يعارض، لتقديم بديلٍ أمام الناخبين.
حالة هُزالٍ واضحة تبدو على الجسم الحزبي، الذي أُخضع لعملية تخسيسٍ شديدة، تكاد تودي بحياته. تتجول بنظرك في الصورة، فتتبدّى خيالات شخصيات حزبية بصوتٍ مبحوح غير قادرةٍ على إسماع المواطنين، وتتحرّك بين صفوف الأحزاب فتشعر بانمحاء خطوط يُفترض أنها فاصلة بين المشاريع المجتمعية، فلا اليمين يميناً، ولا اليسار يساراً، ولا الوسط وسطاً.
غيابُ العرض السياسي خطرٌ يتهدّد المجتمع والدولة، مادامت أهميتُه تتجاوز التعبير عن نفسه في السياقات الانتخابية، إلى ترجمة أصوات المجتمع وتنظيمها في تعبيرات سياسية تستوعب المتقاربين ضمن مشروع واحد، للتنافس السلمي مع غيرهم من المختلفين بشأن ما يجب أن تكون الأمور، بغرض انتزاع دعمِ الأغلبية عبر صناديق الاقتراع، لتجسيد الإرادة الشعبية المعبّر عنها لحظة الانتخاب في برامج الحُكم.
غياب كل هذا ضربٌ لجوهر الديمقراطية، التي تصيرُ بلا معنى في غياب عروضٍ سياسية.
والقصدُ هنا أنَّ من منافِذ طعنِ الديمقراطية ومصادرتها، بالإضافة إلى الاستهداف المباشر لحقّ الناس في الاختيار عبر قمع الآراء، منعُ حقّ تجسيد الاختيارات في عروض سياسية، وعرقلة تطوّرها الطبيعي على شكل ممارسة حزبية، تعبِّر عن نفسها أكثر خلال اللحظة الانتخابية.
بمعنى، أن النظام السياسي والحاكمين الفعليين قد يسمحون بوجود تعددية حزبية، لكنّهم يمنعون نشوء تعدّدية سياسية، عبر تعطيل كل أسباب نمو الحزبية، بجعلها تتآكل بتأثيرات خارجية وداخلية، تُضعِف قدرتها على تقديم عرضٍ سياسي. وبهذا، قد يكون الإضرار بالحزبية نفسها أسلوبَ حُكم أقلّ كُلفةً لتحقيق نفس أغراض السلطوية، وقد تُشارك الحزبية نفسها في تدمير ذاتها.
ولربما هذا ما يُوصف بـ”ديمقراطية الواجهة”، التي تُقيم صورةَ تعددية حزبية، وهياكل ومؤسسات، ولحظات اقتراع شعبي، لكنّها تُفرِغ كل ذلك بممارسات تُناقِضُ المنزَعَ الديمقراطي، من قبيل ضرب “العدالة الانتخابية”، عبر تدخُّل السلطة مثلاً لدعم طرف على حساب آخرين، أو بتعريض الحزبية، العمود الفقري للنظام الديمقراطية، للضعف أو الفناء، من خلال سرقة لحظة الانتخابات وجعلها طريقاً نحو المنافع الخاصة لا المنفعة العامة، والتمكين لمركبات المصالح، ضمن مصادرةٍ ممنهجة ( ترعاها السلطةُ ويستفيد منها الفاسدون) لحقّ المواطنين في التعبير الجماعي عن أنفسهم خلال دورات الاقتراع.
5 أشهر تفصلُ المغاربة عن لحظة الاقتراع. بدأت التحضيرات الحزبية، و”المفاوضات” الداخلية لاختيار المترشحين. وخلال الحملات الانتخابية ستتكشّف البرامج، وسنقف على حقيقة أن العرض المقدَّم للمواطنين بلا مضمون سياسي، وأنه تصفيفٌ لوعود مشغولة أكثر بـ”التسويق” الانتخابي، الذي يُراهن على الأشخاص والكائنات والكيانات الانتخابية المحلية، وحُظْوةٍ لدى السلطة، للفوز بالمقاعد، لنجد أنفسنا أمام برلمان ومؤسسات تمثيل تحمل فوق ظهرها جبالاً من الاتهامات بالفساد الانتخابي، وأكواما من ملفات المحاكمات الجنائية، و”أُميّة سياسية” مُتفشيّة مقصودة لذاتها، تُسهِّل عملية تأمين الحزام السياسي للأغلبية الحكومية، التي يجري توظيفها لتمرير مشاريع القوانين، في زمن عدم الحاجة للنقاش السياسي. وقد بدا واضحاً هذا الأمر أكثر في الولاية البرلمانية الحالية، وهناك احتمالٌ كبير أن يستنسخ نفسه في البرلمان المقبل.
وهذا الأمر ناشئٌ عن عطبٍ آخر، يرتبط بالمضمون السياسي للانتخابات نفسها. فالسؤال الأكثر جدوى الآن هو: على ماذا يتنافس كل هؤلاء الآن؟. يبدو سؤالا مُكرّرا عن محطات انتخابية سابقة، لكنه لم يفقد معناه، مادامت لم تبرز الإجابة الصواب عنه، ومادام الوضعُ الذي استدعاه قائماً.
الذي أريدُ قوله من كل هذا، مع احتراسٍ شديد لعدم الوقوع في التسطيح، هو أنه، وفي كل مرة، تطرحُ الدولة مشروعها الذي لا يخضع للتصويت الشعبي والرقابة المؤسساتية، فيما تتنافس “مشاريع” الأحزاب في الانتخابات، وبعد إعلان نتائج الاقتراع تصير البرامج الانتخابية بلا قيمة، فيجري “التفاوض” الحزبي/ السياسي لبناء تحالفات لتأمين الأغلبية البرلمانية، فإقامة برنامج حكومي تنال الحكومة بموجبه ثقة البرلمان، المُشكّل أيضاً بمعرفة السلطة، وفي مُختَتم العملية يصيرُ الوزراءُ، الذين يُفترض نظرياً أنهم نتاجُ عملية انتخابية، أعواناً في تنفيذ مشروع الدولة الذي لم يخضع للتصويت.
هذه من جملة ترتيبات و”توفيقات” تحاول إيجاد صيغة تعايش في النظام السياسي بين المعطى الثابت فيه الحائز على صلاحيات واسعة، ممثلا في المؤسسة الملكية ومُلحقاتها، وبين المتحوِّل والمتغيِّرين في هيكل الدولة الصاعدين عبر آليات الانتخاب الشعبي. لكن ما يُعمّق الإشكالات هو وجود اختلال في التوازن، واضح لجهتين على الأقل: أولهما ما يرتبط بقاعدة المحاسبة، بحيث تكون برامج الدولة غير خاضعة للرقابة الشعبية بأي شكلٍ، مادامت تستمد شرعيتها من المؤسسة الملكية التي تحوز وضعية الحَكَم لا الخاضع للتحكيم، والمُراقِب لا المرَاقَب. وثانياً، ما يرتبط بقاعدة المسؤولية ومعنى التناسب المتّصل بها، بحيث يتمتّع المسؤولون الحكوميون، الصاعدون عبر آلية الانتخابات والخاضعون للرقابة، بصلاحيات أقلّ، في مقابل تمتُّع المعيَّنين بصلاحيات أوسع وتحمُّلاً أقل للمسؤولية.
مع إعلان الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، الذي رُصد له غلاف مالي يناهز 210 ملايير درهم على مدى ثماني سنوات، تتكرّر هذه الإشكالات، التي ترتبط في جوهرها باستدامة هيمنة مركز السلطة وطنياً (حُكم/ حكومة)، وبالتمكين للمُعيّن على حساب المُنتخب محلياً.
قصارى القول
تحرير النقاش السياسي على ما يبدو ليس أولوية لدى الدولة الآن. يبدو أنها مشغولة بـ”الإنجاز” أكثر من انشغالها بـ”كيف ننجز؟”. هذه مسألة اختيارات تتحمّل عنها المسؤولية. لكن جعل “الخيار الديمقراطي” ضمن الثوابت يستجلب التزامات يجب الوفاء بها دون إبطاء، ولأن المجتمع، جرياً على القول المعروف، “لا يعيش بالخبز وحده”.
في اللحظة التي جلس فيها وزير الداخلية أمام الملك، لعرض الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، في 9 أبريل الجاري، كنّا بصدد عرض سياسي ينسجم مع رؤية الدولة للمرحلة المقبلة، يتعالى على اللحظة الانتخابية ويتجاوزها إلى “تعاقدات” مباشرة مع المجتمع. يعني ذلك أن الدولة، وبعد خراب مالطا/ الأحزاب، صارت تصوغ السياسيات التفصيلية، وتتولى تنفيذها، عبر وزارة الداخلية، التي كلمّا تعطّلت عجلة السياسة تكلّفت بـ”تدوير الآلة”.
لهذا، يحقّ تكرار السؤال: “ما الذي تبقى للأحزاب لتعرضه في الانتخابات المقبلة؟”.
ومرة أخرى، سينتخب المواطنون “أعوانا” لا “حكّاما”.