story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

نهاية حلم.. الكرة المغربية تخرج من مونديال 2026 بمزيج من الفخر وطعم المرارة

ص ص

دخل المغرب كأس العالم 2026 في وضع لم يسبق أن عرفه خلال مشاركاته السابقة. طوال عقود، كان مجرد بلوغ النهائيات يُستقبل باعتباره إنجازا وطنيا، وكان تجاوز الدور الأول يمثل السقف الأعلى للطموح. أما بعد المركز الرابع في مونديال قطر، فقد تغير معيار النجاح نفسه، وانتقل المنتخب من موقع الباحث عن الاعتراف إلى موقع المطالب بتأكيده.

لم يعد السؤال هو ما إذا كان المغرب قادرا على إحراج الكبار، بل ما إذا كان قادرا على البقاء بينهم. ولم يعد إنجاز 2022 يُقرأ بوصفه لحظة استثنائية مكتملة بذاتها، بل باعتباره نقطة بداية يجب تحويلها إلى مستوى ثابت. لذلك دخل منتخب النسخة الجديدة تحت ضغط مزدوج: ضغط الدفاع عن صورة اكتسبها، وضغط إثبات أن تلك الصورة لم تكن نتاج ظرف عابر أو مسار استثنائي في بطولة واحدة.

غيّر هذا التحول طريقة تعامل المنافسين معه. لم يعد المغرب يستفيد من عنصر المفاجأة، ولا من المساحات التي يمنحها عادة منتخب كبير لمنافس يراه أقل خطرا. صار الخصوم يدرسون تفاصيله، ويعدّلون خططهم على أساسها، فيراقبون طريقة الخروج بالكرة من الخلف، وصعود أشرف حكيمي، وتحركات لاعبي الوسط بين الخطوط، وقدرة إبراهيم دياز على الربط، وحضور ياسين بونو الذي يجعل الحسم ضد المغرب أكثر تعقيدا مما توحي به مجريات اللعب.

أصبحت بذلك كل مباراة اختبارا لصورة جديدة. لم يعد كافيا أن يدافع المنتخب جيدا، أو أن يقاوم خصما أقوى، أو أن يخطف نتيجة كبيرة. كان مطلوبا منه أن يفرض منطقه، وأن يدير المباراة حين يتقدم، وأن يجد حلولا حين يواجه كتلة منخفضة، وأن يحتفظ بتوازنه حين يُجبر على المبادرة.

جاء كل ذلك في لحظة انتقال داخل الإدارة التقنية. تولى محمد وهبي المهمة قبل أشهر قليلة من البطولة، بعد تعثر قاري أعاد فتح النقاش حول اختيارات المنتخب وحدود نموذجه السابق. لم يكن أمامه متسع زمني لبناء فريق جديد بالكامل، فاختار الحفاظ على العمود الفقري الذي راكم خبرة مونديال قطر، مع إدخال عناصر أصغر سنا قادرة على إعطاء المشروع امتدادا جديدا.

ظهر هذا الانتقال في حضور لاعبين مثل أيوب بوعدي وإسماعيل صيباري وبلال الخنوس، إلى جانب أوناحي وحكيمي وبونو ودياز. ولم يكن الأمر مجرد جمع بين جيلين، بل محاولة لإعادة توزيع الأدوار داخل الفريق: خبرة تحمي التوازن، وشباب يرفع الإيقاع، وعناصر قادرة على الانتقال بين أكثر من وظيفة داخل المباراة نفسها.

جرى هذا البناء في ظروف غير مثالية. فقد عانى المنتخب من إصابات وغيابات في مراكز مؤثرة، ودخل البطولة دون عمق متساو في جميع الخطوط، خصوصا في الهجوم وبعض مواقع الدفاع. لذلك لم تكن مهمة وهبي محصورة في اختيار أفضل أحد عشر لاعبا، بل في إدارة الفوارق داخل القائمة، والبحث عن حلول تحافظ على التماسك كلما غاب عنصر أساسي أو تغير شكل المباراة.

من هنا، كانت المشاركة أكبر من ست مباريات. كانت اختبارا لمدى قدرة المغرب على الانتقال من فريق صنع المفاجأة إلى منظومة تثبت حضورها، ومن جيل حمل لحظة تاريخية إلى مشروع قادر على إنتاج لحظات أخرى. وكان المطلوب، في النهاية، ألا يثبت المنتخب فقط أنه تعلم من قطر، بل أن يظهر أن ما تحقق هناك أصبح جزءا من هويته الجديدة.

البرازيل.. إعلان مبكر عن موقع جديد

افتتح المغرب مشاركته أمام البرازيل بتعادل هدف لمثله، في مباراة تجاوزت قيمتها النقطة المحصلة في جدول المجموعة. فقد كانت المواجهة أول اختبار فعلي للموقع الذي أصبح المنتخب المغربي يحتله بعد مونديال قطر: هل ما يزال فريقا يراهن على المفاجأة، أم صار قادرا على مجاراة أحد أثقل المنتخبات في العالم من موقع الند؟

اختار المغرب منذ البداية ألا يحتمي بالقرب من منطقة جزائه، وألا يترك للبرازيل حرية بناء اللعب واستعمال الأطراف. تمركز الفريق في كتلة متوسطة، وضغط على حامل الكرة في وسط الملعب، وحاول قطع الصلة بين لاعبي الارتكاز والأجنحة، خصوصا فينيسيوس جونيور ورافينيا.

لم يكن الهدف الاستحواذ لمجرد الاستحواذ، بل تعطيل الإيقاع البرازيلي ودفع الخصم إلى اللعب في مساحات ضيقة، ثم الانتقال بسرعة فور استرجاع الكرة.

كان وسط الميدان مركز الخطة المغربية. تقاربت خطوط الفريق، وتوزعت الأدوار بين من يغطي العمق، ومن يضغط على حامل الكرة، ومن يتحرك بين الخطوط لاستقبال التمريرة الأولى. ومن هذا التنظيم خرج الهدف المغربي، بعد تمريرة عمودية من إبراهيم دياز، وتحرك محسوب لإسماعيل صيباري خلف الدفاع، ثم إنهاء هادئ عكس جودة التوقيت أكثر مما عكس خطأ فرديا من الخصم.

أظهر الهدف إحدى أهم خصائص المنتخب في هذه النسخة، وهي القدرة على تحويل لحظة افتكاك أو انتقال قصيرة إلى فرصة واضحة، دون الحاجة إلى بناء طويل أو عدد كبير من التمريرات. كما أكد المكانة التي بدأ صيباري يحتلها داخل الفريق، ليس بصفته لاعب وسط فقط، بل عنصرا يجيد الوصول المتأخر إلى منطقة الجزاء واستغلال المساحة التي يخلقها تحرك المهاجمين والأجنحة.

لم تحتج البرازيل، في المقابل، إلى فرض سيطرة كاملة كي تعود إلى النتيجة. جاء هدف فينيسيوس جونيور من لحظة فردية عالية الجودة، أظهرت الفارق الذي يستطيع لاعب من هذا المستوى صنعه حتى عندما ينجح الخصم في تعطيل المنظومة الجماعية. كانت المساحة محدودة، والوقت قصيرا، لكن جودة القرار والتنفيذ حولت لقطة عادية نسبيا إلى هدف.

بعد التعادل، لم يفقد المغرب تنظيمه، ولم يتحول إلى الدفاع المتراجع بصورة دائمة. حافظ على تماسكه في الوسط، وتجنب فتح المباراة على مصراعيها أمام سرعة الهجوم البرازيلي. في المقابل، رفعت البرازيل نسقها في فترات من الشوط الثاني، وحاولت توسيع الملعب ودفع الأظهرة المغربية إلى الخلف، لكنها لم تنجح في فرض ضغط متواصل أو صناعة عدد كبير من الفرص الصريحة.

انتهت المباراة بتوازن نسبي في الاستحواذ والمبادرة، دون سيطرة كاملة لأي طرف. وكان ذلك في حد ذاته مؤشرا مهما؛ فالمغرب لم يخرج بالنقطة نتيجة دفاع استثنائي أو سلسلة من التصديات فقط، بل لأنه نجح في جعل المباراة تُلعب وفق شروط أقرب إلى قدراته، أي كثافة في الوسط، ومساحات محدودة، وانتقالات سريعة عند استرجاع الكرة.

كما قدمت المواجهة أول اختبار لمدى قدرة الجيل الجديد على حمل مسؤولية المباريات الكبرى. لم يكن الاعتماد محصورا في عناصر مونديال قطر، بل ظهر صيباري وبوعدي والخنوس داخل بناء تنافسي يجمعهم بلاعبي الخبرة. وكان ذلك مؤشرا على أن المنتخب لا يعيد إنتاج تشكيلته السابقة، بل يحاول توسيعها وإعادة توزيع وظائفها.

لهذا لم يكن التعادل مجرد بداية إيجابية في الحسابات. لقد أزال مبكرا شبهة أن يدخل المغرب البطولة أسير إنجازه السابق، أو أن يقارن كل أداء بما حدث في قطر. أظهر المنتخب أن له نسخته الخاصة في 2026، وأنه قادر على مواجهة البرازيل دون عقدة، وعلى صناعة خطره الخاص، وعلى الحفاظ على توازنه حين يستعيد الخصم زمام المبادرة.

كانت الرسالة الأولى واضحة: المغرب لم يعد يطلب من الكبار أن يستهينوا به كي يفاجئهم، بل صار قادرا على منافستهم وهم يعرفون قوته ويستعدون لها.

اسكتلندا.. هدف سريع واختبار طويل

دخل المغرب الجولة الثانية أمام اسكتلندا وهو يحمل نقطة ثمينة من مباراة البرازيل، لكن قيمة تلك البداية كانت تحتاج إلى تأكيد. وفي أقل من دقيقتين، منح إسماعيل صيباري المنتخب أفضلية مبكرة، بعدما سجل في الثانية الحادية والسبعين، في أسرع أهداف البطولة حتى تلك المرحلة.

اختصر الهدف كثيرا من الطريق، لكنه لم يجعل المباراة سهلة. على العكس، غيّر طبيعتها بالكامل. وجد المغرب نفسه مطالبا بإدارة تقدم ضئيل منذ اللحظات الأولى، فيما تحولت اسكتلندا سريعا من فريق يبحث عن الاستقرار إلى منتخب مضطر إلى المطاردة.

خلال الشوط الأول، تعامل المغرب بهدوء مع هذا الوضع. لم يتراجع مباشرة إلى مناطقه، بل حاول الاحتفاظ بالكرة وإبعاد اللعب عن مرماه، مستفيدا من قدرته على تدويرها في الوسط وتغيير جهة الهجوم. لم يكن الاستحواذ هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لتخفيف الضغط، وقطع إيقاع الخصم، ومنعه من تحويل المباراة إلى صراع بدني مفتوح.

ساهم تقارب لاعبي الوسط في التحكم في المساحات الثانية، كما حدّ من قدرة اسكتلندا على الوصول المباشر إلى منطقة الجزاء. وحين استعاد المنتخب الاسكتلندي الكرة، وجد أمامه كتلة مغربية منظمة، تجبره غالبا على اللعب الطويل أو البحث عن العرضيات بدل الاختراق من العمق.

لكن إيقاع المباراة تغير بعد الاستراحة. رفعت اسكتلندا منسوب الالتحامات، ودفعت عددا أكبر من لاعبيها إلى الأمام، وأصبحت أكثر اعتمادا على الكرات المباشرة والعرضيات والكرات الثانية. ومع مرور الوقت، تراجع المغرب نسبيا، ليس بسبب فقدان التنظيم، بل بسبب تغير شروط المواجهة وارتفاع الضغط البدني.

في هذه المرحلة، لم يعد المطلوب من المنتخب أن يفرض إيقاعه، بل أن يمنع المباراة من الانفلات. حافظ على تقارب خطوطه، وأغلق العمق، وقلص المسافات بين الوسط والدفاع، محاولا دفع اسكتلندا إلى مناطق أقل خطورة. ورغم أن الخصم اقترب أكثر من المرمى، فإنه لم ينجح في تحويل ضغطه إلى فرص كثيرة وواضحة.

كشفت هذه المباراة جانبا مهما من شخصية المنتخب. فبعد أن واجه البرازيل من موقع المبادرة المتوازنة، كان عليه أمام اسكتلندا أن يحسن إدارة أفضلية مبكرة، وأن ينتقل خلال المباراة نفسها من التحكم بالكرة إلى الدفاع المنظم، دون أن يفقد هدوءه أو تماسكه.

انتهت المواجهة بهدف وحيد، وهي نتيجة قد توحي بمباراة متقاربة أكثر مما كانت عليه في بعض فتراتها. فقد كان المغرب أكثر سيطرة في الشوط الأول، وأكثر قدرة على التحكم في شكل اللعب، لكنه لم ينجح في حسم اللقاء بهدف ثان، ما أبقى المباراة مفتوحة حتى نهايتها.

وهنا برز أول سؤال هجومي واضح في البطولة: ما مدى قدرة المنتخب على تحويل فترات التفوق إلى فارق آمن. كان الهدف المبكر كافيا للفوز، لكنه لم يعف الفريق من تحمل ضغط طويل كان يمكن تفادي جزء منه لو استُثمرت الفرص والمساحات بصورة أفضل.

بعد جولتين، رفع المغرب رصيده إلى أربع نقاط، مع استقبال هدف واحد فقط. والأهم أن المباراتين كشفتا عن مركز ثقله الحقيقي: وسط ميدان لا يؤدي وظيفة واحدة، بل تتوزع داخله مهام الضغط والتغطية وتدوير الكرة والربط بين الخطوط.

لم تكن مواجهة اسكتلندا مباراة استعراض، بل مباراة إدارة. وقد نجح المغرب فيها لأنه عرف كيف يغيّر سلوكه دون أن يغيّر هويته: بدأ مهاجما، ثم صار متحكما، وانتهى مدافعا عن تقدمه، دون أن يتحول إلى فريق مرتبك أو فاقد للاتجاه.

هايتي.. انتصار واسع كشف الخلل

كانت مواجهة هايتي أكثر مباريات الدور الأول تناقضا. انتهت بفوز مغربي واضح بأربعة أهداف مقابل هدفين، لكنها لم تكن مريحة بالقدر الذي توحي به النتيجة. وجد المنتخب نفسه متأخرا مرتين، واضطر في كل مرة إلى إعادة بناء المباراة أمام خصم لعب بحرية، واستفاد من المساحات التي خلفها الاندفاع المغربي.

دخل المغرب اللقاء بوضعية مريحة نسبيا في حسابات التأهل، وبصفته الطرف الأقوى فنيا. غير أن هذا التفوق النظري انعكس أحيانا في صورة تسرّع هجومي، وفي تقدم عدد كبير من اللاعبين إلى الأمام دون تغطية كافية خلفهم. ومع كل فقدان للكرة، كانت هايتي تجد ممرا مباشرا نحو المساحات الواقعة بين الوسط والدفاع أو خلف الأظهرة.

جاء الهدف الهايتي الأول ليكشف هذا الخلل مبكرا. لم يحتج المنافس إلى بناء طويل، بل استثمر انتقالا سريعا ومساحة ظهرت في لحظة فقدان التوازن. ورد المغرب عبر أشرف حكيمي، مستفيدا من حضوره الهجومي الدائم، لكن التعادل لم يعالج المشكلة الأساسية، إذ ظل الفريق عرضة للخطر كلما هاجم بأعداد كبيرة.

عادت هايتي إلى التقدم، فوجد المغرب نفسه للمرة الثانية مطالبا بالعودة في مباراة كان يفترض أن يديرها من موقع السيطرة. هنا برز إسماعيل صيباري مجددا، فسجل التعادل قبل نهاية الشوط الأول، في هدف تجاوز قيمته الحسابية. فقد منع الخصم من الدخول إلى الاستراحة متقدما، وأعاد ترتيب الحالة النفسية للمباراة قبل بدايتها الثانية.

في الشوط الثاني، بدا المغرب أكثر توازنا. خفف من اندفاعه غير المحسوب، ورفع جودة الضغط بعد فقدان الكرة، وأصبح أكثر دقة في استغلال المساحات. منح سفيان رحيمي المنتخب التقدم، قبل أن يضيف جسيم ياسين الهدف الرابع، مؤكدا مرة أخرى أن الحلول الهجومية لم تعد محصورة في التشكيلة الأساسية.

أظهرت المباراة، من هذه الزاوية، أحد المكاسب المهمة للمشاركة: تنوع مصادر التسجيل. فقد سجل حكيمي من الرواق، وصيباري من تحرك بين الخطوط، ورحيمي وجسيم ياسين بعد دخولهما في سياق هجومي مختلف. لم يعد المنتخب مرتبطا باسم واحد أو مسار واحد نحو المرمى، بل صار قادرا على التسجيل من مواقع ووظائف متعددة.

لكن هذا التنوع الهجومي جاء مصحوبا بإنذار واضح. لم تكن المشكلة في جودة الدفاع حين يتمركز الفريق كاملا، بل في لحظة الانتقال من الهجوم إلى الدفاع. كلما تقدم الظهيران وارتفع عدد لاعبي الوسط، أصبحت المسافات خلفهم أكبر، وظهر أن الضغط العكسي لا ينجح دائما في استعادة الكرة أو تأخير الهجمة المنافسة.

لهذا كانت مباراة هايتي مفيدة بقدر ما كانت مقلقة. أكدت أن المغرب يستطيع العودة، وأن لديه دكة قادرة على تغيير النتيجة، وأنه يملك من الجودة الفردية ما يسمح له بحسم مباراة غير مستقرة. لكنها أظهرت أيضا أن الفارق الفني لا يحمي الفريق حين يفقد توازنه، وأن خصما أقل جودة يستطيع أن يعاقبه إذا وجد المساحة والوقت.

أنهى المغرب الدور الأول بسبع نقاط، من انتصارين وتعادل، ودون هزيمة، واحتل المركز الثاني خلف البرازيل بفارق الأهداف. كانت حصيلة قوية ومباشرة، دون حاجة إلى انتظار ترتيب أصحاب المركز الثالث أو نتائج المجموعات الأخرى.

غير أن قيمة الدور الأول لم تكن في الأرقام وحدها. فقد قدم ثلاث مباريات بثلاثة اختبارات مختلفة: التوازن أمام البرازيل، وإدارة التقدم أمام اسكتلندا، وتصحيح الخلل أمام هايتي. وكانت المباراة الأخيرة بمثابة التنبيه الضروري قبل الأدوار الإقصائية، إلى أن الشجاعة الهجومية تحتاج إلى تأمين، وتعدد الحلول لا يعوض غياب التوازن، والمساحة التي يمكن تداركها أمام هايتي قد تصبح حاسمة أمام خصم أسرع وأكثر نجاعة.

هولندا.. مباراة صنعتها القدرة على البقاء

دخل المغرب دور الـ32 أمام هولندا في أول اختبار إقصائي حقيقي خلال البطولة. لم يعد هناك مجال لتدارك الخطأ في مباراة لاحقة، وكان الخصم يملك ما يجعل هذا النوع من المواجهات معقدا: قوة بدنية، وحضور هوائي، وأجنحة سريعة، وخبرة في إدارة اللحظات التي يتحدد فيها مصير البطولات.

لكن المباراة لم تسر وفق الصورة التقليدية لمواجهة تجمع هولندا بمنتخب أقل منها تاريخيا. اختار المنتخب الهولندي قدرا كبيرا من الحذر، وترك للمغرب مساحات أوسع للاستحواذ وبناء اللعب، فيما بدا واضحا أن احترامه لقوة المنتخب المغربي أثّر في تمركزه وفي درجة المخاطرة التي قبل بها.

استفاد المغرب من ذلك لفرض حضوره خلال فترات مهمة. تحرك الوسط بثقة، وتقدم حكيمي باستمرار، ووصل الفريق إلى مناطق هجومية أكثر مما كان متوقعا أمام خصم بهذه الخبرة. لم يكن الاستحواذ شكليا، بل رافقته محاولات واضحة، غير أن اللمسة الأخيرة ظلت أقل جودة من البناء الذي سبقها، فبقي التفوق في الأداء دون ترجمة في النتيجة.

كان هذا النوع من المباريات يطرح سؤالا دقيقا: ماذا يفعل المنتخب حين يكون الأفضل، لكنه لا يسجل؟ كانت كل دقيقة تمر دون هدف تمنح هولندا فرصة أكبر لخطف المباراة من لقطة واحدة، وهو ما حدث في الدقيقة 72.

استفاد كودي غاكبو من كرة ثانية وتحرك مباشر داخل المساحة الفارغة، وسجل هدف التقدم في لحظة لم تعكس بالضرورة ميزان اللعب، لكنها عكست فعالية المنتخب الهولندي في استثمار الفرصة التي انتظرها. لم تحتج هولندا إلى بناء سيطرة طويلة؛ بل احتاجت إلى تفصيل واحد كي تقلب اتجاه المواجهة.

كان الهدف كافيا لإسقاط منتخب أقل تماسكا. فبعد أكثر من ساعة من المحاولات غير المكتملة، كان من السهل أن يتحول التأخر إلى ارتباك، وأن يفقد المغرب صبره وتنظيمه. لكنه لم يدخل في اندفاع عشوائي، ولم يحول الدقائق الأخيرة إلى كرات طويلة بلا بناء.

تقدم الفريق، ورفع عدد لاعبيه في مناطق الخصم، لكنه احتفظ بالحد الأدنى من التوازن. واصل البحث عن المساحات من الجانبين، إلى أن أرسل شمس الدين طالبي كرة من الجهة اليسرى في الوقت بدل الضائع، ارتقى لها عيسى ديوب وسجل هدف التعادل.

حمل الهدف معنى يتجاوز توقيته. فقد جاء من لاعبين لم يكونا في مقدمة الأسماء المنتظرة للحسم الهجومي، وأكد أن المنتخب لم يعد مرتبطا بمسار واحد نحو المرمى. كما كشف عن قدرة الفريق على الاحتفاظ بصفائه في أكثر لحظات المباراة ضغطا، وعلى مواصلة التنفيذ حتى النهاية بدل الاكتفاء برد فعل عاطفي.

نقلت رأسية ديوب المباراة من حافة الإقصاء إلى ركلات الترجيح، حيث أصبحت الخبرة النفسية عاملا حاسما. هناك، دخل المغرب أرضا يعرفها منذ مونديال قطر، ولم يتعامل مع الترجيح باعتباره بابا أخيرا للنجاة، بل باعتباره جزءا من المباراة يمكن إدارته بالهدوء نفسه.

تصدى ياسين بونو لركلة كريسينسيو سومرفيل، قبل أن يسجل إسماعيل صيباري الركلة التي حسمت التأهل بنتيجة 3-2، بعد تعادل المنتخبين بهدف لمثله. ولم يكن الفوز في الترجيح منفصلا عن التسعين دقيقة التي سبقته؛ فقد جاء امتداداً لقدرة المغرب على البقاء داخل المواجهة، حتى عندما تأخر، وحتى عندما بدا أن تفوقه في اللعب لن يكفي.

تكمن قيمة مباراة هولندا في أنها جمعت ثلاث حالات مختلفة داخل لقاء واحد: منتخب يسيطر ولا يسجل، ثم يتأخر ولا ينهار، ثم يدخل لحظة الحسم من دون أن يفقد أعصابه. وهذه القدرة على الانتقال بين الحالات الثلاث هي ما يميز الفرق التي تتقدم في البطولات الكبرى عن تلك التي تقدم أداء جيدا وتغادر.

لم يعبر المغرب نحو دور الثمن لأنه كان الأفضل فقط، ولا لأنه امتلك الحظ في ركلات الترجيح. بل تأهل لأنه رفض أن تنتهي المباراة حين تغيرت ضده، وحافظ إلى اللحظة الأخيرة على ما يكفي من التنظيم والاعتقاد والوضوح كي يعيد فتحها.

كندا.. تصحيح المباراة من الداخل

دخل المغرب ثمن النهائي أمام كندا وهو يحمل آثار مباراة هولندا، ليس في الأقدام فقط، بل في الإيقاع النفسي أيضا. فالمواجهة السابقة امتدت إلى اللحظات الأخيرة ومرّت من حافة الإقصاء إلى ركلات الترجيح، وهو ما جعل بداية اللقاء التالي أقل صفاء وأبطأ في استعادة التوازن.

استفادت كندا من ذلك منذ الدقائق الأولى. ضغطت عاليا، ودفعت خطوطها إلى الأمام، وأجبرت الدفاع المغربي ولاعبي الوسط على اتخاذ قرارات سريعة تحت الضغط. لم يجد المغرب سهولة في الخروج بالكرة، وخسر عددا من الصراعات والكرات الثانية، بينما بدا المنتخب المضيف أكثر حيوية في الالتحامات وأكثر قدرة على إبقاء اللعب قريبا من منطقة الجزاء المغربية.

زاد خروج إسماعيل صيباري مصابا في الدقيقة 22 من تعقيد الوضع. لم يكن غيابه مجرد فقدان لاعب سجل ثلاثة أهداف في الدور الأول، بل خسارة عنصر يؤدي أكثر من وظيفة في الوقت نفسه: يربط بين الوسط والهجوم، ويتحرك داخل أنصاف المساحات، ويصل إلى منطقة الجزاء، ويمنح الفريق خيارا إضافيا حين يتعذر التقدم المباشر.

دخل سفيان رحيمي بدلا منه، فتغير البناء الهجومي اضطرارا. فصيباري يمنح الفريق حضورا أكبر بين الخطوط، بينما يضيف رحيمي سرعة وتحركا نحو العمق والمساحات الخلفية. غير أن المغرب لم يتمكن فورا من استثمار هذا التحول، لأن المشكلة في الشوط الأول لم تكن في الاسم الذي يشغل الموقع، بل في المسافات بين الخطوط وفي قدرة الفريق على تجاوز الضغط الأول.

وجد لاعبو الوسط صعوبة في استقبال الكرة بوجوه مفتوحة نحو الأمام، واضطر الدفاع إلى استعمال تمريرات طويلة لم تجد دائما من يثبتها. وفي المقابل، كانت كندا تلتقط الكرات الثانية وتعيد الهجوم بسرعة، ما أبقى المغرب في وضعية دفاعية لفترات أطول مما اعتاد عليه.

مرة أخرى، كان ياسين بونو حاضرا في اللحظات التي كان يمكن أن تغير اتجاه المباراة. حافظ على التعادل، ومنح زملاءه الوقت اللازم للوصول إلى الاستراحة من دون خسائر. وكانت تلك النقطة حاسمة، لأن المنتخب لم يكن يحتاج إلى إعادة اختراع المباراة، بل إلى وقف اندفاع الخصم وإعادة تنظيم علاقته بالكرة.

بعد الاستراحة، تغيرت الصورة تدريجيا. أصبح المغرب أكثر دقة في التمريرة الأولى، وتقاربت خطوطه، وارتفعت قدرته على ربح الكرات الثانية. لم يتراجع الضغط الكندي تماما، لكنه صار أقل فاعلية بعدما نجح المنتخب المغربي في تجاوزه بتمريرات أقصر وأسرع، وفي استدراج المنافس إلى مناطق أعلى قبل استغلال المساحات خلفه.

جاء الهدف الأول من ضربة ثابتة نفذها أشرف حكيمي بذكاء نحو عز الدين أوناحي، الذي أنهى الهجمة بتسديدة دقيقة. لم يكن الهدف مجرد لحظة فردية، بل نتيجة لتحسن في قراءة المباراة. فالمغرب الذي عجز في الشوط الأول عن صناعة فرص واضحة من اللعب المفتوح، استثمر تفصيلا ثابتا ليغير ميزان اللقاء ويدفع كندا إلى مزيد من التقدم.

بعد الهدف، تغيرت شروط المواجهة. لم تعد كندا تضغط من موقع التعادل، بل من موقع المطاردة، فرفعت خطوطها وتركت فراغات أكبر خلفها. وهنا ظهر الوجه الذي يجيده المغرب: استعادة الكرة ثم الانتقال بسرعة نحو المساحة المفتوحة.

جاء الهدف الثاني من هجمة انتقالية شارك فيها إبراهيم دياز، قبل أن ينهيها أوناحي للمرة الثانية. وكانت الثنائية ذات دلالة خاصة، لأنها أظهرت تطورا في وظيفة اللاعب. فبعد أن ارتبط اسمه في مونديال قطر بتنظيم الإيقاع والخروج بالكرة، ظهر في 2026 بصفته لاعبا قادرا أيضا على إنهاء الهجمات والحسم داخل الثلث الأخير.

وفي الوقت بدل الضائع، أضاف رحيمي الهدف الثالث، ليمنح النتيجة شكلا مريحا لا يعكس تماما ما عاشه المنتخب في بدايتها. فالفوز بثلاثية نظيفة قد يوحي بمباراة أحادية الاتجاه، بينما كانت المواجهة في حقيقتها منقسمة إلى مرحلتين واضحتين: شوط أول لعبته كندا بشروطها، وشوط ثان أعاد فيه المغرب فرض منطقه.

وصفت وكالة رويترز المنتخب المغربي بأنه كان تحت الضغط خلال معظم النصف الأول، قبل أن يقدم بعد الاستراحة أداء أكثر نجاعة. كما جعلت ثنائية أوناحي منه أول لاعب إفريقي يسجل هدفين في مباراة إقصائية بكأس العالم منذ هنري كامارا مع السنغال سنة 2002.

وتكمن أهمية مباراة كندا في أنها لم تُحسم بتغيير جذري في الخطة أو بتبديلات كثيرة، بل بتصحيح داخلي. أعاد المغرب ضبط المسافات، وحسّن التعامل مع الضغط، ورفع جودة التمرير الأول، وبدأ يربح الصراعات التي خسرها في البداية.

كانت المباراة دليلا على أن النضج لا يظهر في السيطرة منذ الدقيقة الأولى بالضرورة، بل أيضا في القدرة على الاعتراف بأن البداية لم تكن جيدة، ثم تعديلها دون ارتباك. لم ينتصر المغرب لأنه كان الأفضل طوال تسعين دقيقة، بل لأنه عرف كيف يمنع شوطا سيئا من أن يتحول إلى مباراة خاسرة.

فرنسا.. المباراة التي كشفت حدود المشروع

بلغ المغرب ربع النهائي لمواجهة فرنسا في إعادة لمشهد نصف نهائي قطر 2022، لكن السياق هذه المرة كان مختلفا. دخل المنتخب المغربي المباراة وهو يحمل آثار مسار طويل، ويفتقد إسماعيل صيباري، أحد أهم عناصر الربط بين الوسط والهجوم، فيما كانت الإصابات قد قلصت هامش الاختيار في أكثر من مركز.
في المقابل، واجه منتخبا يملك فائضا من الجودة، وبدلاء قادرين على الحفاظ على الإيقاع نفسه، وخبرة واسعة في مباريات الأدوار الأخيرة.

اختار محمد وهبي مواجهة هذا التفوق بكثافة عددية في الوسط، ووضع إبراهيم دياز في موقع المهاجم، أملا في الاستفادة من حركته بين الخطوط وقدرته على استلام الكرة في المساحات الضيقة. غير أن هذا الاختيار اصطدم مبكرا بطريقة لعب فرنسية منعت المغرب من الوصول إلى المناطق التي يجيد فيها بناء هجماته.

فرضت فرنسا ضغطا مرتفعا ومنظما منذ الدقائق الأولى. لم يكن الهدف مجرد دفع الدفاع المغربي إلى الخطأ، بل قطع المسارات التي يمر منها اللعب عادة. أُغلقت زوايا التمرير أمام لاعبي الارتكاز، وأصبح استقبال الكرة في الوسط مشروطا بضغط فوري، ما دفع المغرب إلى اتخاذ قرارات سريعة وأقل دقة.

ركز ديديي ديشان عمله الدفاعي على الجهة اليمنى، حيث يصنع أشرف حكيمي جزءا كبيرا من التفوق المغربي. شارك ديزيري دوي في العودة إلى الخلف، وتولى لوكاس ديني مراقبة المساحة المباشرة، بينما تحرك أدريان رابيو خلفهما لقطع الكرات الثانية وإغلاق الطريق نحو العمق. وبهذا التنظيم، لم تُعطل انطلاقات حكيمي فقط، بل قُطع أيضا الاتصال بينه وبين لاعبي الوسط ودياز.

حين فشل المغرب في الخروج القصير، اضطر إلى اللجوء إلى الكرات الطويلة. وهنا ظهر أثر غياب المهاجم الصريح بوضوح. لم يكن هناك لاعب قادر على استقبال الكرة تحت ضغط قلبي الدفاع، أو الاحتفاظ بها إلى حين صعود الوسط والأظهرة. لذلك كانت الكرات المباشرة تتحول في الغالب إلى استحواذ فرنسي جديد، فتعود المباراة بسرعة إلى المنطقة المغربية.

لم يكن التفوق الفرنسي قائما على الاستحواذ وحده، بل على القدرة على استرجاع الكرة بسرعة ومنع المغرب من أخذ أنفاسه. كل محاولة للخروج كانت تنتهي إما بتمريرة ناقصة أو بصراع بدني يميل لمصلحة فرنسا، وهو ما جعل المنتخب المغربي يدافع لفترات طويلة دون أن ينجح في نقل اللعب إلى نصف الملعب المقابل.

وسط هذا الضغط، حافظ ياسين بونو على بقاء المباراة مفتوحة. تصدى لركلة جزاء نفذها كيليان مبابي، وأبعد محاولات أخرى، فيما تكفلت العارضة بإيقاف تسديدة فرنسية. لكن الصمود الدفاعي لم يتحول إلى توازن في اللعب. أنهى المغرب الشوط الأول بدون أية تسديدة، وبقي بعيدا عن مرمى مايك مانيان، في مؤشر واضح على أن المباراة كانت تُدار بالكامل وفق الشروط الفرنسية.

استمر التعادل حتى الدقيقة الستين، لكنه كان تعادلا هشّا. جاء هدف مبابي من زاوية ضيقة، ومن لقطة لم تكن بالضرورة الأخطر، لكنه لخص الفارق في الجودة الفردية. احتاج المهاجم الفرنسي إلى مساحة محدودة وقرار سريع كي ينهي ساعة من المقاومة المغربية.

بعد ست دقائق، أضاف عثمان ديمبيلي الهدف الثاني، مستفيدا من المساحات التي ظهرت حين حاول المغرب التقدم. حسمت تلك الفترة القصيرة المواجهة، وكشفت قدرة فرنسا على الانتقال من الضغط إلى العقاب من دون منح الخصم وقتا لإعادة ترتيب صفوفه.

لم ينجح المغرب في تسجيل أول محاولة مؤطرة إلا في الدقائق الأخيرة، بعدما كانت فرنسا قد خفضت درجة المخاطرة وانتقلت إلى إدارة النتيجة. وبذلك لم تكن الهزيمة نتيجة لحظتين منفصلتين فقط، بل حصيلة مباراة عجز فيها المنتخب عن بناء تهديد مستمر أو فرض مرحلة واحدة تُلعب وفق منطقه.

كشفت المواجهة حدودا تراكمت منذ بداية البطولة وظهرت مجتمعة أمام الخصم الأقوى:
• أولا، الاعتماد الكبير على عدد محدود من اللاعبين في صناعة اللعب؛
• ثانيا، غياب المهاجم القادر على توفير مخرج مباشر تحت الضغط؛
• ثالثا، الفارق بين جودة التشكيلة الأساسية وعمق البدلاء؛
• وأخيرا، صعوبة الحفاظ على الهوية الهجومية حين ينجح الخصم في إغلاق الأطراف ومنع الوسط من التقدم.

لهذا كان تصريح المدرب محمد وهبي بعد المباراة عن ضرورة إعداد بدلاء بالجاهزية نفسها للأسماء الأساسية أكثر من ملاحظة مرتبطة بلقاء واحد. كان تشخيصا للفارق بين فريق قوي ومنظومة كبيرة. المغرب يملك أحد عشر لاعبا قادرين على منافسة أفضل المنتخبات، وربما عددا أكبر بقليل. أما فرنسا، فتملك قائمة تسمح لها بتغيير الأسماء والأدوار دون أن ينخفض مستوى الأداء.

لم تُظهر مباراة فرنسا أن المغرب بعيد عن الكبار، بل أظهرت طبيعة المسافة التي ما تزال تفصله عنهم. لم تعد المشكلة في الثقة أو الجرأة أو القدرة على الصمود، بل في اتساع الخزان، وتعدد الحلول، والقدرة على الحفاظ على الجودة حين تغيب العناصر الأساسية.

كانت فرنسا نهاية المسار، لكنها كانت أيضا أكثر مبارياته وضوحا. فقد بينت أن المنتخب المغربي بلغ مستوى يسمح له بالوجود بين الثمانية الأوائل، لكنه يحتاج إلى أكثر من تشكيلة ناجحة كي يتحول إلى منافس دائم على اللقب.

جمهور عابر للقارات

لعب الجمهور المغربي في مونديال 2026 دورا تجاوز وظيفة المؤازرة التقليدية. فعلى امتداد بطولة موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وفي فضاء جغرافي يتطلب تنقلا مكلفا ومعقدا، حافظ المنتخب على حضور جماهيري كثيف، تشكل من مغاربة مقيمين في أمريكا الشمالية، ومشجعين قدموا من أوروبا والمغرب، إضافة إلى أبناء أجيال وُلدت بعيدا عن البلاد لكنها وجدت في المنتخب نقطة اتصال مباشرة بها.

كان هذا الحضور امتدادا لتحول أوسع في العلاقة بين المنتخب والجالية. لم يعد الفريق الوطني يُتابَع من الخارج بوصفه رمزا بعيدا، بل أصبح فضاء تلتقي داخله هويات مغربية تشكلت في سياقات لغوية واجتماعية مختلفة. في المدرجات، اجتمع القادم من الدار البيضاء بمن وُلد في مونتريال أو أمستردام أو باريس، دون أن يلغي اختلاف التجارب شعورا مشتركا بالانتماء.

أعطى توزيع البطولة عبر ثلاث دول لهذا الامتداد معنى ملموسا. فالجالية في الولايات المتحدة وكندا لم تكن كتلة هامشية حول الحدث، بل جزءا من جمهوره الطبيعي. وتحولت المباريات إلى مواعيد تُستعاد فيها رموز الوطن ولغاته وطقوسه الجماعية، من الأعلام والأهازيج إلى النقاشات العائلية والتنقل بين المدن لمتابعة المنتخب.

لكن هذا الحضور لم يكن متشابها في جميع المباريات. أمام هولندا، اكتسبت المواجهة بعدا خاصا بسبب الكثافة المغربية داخل المجتمع الهولندي، وبسبب تاريخ طويل من الهجرة أنتج أجيالا تحمل علاقتين متداخلتين بالبلدين. لم تكن المباراة مجرد لقاء بين منتخبين، بل لحظة ظهرت فيها هذه الازدواجية داخل الأسر والأحياء والمدرجات، دون أن تتحول بالضرورة إلى انقسام بسيط بين ولاءين متعارضين.

أما مباراة كندا، فقد جرت في سياق مختلف. فالمجتمع الكندي نفسه قائم إلى حد بعيد على الهجرة والتعدد، والجالية المغربية فيه أحدث نسبيا وأقل عددا من نظيراتها الأوروبية، لكنها أكثر حضورا في المدن الكبرى. لذلك حملت المواجهة معنى يتعلق بقدرة هوية وطنية ممتدة على الظهور داخل بلد يستقبل الهويات المتعددة ويمنحها مجالا للتعبير العلني.

في لقاء فرنسا، عاد التشابك إلى مستوى أكثر كثافة وحساسية. الروابط بين البلدين ليست رياضية فقط، بل تاريخية وعائلية وثقافية واقتصادية. كما أن عددا كبيرا من اللاعبين والجماهير يعيش داخل هذا المجال المتداخل، حيث لا تكون الهوية دائما اختيارا وحيدا ومغلقا. لذلك بدت المباراة مناسبة رياضية، لكنها كشفت أيضا عن علاقات يومية بين مجتمعين يعرف كل منهما الآخر من الداخل.

كما أظهرت البطولة أن الجمهور أصبح جزءا من القوة الناعمة للمنتخب. فالحضور الكثيف، والانضباط النسبي، وانتشار الرموز المغربية في مدن بعيدة، كلها أسهمت في جعل المنتخب مرئيا حتى خارج زمن المباراة. لم تكن المدرجات وحدها مساحة التعبير، بل الشوارع ووسائل النقل والساحات ومواقع التواصل، حيث امتدت البطولة إلى الحياة اليومية للمدن المستضيفة.

كانت قوة هذا الجمهور في أنه منح المنتخب شعورا بالاستمرار رغم تغير المدن والبلدان. لم يكن الفريق ينتقل من ملعب إلى آخر في بيئة غريبة بالكامل، بل كان يجد في كل محطة جماعة تعيد إنتاج أجواء البيت، وإن اختلفت لهجتها ومسارها الاجتماعي.

لذلك لم يكن الحضور الجماهيري مجرد خلفية لمشوار رياضي. بل كشف عن بلد يتجاوز حدوده الترابية، وعن هوية قادرة على جمع أفراد تكونوا داخل سياقات متعددة دون محو اختلافاتهم. وفي كل مباراة، بدا المنتخب كأنه يمثل دولة داخل الملعب، ويمثل خارجَه مجتمعا مغربيا موزعا على القارات، لكنه قادر، للحظة على الأقل، على الالتقاء حول رمز واحد.

حدود استراتيجية المواهب

بنت الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة جزءا مهما من قوتها على شبكة واسعة لاكتشاف اللاعبين من أصول مغربية في أوروبا، ومتابعتهم منذ الفئات السنية، ثم دمجهم تدريجيا في المنتخبات الوطنية. وقد سمح هذا النموذج للمغرب بالوصول إلى مواهب تكونت داخل بيئات كروية متقدمة، واعتادت منذ وقت مبكر على إيقاع المنافسة العالية ومتطلبات الاحتراف.

لم يكن هذا العمل مجرد استدعاء متأخر للاعبين برزوا مع أنديتهم، بل تحول إلى سياسة أكثر انتظاما. اتسعت المتابعة، وتسارعت عملية التواصل مع الأسر واللاعبين، وأصبحت الجامعة تتحرك في مرحلة مبكرة قبل أن يحسم اللاعب مستقبله الدولي. وبذلك لم يعد المنتخب ينتظر اكتمال الموهبة، بل يسعى إلى بناء علاقة معها منذ بداياتها.

منحت هذه الاستراتيجية المغرب ميزة لا تتوفر لعدد كبير من المنتخبات. فقد جمعت داخل الفريق لاعبين تكونوا في مدارس مختلفة، من فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وألمانيا وغيرها، وحمل كل واحد منهم معه تصورا معينا للتمركز والضغط والإيقاع والانضباط التكتيكي. ,نتج عن ذلك منتخب أكثر تنوعا، وقادر على التأقلم مع أنماط متعددة من اللعب.

كما خففت هذه الشبكة من محدودية السوق المحلية. فبدل أن يبقى الاختيار محصورا في ما تنتجه البطولة الوطنية، أصبح المغرب يستفيد من قاعدة بشرية ممتدة خارج حدوده، تضم لاعبين يتدرجون داخل أكاديميات كبرى ويواجهون أسبوعيا منافسة أكثر سرعة وقوة. ومن هنا جاء جزء من النضج الذي ظهر في المنتخب خلال البطولات الأخيرة.

لكن نجاح الاستقطاب أخفى أحيانا طبيعة الاعتماد الذي يقوم عليه. فعدد كبيرا من اللاعبين الذين شكلوا قوة المنتخب لم يتكونوا داخل النظام الكروي المغربي، بل داخل منظومات أوروبية تولت مراحل الاكتشاف والتأطير والتكوين والانتقال إلى الاحتراف. استفاد المغرب من النتيجة النهائية لهذه العملية، لكنه لم ينتجها بنفسه.

لا يقلل ذلك من قيمة العمل الذي أنجزته الجامعة في المتابعة والإقناع والدمج. فاختيار اللاعب للمنتخب ليس مسألة آلية، وتحويل مجموعة من مزدوجي الجنسية إلى فريق منسجم يحتاج إلى إدارة وهوية واستقرار. غير أن الفرق يبقى قائما بين القدرة على الوصول إلى الموهبة والقدرة على إنتاجها بكثافة.

ظهرت هذه المسافة بوضوح أمام فرنسا. لم يكن التفوق الفرنسي مرتبطا فقط بجودة التشكيلة الأساسية، بل بحجم الخزان الذي يقف خلفها. فالمنتخب الفرنسي يستطيع فقدان لاعب أو أكثر دون أن تتغير طبيعته بالكامل، لأن البديل يأتي غالبا من البيئة التنافسية نفسها، ويحمل مستوى مقاربا من التكوين والخبرة والإيقاع.

ويطرح الاعتماد الكبير على الخارج سؤالا آخر يتعلق بالمسار الداخلي للاعب المغربي. فحين تصبح الطريق الأسرع إلى المنتخب مرتبطة بالتكوين الأوروبي، قد يبدو اللاعب المكوIن محليا في وضع أقل تنافسية، ليس بسبب ضعف موهبته بالضرورة، بل لأن البيئة التي يتطور داخلها لا تمنحه الإيقاع نفسه أو التأطير نفسه أو فرص الانتقال نفسها.

لقد أثبت النموذج المغربي قدرته على الوصول إلى المواهب وإقناعها ودمجها، وهي ميزة استراتيجية ينبغي الحفاظ عليها. لكنه يحتاج إلى مرحلة ثانية أكثر صعوبة: الانتقال من جمع أفضل المتاح إلى إنتاج وفرة حقيقية من اللاعبين.

فالمنافسة على الأدوار الأخيرة لا تتطلب أحد عشر لاعبا متميزا فقط، بل عشرين أو أكثر قادرين على أداء الوظائف نفسها بدرجة متقاربة. وهنا تظهر حدود الاستقطاب وحده، وتبدأ الحاجة إلى منظومة محلية لا تنتظر الموهبة في الخارج، بل تصنعها في الداخل أيضا.

تعدد الوجوه الحاسمة

لم يرتبط المسار المغربي في البطولة باسم واحد، ولا بصورة بطل يحتكر لحظات الحسم. بل توزعت الأهداف والصناعة والأدوار الحاسمة بين لاعبين من مواقع مختلفة، وهو ما منح المنتخب قدرة أكبر على البقاء داخل المباريات حين يتعطل أحد مساراته المعتادة.

كان إسماعيل صيباري أول من جسد هذا التنوع. سجل في المباريات الثلاث الأولى، لكن قيمته لم تختصر في حصيلته التهديفية. فقد أدى دورا مركبا بين الوسط والهجوم، وتحرك خلف المهاجمين، وهاجم المساحات التي تفتحها الأجنحة، ووصل إلى منطقة الجزاء في توقيت يصعب على المدافعين التقاطه. لم يكن مهاجما صريحا، لكنه أصبح أحد أكثر لاعبي المنتخب حضورا في مواقع التسجيل.

إلى جانبه، ظل أشرف حكيمي المصدر الأوضح للعرض والاندفاع من الجهة اليمنى. لم يقتصر دوره على التقدم بالكرة، بل فرض على الخصوم إعادة توزيع تغطيتهم الدفاعية، وفتح مساحات لزملائه في العمق. سجل أمام هايتي، وصنع فرصا وأهدافا في مراحل لاحقة، وكان وجوده المتقدم أحد العناصر التي تمنح الهجوم المغربي اتساعه وسرعته.

أما عز الدين أوناحي، فقدم في ثمن النهائي وجها مختلفا عن الدور الذي ارتبط به منذ مونديال قطر. كان معروفا بقدرته على التخلص من الضغط، وضبط الإيقاع، وربط خطوط الفريق، لكنه ظهر أمام كندا بصفته لاعبا قادرا على إنهاء الهجمة أيضا. سجل هدفين بطريقتين مختلفتين، أحدهما من كرة ثابتة منفذة بذكاء، والثاني في انتقال سريع، ليضيف الحسم إلى وظائفه المعتادة في البناء.

امتد التأثير كذلك إلى دكة البدلاء. سجل سفيان رحيمي أمام هايتي وكندا، وقدم حلا يقوم على السرعة ومهاجمة المساحة والضغط المباشر على الدفاع. كما جاء هدف التعادل أمام هولندا من كرة صنعها شمس الدين طالبي وأنهاها عيسى ديوب، وهما اسمان لم يكونا في مقدمة الخيارات الهجومية المتوقعة قبل البطولة.

كان لهذا التوزيع أثر يتجاوز الأرقام. ففي البطولات القصيرة، يصبح اعتماد الفريق على لاعب واحد نقطة ضعف يمكن للمنافسين عزلها. أما المغرب، فوجد أهدافه عبر الظهير ولاعبي الوسط والأجنحة والبدلاء والمدافع المتقدم في كرة هوائية. وحين تعطل مسار، ظهر مسار آخر.

لكن تعدد المسجلين لم يخف المشكلة البنيوية في قلب الهجوم. ظل المنتخب، في معظم مبارياته، دون مهاجم صريح قادر على اللعب وظهره إلى المرمى، وتثبيت الكرة تحت ضغط المدافعين، ومنح زملائه الوقت اللازم للتقدم. كان المغرب يملك لاعبين يصلون إلى منطقة الجزاء، لكنه لم يملك دائما لاعبا يقيم فيها ويجبر قلبَي الدفاع على الانشغال به باستمرار.

كان أثر هذا النقص يظهر كلما واجه المنتخب ضغطا مرتفعا يمنع الخروج الأرضي. عندها كانت الكرة الطويلة تتحول غالبا إلى استحواذ جديد للمنافس، لأن إبراهيم دياز أو العناصر التي شغلت العمق لم تكن تملك الخصائص البدنية اللازمة لكسب الصراعات الهوائية والاحتفاظ بالكرة. كما افتقد المنتخب أحيانا نقطة ارتكاز هجومية تسمح له بالخروج من الضغط المباشر دون المرور الإجباري عبر وسط الميدان.

لكل ذلك جمع الهجوم المغربي بين ميزتين متعارضتين: اتساع دائرة اللاعبين القادرين على الحسم، وغياب المرجع المركزي الثابت في مقدمة الخط. منحه التنوع مرونة وصعّب توقع مصدر الهدف، لكنه جعله أكثر اعتمادا على الحركة والانتقال والمساحات، وأقل قدرة على التعامل مع المباريات التي تُغلق فيها الأطراف ويُمنع فيها الوسط من التقدم.

وسط الميدان.. قوة المشروع ومصدر أسئلته

بنى المغرب جزءا كبيرا من هويته الكروية في البطولة حول وسط الميدان. لم يكن هذا الخط مجرد منطقة عبور بين الدفاع والهجوم، بل كان المكان الذي تُحدد فيه طبيعة المباراة: هل يلعب المنتخب تحت الضغط أم يفرضه؟ هل يخرج بالكرة بهدوء أم يضطر إلى تجاوز الوسط؟ وهل يستطيع نقل ثقل اللعب إلى نصف ملعب الخصم أم يبقى منشغلا بحماية مناطقه؟

منح وجود عز الدين أوناحي وبلال الخنوس وأيوب بوعدي ونائل العيناوي وإسماعيل صيباري الجهاز التقني خيارات متعددة، لأن هؤلاء اللاعبين لا يؤدون الوظيفة بالطريقة نفسها. أوناحي أكثر قدرة على إدارة الإيقاع والخروج من المساحات الضيقة، والخنوس يميل إلى الربط والتحرك بين الخطوط، بينما يوفر العيناوي حضورا في الالتحامات والتغطية. أما صيباري، فأضاف بعدا هجوميا من خلال التقدم من الخلف والوصول المتأخر إلى منطقة الجزاء، في حين منح بوعدي الفريق هدوءا في تداول الكرة وقدرة على اللعب تحت الضغط رغم حداثة تجربته الدولية.

سمح هذا التنوع بتوزيع الوظائف بدل حصرها في لاعب ارتكاز تقليدي. لم يكن هناك لاعب يتولى البناء وحده وآخر يكتفي بالحماية، بل كانت الأدوار تتغير بحسب موقع الكرة وطبيعة الخصم. عند الاستحواذ، يتراجع أحد لاعبي الوسط لمساعدة الدفاع في الخروج، ويتقدم آخر بين الخطوط، بينما يتحرك الثالث لتأمين المساحة خلف الظهيرين. وعند فقدان الكرة، تتحول المجموعة نفسها إلى أول خط للضغط أو إلى حاجز يمنع الانتقال المباشر نحو الدفاع.

لقد أثبت وسط الميدان أنه أكثر خطوط المنتخب ثراء من حيث المهارة وتعدد الوظائف. لكنه أظهر أيضا أن كثرة الأسماء لا تعني بالضرورة اكتمال الحلول. يحتاج المغرب إلى لاعبين إضافيين قادرين على أداء الأدوار نفسها بمستوى متقارب، وإلى صيغ لعب لا تجعل الخروج بالكرة معتمدا كليا على نجاح الوسط في تجاوز الضغط.

هذا المقال هو جزء من ملف العدد 119 لمجلة “لسان المغرب”، لقراءة الملف كاملا، يرجى الضغط على الرابط