1953/1955 : من العمالة إلى الولادة السياسية للأمة
تُبيّن هذه الخريطة الجغرافيا السياسية للتعبئة التي انطلقت منذ مارس 1953 ضد السلطان محمد بن يوسف، كما تكشف في المقابل عن جيوب المقاومة التي أثارتها عملية عزله. فهي تُظهر أن العريضة المناهضة للسلطان حظيت بدعم واسع في معظم مناطق البلاد — الممثلة باللون البرتقالي —، إذ وقّعها عدد مهم من الباشوات والقياد منذ شهر مارس، فيما التحقوا بها آخرون في غشت 1953. أما الرفض، فقد تركز أساسًا في المدن الكبرى وفي بعض المناطق المتفرقة — الممثلة باللون الأزرق.

وأمام هذا المعطى، هناك سؤال يفرض نفسه: كيف انتقل المغاربة — بمن فيهم جزء من نخبهم، بل ومن المخزن نفسه — في ظل الحماية، من حالة خضوع وتعاون مع الإدارة الاستعمارية، إلى انتفاضة منحت الأمة المغربية ملامحها السياسية الأولى، من خلال بلورة وحدة وطنية حول شخصية السلطان محمد بن يوسف، وهي الحركة التي نخلّدها كل سنة تحت اسم «ثورة الملك والشعب» ؟
وإذا كانت لهذه الخريطة راهنية، فلأنها تذكّرنا بالدور الحاسم الذي تضطلع به النخب — سلبًا أو إيجابًا — في لحظات التحول التاريخي الكبرى. وبطبيعة الحال، هذا الدرس، الموثق على نطاق واسع، لا يخص المغرب وحده.
وللاستشهاد ببعض الأمثلة، فقد بيّن “مالك بنعبي” أنه لا وجود لاستعمار من دون مجتمع «قابل للاستعمار»، أي من دون أزمة أخلاقية سابقة تجعل الجماعة عرضة للهيمنة. وكان يقول: «لا نكف عن أن نكون مستعمَرين إلا حين نكف عن أن نكون قابلين للاستعمار؛ وتلك سنة لا تتبدل». أما الشهير “فرانز فانون”، فقد رأى أن النخب المستعمَرة تصبح شريكة في الهيمنة الاستعمارية حين لا تسعى إلى إسقاط النظام القائم، بل إلى الحلول محل المستعمرين داخل دواليب الإدارة و الأعمال ، وبذلك تُعيد إنتاج بنيات الاستغلال نفسها — وهي وضعية مألوفة لنا في المغرب. وفي زمن أقرب إلينا، بيّن المؤرخ “يوهان شابوتو”، خلافًا لأسطورة راسخة، أن صعود هتلر إلى السلطة لم يكن حادثًا عارضًا، بل نتيجة تواطؤ بين النخب. وأخيرا في القرن التاسع عشر في فرنسا، شدد “بنجامان كونستان” في كتاباته السياسية الشهيرة، على الدور المركزي للنخب فيما سماه «الاغتصاب المنتصر» الذي جسده نابليون.
ومن هذه الأمثلة تبرز خلاصة واضحة: إن كل مشروع هيمنة، لكي يستقر ويدوم، يحتاج إلى متعاونين أقوياء يستند إليهم. في المغرب، نعلم أن فرنسا استطاعت بسط سيطرتها على البلاد بالاعتماد على النخب المحلية — بوصفها أدوات للهيمنة الاستعمارية، ولكن أيضًا للهيمنة الاجتماعية، أي “كأوليغارشية” متعاملة بل متواطئة مع الاستعمار.
لنعود إلى مغرب اليوم، باستحضار مفارقة مقلقة التالية: بعد الاستقلال، وإلى غاية اعتلاء الملك محمد السادس العرش، كانت لدينا نخب سياسية بمختلف توجهاتها في المستوى اللحظة ، لكننا لم نكن نملك بعد مؤسسات مكتملة البناء. أما اليوم، وقد أصبحت لدينا مؤسسات منذ دستور 2011، فإن ما نشكو منه هو رداءة معظم النخب السياسية التي كان يُفترض بها أن تحييها وتمنحها المعنى.
وهذا الواقع، للأسف، يذكرنا بعقلية أولئك الذين تعاملوا بحماس مع نظام الحماية في الماضي، متذرعين بحجة “مصلحة المغرب” واستقراره لتبرير مسايرة الاحتلال.
علي بوعبيد 20 عشت 2026.