كأس العالم 2026.. شروط ومصاعب تهدد نجاح النسخة الجديدة
ص
ص
بعد أسابيع قليلة ستتجه أنظار العالم إلى الحدث الرياضي الأضخم على الإطلاق، والذي يتطلع إليه جمهور كرة القدم في كل القارات بكثير من الترقب بالنظر لكون دورة مونديال 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك ستكون النسخة الأولى في التاريخ التي تعرف مشاركة 48 منتخبا، سيكون منهم منتخبان يوم التاسع عشر من يوليوز المقبل على أرضية ملعب إيست راذرفورد بولاية نيوجيرسي، حيث ستُقام المباراة النهائية وسيُعلَن عن بطل جديد للبطولة.
النهائي الذي من المرتقب أن يكون خاتمة لستة أسابيع من تباري المنتخبات في مختلف الأدوار، ومباريات موزعة على ثلاثة دول تمتد على أربع مناطق زمنية، وتشمل 16 مدينة مختلفة. وعند إسدال الستار في المباراة الأخيرة، ستكون الأحكام والتقييمات قد صدرت سلفًا بشأن نجاح البطولة من عدمه.
الآن، و قبل ستة أشهر من ضربة البداية، فالموضوع الذي يهمين على الإستعدادات الجارية لتنظيم هذه النسخة غير المسبوقة من المونديال، هو ملفي تأشيرات الدخول للولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا أسعار تذاكر المباريات، الذان يثيران عاصفة من انتقادات مختلف حكومات البلدان المشاركة، ومعها استياء جماهير كرة القدم الراغبين في حضور أعرق مناسبة كروية على الصعيد العالمي، بالإضافة إلى التعقيدات المرتبطة باتساع المجال الجغرافي المحتضن للمباريات وفارق التوقيت والأحوال المناخية في الفترة التي ستدور فيها المباريات.
تعقيدات السفر والتأشيرة
عادة ينقسم السفر المرتبط ببطولات كأس العالم إلى ثلاثة مستويات رئيسية، وهي الدخول إلى الدولة المحتضنة، والتنقل بين المدن المستضيفة، ثم الحركة داخل كل مدينة على حدة.
وفي نسخة 2026، يُتوقع أن تواجه هذه المستويات تحديات متعددة أمام المشجعين القادمين من خارج أميركا الشمالية، تتقدمها ارتفاع التكاليف، محدودية الرحلات، تعقيدات قوانين مكافحة الهجرة السرية، وضعف البنية التحتية للنقل العام. ويُرجّح أن يصطدم كثير من الزوار الأجانب، خصوصًا في الولايات المتحدة، بواقع محدودية وسائل النقل الجماعي المؤدية إلى الملاعب، مقارنة بما كان متاحًا في نسخ سابقة من البطولة.
ويُعد دخول اثنتين من الدول الثلاث المضيفة — كندا والمكسيك — مسألة ميسّرة نسبيًا. فعدد كبير من مواطني الدول المشاركة في المونديال لن يحتاجوا إلى تأشيرة لدخول كندا خلال فترة البطولة، وإن كان بعضهم مطالبًا بالحصول على تصريح سفر إلكتروني. وينطبق نظام مشابه على المكسيك، حيث يُعفى مشجعو عدة دول متأهلة من تأشيرة السياحة. ولا تشير التقديرات إلى تغييرات جوهرية مرتقبة في سياسات الهجرة لدى البلدين قبل انطلاق الحدث.
غير أن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا في الولايات المتحدة، حيث تتسم السياسة الهجرية بعدم الاستقرار. فقد أثار إعلان وزارة الخارجية الأميركية، مؤخرًا، تعليق معالجة التأشيرات لمواطني 75 دولة، منبينها 14 دولة متأهلة إلى كأس العالم حالة من القلق، قبل أن يتضح أن الإجراء يقتصر على طلبات الإقامة الدائمة.
في المقابل، تستهدف قرارات حظر السفر الأخيرة التي أقرّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواطني أربع دول متأهلة هي: إيران، هايتي، السنغال، وكوت ديفوار. ورغم وجود استثناءات تخص اللاعبين وأعضاء الوفود الرسمية، فإن المشجعين القادمين من هذه الدول قد يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على تأشيرات الدخول.
أما المشجعون القادمون من دول أخرى تتطلب تأشيرة، فسيتعين عليهم اللجوء إلى نظام المسار السريع الجديد الخاص بكأس العالم، الذي يهدف إلى تقليص فترات الانتظار لمواعيد المقابلات القنصلية. وقد أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن هذا النظام سيوفر مواعيد خلال فترة تتراوح بين ستة وثمانية أسابيع.
ورغم هذه التسهيلات، يبقى خطر رفض الدخول قائمًا، حتى بالنسبة لحاملي التأشيرات، مع توقع إخضاع القادمين لاستجوابات مشددة في نقاط الوصول. كما قد يُطلب من بعض المشجعين، بمن فيهم القادمون من دول لا تحتاج إلى تأشيرة، تقديم معلومات شخصية موسعة، من بينها سجلات نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي إجراءات أثارت انتقادات حادة من روابط المشجعين التي وصفتها بأنها “غير مقبولة” وفيها انتهاك لخصوصياتهم الشخصية.
وعلى مستوى وسائل النقل، شهدت أسعار تذاكر الطيران من مختلف دول العالم إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ارتفاعا ملحوظا خلال الشهور الأخيرة، وهو أمر مألوف عند اقتراب موعد المناسبات الرياضية الكبرى. كما ارتفعت أسعار الإقامة في المدن المضيفة، خاصة بعد أن سحبت “الفيفا” آلاف الغرف الفندقية من السوق لتخصيصها للاعبين والمسؤولين والإعلاميين.
وفي هذا السياق، دعا وزير النقل الأميركي شون دافي الزوار إلى اعتماد التنقل البري بين المدن، وهو خيار يراه كثيرون غير عملي، نظرًا للمسافات الطويلة بين هذه المدن، واحتمال التأخر عن المباريات.
وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في بعض المجموعات، إذ سيضطر الفائز بالملحق الأوروبي المؤهل، إلى قطع أطول مسافة سفر في دور المجموعات، تتجاوز 3100 كلمتر، انطلاقًا من تورونتو مرورًا بلوس أنجلوس وصولًا إلى سياتل. في المقابل، ستتمتع مجموعات أخرى، مثل المجموعة التي تُقام مبارياتها في نيويورك ونيوجيرسي أو بوسطن أو فيلادلفيا، بظروف تنقل أكثر سهولة واستقرارًا.
نظام تذاكر مثير للجدل
كشف الإتحاد الدولي لكرة القدم في بيان رسمي أن مرحلة بيع التذاكر الأخيرة شهدت طلبًا غير مسبوق، إذ تجاوز عدد الطلبات نصف مليار طلب، في أول نافذة بيع تُفتح منذ إجراء القرعة النهائية في الخامس من دجنبر الماضي. وتأتي هذه الأرقام في سياق تصاعدي، بعد تأكيد بيع نحو مليوني تذكرة في المرحلة الثانية، ومليون تذكرة خلال المرحلة الافتتاحية، ما يعكس حجم الإقبال العالمي على نسخة 2026.
وتزامن هذا الطلب الكثيف مع تحول جوهري في سياسة التسعير، بعدما اعتمد الاتحاد الدولي للمرة الأولى في تاريخ البطولة نظام الأسعار المتغيرة، الذي يربط قيمة التذكرة بمستوى الطلب عليها. ونتيجة لذلك، وصلت أسعار التذاكر إلى مستويات غير مسبوقة، إذ أظهر تحليل أجرته صحيفة «الغارديان» أن تذاكر المباراة النهائية قفزت إلى ما يقارب تسعة أضعاف نظيرتها في مونديال 2022 عند احتساب التضخم، فيما طالت الزيادات الأكبر الفئات المصنفة سابقًا على أنها “اقتصادية”.
وبموازاة مع ذلك، شددت “الفيفا” قبضتها على سوق إعادة البيع من خلال إطلاق منصة رسمية تُفرض عبرها رسوم معالجة بنسبة 15% على كل من البائع والمشتري، في خطوة تهدف إلى الحد من السوق السوداء، لكنها أثارت انتقادات واسعة. وفي المكسيك، فُرضت قيود إضافية بحكم القوانين المحلية، إذ لا يُسمح بإعادة بيع التذاكر بأكثر من سعرها الأصلي، في إطار مكافحة المضاربة.
وتبرر “الفيفا” هذه السياسات بأنها تتماشى مع النماذج التجارية المعتمدة في أميركا الشمالية، وبأنها تسهم في تعظيم العائدات المالية لصالح الاتحادات الأعضاء، التي يُفترض أن تُعاد استثمارها في تطوير كرة القدم عالميًا. غير أن منتقدي هذه المقاربة يرون أن النتائج العملية تؤدي إلى إقصاء شريحة واسعة من الجماهير، حتى لو افترضت حسن النيات المعلنة من جانب الاتحاد الدولي.
وقد خرج هذا الجدل من الإطار الرياضي إلى المجال السياسي، بعدما وجّه عمدة نيويورك، زهران ممداني، التماسًا رسميًا إلى الإتحاد الدولي لكرة القدم يطالب فيه بخفض الأسعار، وجعل من القضية محورًا في حملته الانتخابية. كما أعربت روابط مشجعين عن استيائها من عدم وجود فارق سعري حقيقي بين التذاكر المخصصة للجماهير الأكثر التزامًا وتلك المعروضة لعامة الجمهور. وردًا على هذه الضغوط، أعلنت “فيفا” عن الإبقاء على حد أدنى لسعر بعض التذاكر يبلغ 60 دولارًا، غير أن هذه الفئة لا تمثل سوى 1.6% من إجمالي التذاكر المطروحة.
وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير متفرقة عن إقدام مجموعات محدودة من المشجعين على إلغاء حجوزاتهم، احتجاجًا على سياسات داخلية وخارجية للولايات المتحدة، إلا أن المعطيات المتاحة لا تشير إلى موجة إلغاء واسعة النطاق حتى الآن. أما نافذة البيع المقبلة، التي تصفها الفيفا بـ”المرحلة الأخيرة”، فلا يزال موعد فتحها غير مبرمج لحد الآن.
القيمة التقنية للدورة
قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم رفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026 إلى 48 منتخبًا، يمكن القول إن هذه الخطوة تمثل واحدة من أكثر التحولات الجذرية في تاريخ البطولة منذ انطلاقها عام 1930، ليس فقط على مستوى الشكل التنظيمي، بل على مستوى الفلسفة التي تحكم المونديال بوصفه حدثًا رياضيًا كونيًا.
فالتوسعة التي ستجعل عدد المباريات يصل إلى 104 بدل 64، وتضيف دورًا إقصائيًا جديدًا (دور الـ32)، تُقرأ في المقام الأول باعتبارها استجابة لمنطق العولمة الرياضية والسوق الإعلامي، حيث تسعى الفيفا إلى تعظيم العائدات المالية من حقوق البث والإعلانات والرعاية، وفتح أسواق جديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، مستفيدة من الاستضافة الثلاثية للولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
غير أن هذا البعد الاقتصادي، على أهميته، لا يمكن فصله عن نقاش أوسع وأكثر حساسية يتعلق بجودة المنافسة وروح البطولة. فعدد من التحليلات الأوروبية والأمريكية حذّرت من أن دخول منتخبات أقل تصنيفًا وخبرة قد يؤدي إلى تراجع المستوى الفني في مباريات دور المجموعات، خصوصًا في ظل النظام الذي يقسم الفرق إلى مجموعات من ثلاثة منتخبات، وهو نظام يرى فيه باحثون في اقتصاديات الرياضة خطرًا حقيقيًا بزيادة احتمالات “المباريات غير الحاسمة” أو حتى التواطؤ الضمني، عندما تكفي نتيجة محددة لتأهل فريقين معًا.
في المقابل، تدافع أصوات أخرى، خاصة في الإعلام الإفريقي والآسيوي، عن هذا التغيير بوصفه تصحيحًا تاريخيًا لاختلال التمثيل القاري، وفرصة نادرة لمنتخبات ظلت لعقود حبيسة التصفيات القاسية أن تعيش تجربة المونديال، بما تحمله من أثر رمزي وثقافي وتنموي على كرة القدم المحلية.
هذا التوسع، بحسب تحليلات منشورة في صحف ألمانية وبريطانية، قد لا يضعف البطولة بقدر ما يعيد تعريفها: من مسابقة نخبوية تهيمن عليها القوى التقليدية، إلى مهرجان كروي عالمي يعكس التعدد الجغرافي والديموغرافي للعبة الأكثر شعبية في العالم.
ومع ذلك، يبقى القلق قائمًا بشأن إرهاق اللاعبين وضغط الروزنامة الدولية، خاصة أن المونديال الموسع سيأتي في سياق ازدحام غير مسبوق للمسابقات القارية وبطولات الأندية، وهو ما دفع بعض النقابات الرياضية وخبراء الطب الرياضي إلى التحذير من ارتفاع مخاطر الإصابات وتراجع الأداء في الأدوار المتقدمة.
كما لا يغيب البعد البيئي عن هذا النقاش، إذ تشير تقارير متخصصة إلى أن التنقل بين عشرات المدن في ثلاث دول سيزيد من تأثير البصمة الكربونية للبطولة، في وقت ترفع فيه الفيفا شعارات البيئة النظيفة.
وبين مؤيد يرى في مونديال الـ48 منتخبًا خطوة ديمقراطية توسّع الحلم الكروي، ومعارض يخشى أن تتحول البطولة إلى منتج تجاري فاقد لحدّته التنافسية، تتقاطع الخلاصات عند حقيقة واحدة: كأس العالم 2026 لن تكون مجرد نسخة أكبر من سابقاتها، بل امتحانا حقيقيًا سيحدد مستقبل المونديال نفسه، إما بتكريس نموذج جديد أكثر شمولًا وربحية، أو بإعادة فتح النقاش حول حدود التوسع ومعنى “العالمية” في كرة القدم الحديثة.