story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

ما الذي قيل وما الذي غاب؟ خبراء هجرة يفككون بلاغ الداخلية بشأن أزمة سبتة

ص ص

بعد خمسة أيام من موجة العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية المحتلتين، أصدرت وزارة الداخلية بلاغاً رسمياً قدمت فيه روايتها لما جرى، مركزة على ما وصفته بحملات التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر والتأويلات المغلوطة لبعض القرارات القضائية الإسبانية.

غير أن هذه الرواية الرسمية أعادت فتح نقاش أوسع حول طريقة تدبير الدولة للأزمة، بعدما اعتبرت منصة “ميغرابريس” المتخصصة في قضايا الهجرة أن البلاغ لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يعكس تصوراً رسمياً لكيفية تفسير الأزمة وتدبيرها، مع إغفال عدد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراءها.

وفي تحليل نشرته المنصة، واطلعت عليه صحيفة “صوت المغرب”، رأت أن توقيت صدور البلاغ، بعد مرور خمسة أيام على الأحداث، يطرح بدوره أسئلة حول تدبير التواصل الرسمي خلال الأزمات، معتبرة أن هذا التأخر “ترك المجال مفتوحاً أمام تداول الشائعات والروايات المتضاربة”، في وقت كانت فيه صور العبور الجماعي تتصدر وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي.

وأضاف التحليل أن السلطات “ربما فضلت انتظار تجميع المعطيات قبل إصدار موقف رسمي”، إلا أن هذا الخيار، بحسب المنصة، كانت له كلفة تتمثل في إضعاف قدرة المؤسسات على توجيه النقاش العمومي، مقابل اتساع مساحة التأويلات غير الرسمية.

ورأت “ميغرابريس” أن البلاغ قدم الأزمة أساساً باعتبارها أزمة معلومات وتضليل، إذ أرجع ما وقع إلى انتشار الأخبار الزائفة، وتأويلات خاطئة لقرارات قضائية إسبانية، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب وعود كاذبة بإمكانية الوصول بسهولة إلى أوروبا.

واعتبرت المنصة أن هذه القراءة “صحيحة جزئياً”، بالنظر إلى الدور المتزايد الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات المتعلقة بالهجرة، لكنها في المقابل رأت أن البلاغ “يغلب المقاربة التواصلية على المقاربة البنيوية، لأنه لا يتطرق إلى الأسباب الاجتماعية التي تجعل تلك الشائعات قابلة للتصديق لدى آلاف الشباب”.

وأشار التحليل إلى أن البطالة، والفوارق المجالية، والشعور بانسداد الأفق، والرغبة في الهجرة، كلها عوامل تغيب عن البلاغ، رغم أنها تشكل، بحسب المنصة، “البيئة التي تسمح بانتشار الخطابات المضللة”، معتبرة أن “الشائعة لا تنتشر إلا عندما تجد طلباً اجتماعياً قائماً”.

اقرأ أيضا

وفي قراءة للغة البلاغ، قالت “ميغرابريس” إن المفردات المستخدمة تركز بشكل واضح على مفاهيم مثل “اليقظة، والمراقبة، وحماية الحدود، و”النظام العام”، مقابل غياب للمفاهيم المرتبطة بحقوق المهاجرين أو أوضاعهم الاجتماعية أو دوافعهم الاقتصادية.

واعتبرت أن هذا الاختيار يعكس ما تصفه الأدبيات الأكاديمية بـ”أمننة الهجرة”، أي التعامل معها باعتبارها قضية أمنية بالدرجة الأولى، بدل النظر إليها كقضية اجتماعية أو اقتصادية أو إنسانية.

كما سجل التحليل أن البلاغ يميل إلى “تفريد المسؤولية”، من خلال تحميل شبكات التهريب ومروجي الأخبار الزائفة المسؤولية الأساسية عما وقع، دون مساءلة السياقات العامة المرتبطة بالتشغيل، أو الأوضاع الاجتماعية، أو الإحباط الذي يعيشه جزء من الشباب المغربي.

وتوقفت المنصة أيضاً عند اعتماد البلاغ على أرقام رسمية تتحدث عن عبور نحو 40 ألف شخص باتجاه سبتة، و1135 شخصاً باتجاه مليلية، معتبرة أن هذا الحرص على تقديم معطيات رقمية دقيقة يعكس، في جانب منه، “تنافساً حول إنتاج الرواية الرسمية للأزمة”، لأن الإحصائيات، بحسب التحليل، لا تكتفي بوصف الواقع، بل تساهم أيضاً في بناء الشرعية المؤسساتية.

وفي المقابل، اعتبرت “ميغرابريس” أن أحد أبرز ما يميز البلاغ هو “اعترافه الصريح بالدور الذي باتت تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة الراغبين في الهجرة”، وهو ما يتقاطع، وفق المنصة، مع خلاصات دراسات سابقة أنجزتها، تفيد بأن “الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتعليق على الهجرة، بل أصبح يصنع المتخيل الجماعي، وينشر الروايات، ويضخم الشائعات، ويؤثر في قرارات الأفراد”.

وفي هذا السياق، خلص التحليل إلى أن “الحدود أصبحت اليوم رقمية بقدر ما هي مادية”، في إشارة إلى أن جزءاً مهماً من ديناميات الهجرة يبدأ داخل الفضاء الإلكتروني قبل أن ينتقل إلى المعابر الحدودية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، رأت المنصة أن البلاغ حرص على إبراز التعاون مع إسبانيا، والحديث عن المسؤولية المشتركة، والالتزام بالمواثيق الدولية، معتبرة أن هذه الرسائل “لا تستهدف الرأي العام المغربي فقط، بل توجه أيضاً إلى الشركاء الأوروبيين، في إطار سعي المغرب إلى تكريس صورته كشريك رئيسي في تدبير الهجرة بمنطقة غرب المتوسط”.

وفي ختام تحليلها، اعتبرت “ميغرابريس” أن أحداث سبتة تتجاوز كونها أزمة حدودية، لتكشف عن تحولات أعمق، من بينها استمرار اعتبار الهجرة أفقاً للمستقبل بالنسبة لجزء من الشباب المغربي، وتعاظم تأثير السياسات الأوروبية في الضفة الجنوبية للمتوسط، فضلاً عن تنامي دور المنصات الرقمية في تشكيل مسارات الهجرة.

وخلصت المنصة إلى أن بلاغ وزارة الداخلية يقدم عناصر لفهم التدبير الأمني المباشر للأزمة، لكنه يترك، بحسب تعبيرها، السؤال الجوهري دون جواب: “لماذا، رغم تشديد المراقبة وتعدد آليات الضبط، ما يزال عشرات الآلاف من الشباب المغربي يعتبرون العبور نحو سبتة أملاً في المستقبل؟” معتبرة أن النقاش ينبغي أن ينتقل من “أزمة الحدود” إلى “أزمة الآفاق”.

وقدمت وزارة الداخلية، يوم الأحد 2 غشت 2026، روايتها الرسمية لما جرى، معتبرة أن الأحداث “لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية”، بل جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها “الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور شبكات الاتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية”، قالت إنها أوهمت آلاف الأشخاص بإمكانية الوصول إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية.

وأكدت الوزارة على أن السلطات اعتمدت، منذ الساعات الأولى، “مقاربة استباقية وشمولية” شملت تعزيز المراقبة البرية والبحرية، والرفع من درجات اليقظة، وتعبئة مختلف الأجهزة الأمنية والسلطات الترابية، معتبرة أن هذه الإجراءات مكنت من “التحكم في مجريات الوضع، وحماية الأرواح، وصون النظام العام، وتأمين الحدود”.

كما أوضحت أن المعطيات الرسمية تشير إلى أن عدد الأشخاص الذين حاولوا العبور بلغ نحو 40 ألف شخص باتجاه مدينة سبتة المحتلة، و1135 شخصاً نحو مليلية، مؤكدة أن هذه الأرقام تستند إلى معطيات ميدانية وتقنية، وداعية إلى عدم الاعتماد على التقديرات المتداولة التي لا تستند، بحسبها، إلى مصادر موثوقة.

وفي ما يتعلق بالحصيلة البشرية، أعلنت وزارة الداخلية تسجيل 11 حالة وفاة، بينها حالة وفاة عرضية إثر السقوط من منطقة صخرية مجاورة لمدينة سبتة، إضافة إلى 10 حالات وفاة بسبب الغرق، مشيرة إلى أن قصر المسافة البحرية وضحالة المياه في بعض النقاط خلقا لدى عدد من المشاركين “شعوراً مضللاً بسهولة العبور”، ما دفعهم إلى التقليل من حجم المخاطر.