الأمننة الذاتية للجامعة والمدرسة
تثير بيانات جمعيات حقوقية، وتصريحات محامين وفاعلين حقوقيين بين الفينة والأخرى قضايا مرتبطة بما أطلق عليه “أمننة الفضاء العام”.
وتختلف مدلولات هذه العبارة، بين من يختزلها في اعتماد المقاربة الأمنية لحل ملفات تعرف توترات اجتماعية، وغالبا فإن أصحاب هذا الطرح لا يحملون المسؤولية حصر للمؤسسة الأمنية، بل يذهبون أحيانا انها تتحمل مسؤولية تداعيات قضايا معينة عجزت قطاعات حكومية عن حلها بالمفاوضات، والتدبير الأمثل، والتواصل القمين بتقليص مسببات التوتر، وبالتالي فإن تدخل أجهزة إنفاذ القانون يكون اضطراريا، لعجز بنيوي في القطاعات الحكومية.
فيما تذهب أصوات أخرى توصف بالراديكالية إلى أن هناك توجها إراديا لبسط نفوذ الأجهزة الأمنية على القطاعات الأخرى، ويستدلون غالبا بالأحكام الصادرة عن القضاء في ملفات ذات حساسية، والتي يكاد يكون الحك فيها بناء على محاضر الشرطة القضائية أو تقارير الفرقة الوطنية، أو بما تعرفه العديد من مباريات الوظيفة العمومية من إقصاء لمترشحين معروفين بانتماءاتهم لمنظمات سياسية معينة، أو بمساهماتهم في الاحتجاجات والحراكات الاجتماعية.
يظل هذا النقاش مفيدا، رغم ما يعتوره من نزوع نحو لغة حذرة وإيمائية في الغالب، نتيجة التراجع على مستوى احترام حرية الرأي والتعبير، ومن غياب المعطيات والمعلومات الدقيقة الكفيلة بترجيح زاوية معالجة على الأخرى، وبالتالي تكثر خطابات التأويل في مقابل خطابات التبرير، وخطابات التحذير في مقابل خطابات التحريض.
غير أن ما هو أخطر، هو أن تتحول “الأمننة” إلى بنية مهيمنة على عقل السلطة الإدارية غير المرتبطة من الناحية المؤسساتية بالجهاز الأمني.
ونقصد بذلك، حين يلجأ المسؤول الإداري أو البنية الإدارية في أي قطاع إلى تحقيق إجماعات قسرية، أو تصفية حسابات بالاستناد إلى تأويلات فجة لقوانين تسمح بذلك، فيتم إشهار سيف الطرد والتوقيف والمتابعات القضائية، لتسييد مناخات الترهيب، وتشييد تعبير سلطوي للهيبة، التي أصبحت مثل سيف ديموقليس الذي يتم إشهاره، كلما كانت الحجة واهنة.
ويزداد الأمر خطورة، حين تلتصق هذه الممارسات السلطوية في فضاءات التربية والتكوين والتعليم العالي، وبتواطؤ مفعولات الصمت والتبرير والحياد السلبي لمن كانوا بالأمس في مقدمة المدافعين عن الحريات النقابية والأكاديمية.
في القنيطرة، التجأت المؤسسة “الأكاديمية” في مواجهة طلبة طالبوا بتأجيل موعد الامتحانات إلى الحل السهل ولكن المكلف لصورة الجامعة، المتمثل في متابعة طلبة قضائيا (منهم من زج به في السجن، ومنهم من ينتظر).
إن تغليف مثل هذه القرارات بمخالفة الطلبة للقوانين، أو بالحفاظ على هيبة الجامعة، أو غيرها، لا يعدو ان يكون عجزا بنيويا عن تدبير الحياة الجامعية بعقلانية وذكاء، ذلك ان الاحتجاجات الطلابية لهذا السبب أو ذاك، حتى لو افترضنا انها مسيسة تجاوزا، هي جزء من الحياة الجامعية الواقعية، غير القابلة لإخضاعها لأي مقاربة أمنية، بل تجد أجوبتها في المقاربة السياسية، باعتبار السياسة هي القدرة على حل الاختلافات بطرق سلمية، وفي تحلي المسؤول بكفايات تواصلية وتدبيرية متعلقة بالقدرة على حل النزاعات، في إطار عام ينظر للجامعة باعتبار مختبرا لصراعات الأفكار والإيديولوجيات والمشاريع، سواء في مدرجات التدريس أو في مختبرات البحث العلمي، أو في ساحات الممارسات البين-طلابية احتجاجا أو نقاشا.
ومما يحز في النفس، انه حتى النقابة الوطنية للتعليم العالي التي كانت طرفا قويا في معركة تحصين الجامعة، والدفاع عن الحرية الأكاديمية، والمرافعة من أجل حرم جامعي مستقل عن أي تدخلات خارجية، سواء كانت بطلب من الإدارة (وهو النادر في أزمنة مضت) أو بتجاوز لها، قد تراجعت أدوارها على هذا الصعيد، عن لم أقل بأن بعض أعضاء مكاتبها في مؤسسات جامعية ساهموا في قرارات طرد وتوقيف طلبة بسبب أنشطتهم الاحتجاجية.
وفي التعليم المدرسي، لم ينته هذا الأسبوع، إلا والوزارة الوصية تقرر تحريك المتابعة في حق الأستاذ عبد الوهاب السحيمي، بسبب فيديوهات على قناته في “اليوتيوب” يناقش فيها قضايا التربية والتكوين، بمستوى من الفهم والتحليل الذي يشاركه فيه الكثير من المنتسبين لهذا القطاع.
المؤسف ان يتم استدعاء الأستاذ للمثول أمام الفرقة الوطنية ثم بعدها النيابة العامة، للتحقيق معه بسبب شكاية مباشرة من الوزارة الوصية، التي لم تجد ما ترد به على انتقادات الأستاذ الرصينة (أنعتها كذلك بحكم تخصصي) سوى اللجوء إلى الترهيب “القضائي” الذي لا تفسير له سوى الانتقام الذي قد يكون شخصيا وقد يكون سياسيا.
شخصيا مرتبطا بالانتقادات التي وجهها لمسؤولين نافذين في الوزارة، وخصوصا من المعمرين، الذين رافقوا كل مشاريع الفشل، ومع كل مشروع جديد يتحولون إلى انباء يبشرون بإصلاح أعطاب سابقة كانوا هم انفسهم يعتبرونها مفاتيح للإصلاح.
وعوض ان يتم إعمال مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” يتم استهداف الأصبع الذي كان يشير إلى حيث يوجد الداء محذرا.
وسياسيا، باعتبار أن انتقادات الأستاذ عبد الوهاب السحيمي انصبت إضافة إلى ما اعتبره أخطاء تدبيرية وتقنية وبيداغوجية، إلى المسؤولية السياسية لحزب رئيس الحكومة في المزيد من إغراق مركب المدرسة العمومية، من خلال تعيين وزير لا يفقه في قضايا التربية والتكوين وأزمات المنظومة، ومن خلال الإصرار على الانتقال القسري إلى مشاريع “الريادة” بميزانيات رغم انها غير مسبوقة في القطاع، إلا انها تظل قاصرة على تغطية تكاليف هذه المشاريع من الناحية التقنية واللوجيستية، وفي ظل تغييب مقصود للنقاش حول المرجعيات البيداغوجية لصالح تضخيم ممنهج في الأرقام المرتبطة بتحسن التعلمات، فضلا عن تحطيم أرقام قياسية في توقيف مسؤولين وتعيين آخرين في مدة زمنية قصيرة (تعيينات يشتم في بعضها تحيزات سياسية “زرقاء اللون)، وبمبررات غير مقنعة، مما جعل كثيرا من المسؤولين من أدنى المديرين التربويين صعودا إلى المديرين الإقليميين يسايرون هوى الوزارة في تضخيم نسب بلوغ الأهداف المطلوبة (غير الواضحة وغير العلمية) فقط اتقاء لمقصلة التوقيف.
إن متابعة لبعض مما يقع في قطاعي التعليم العالي والتعليم المدرسي العموميين، تكشف عن تمدد عقل سلطوي “أمنوي” ذاتي، بمعنى أن الأمر لا يرتبط ضرورة بأوامر من جهة ما، بل هي ثقافة أضحت بنيوية، وأحيانا قد يحركها دافع البحث عن رضى تلك الجهات الخارجية دون طلب منها.
والحق ان هذا العقل “الأمنوي” بدأ بالتمدد في قطاعات هي التي كانت في مقدمة المدافعين عن الحريات الأكاديمية وتلك المرتبطة بالرأي والتعبير (مهن العدالة والدفاع والتعليم والصحافة).
لقد أضحينا أمام مسؤولين في قطاعات عمومية حساسة اجتماعيا، وأمام أساتذة جامعيين، وأمام إعلاميين، وأمام حملة بذلة الدفاع السوداء النبيلة، مستعدون للتحول إلى آلة طحن في ماكينة التخويف والانتقام والتخوين دون أن يطلب منهم ذلك في أغلب الحالات