فوزي لقجع.. بديل ممكن لأخنوش؟
عندما نستحضر اسم فوزي لقجع، فإن الصورة الذهنية التي تتشكل لدينا لا تقتصر على وجهه الرياضي، وإن كانت كرة القدم هي الباب الواسع الذي أخرجه من دائرة النخب الإدارية الضيقة إلى مجال الشهرة العمومية. في المقابل، هو ليس مجرد تكنوقراطي مالي صعد من مديرية الميزانية إلى موقع وزاري حساس. ولا هو أيضا سياسي حزبي بالمعنى التقليدي، رغم أن اسمه ظل يحوم منذ سنوات حول أكثر من حزب، وأكثر من معادلة، وأكثر من سيناريو.
فوزي لقجع هو، في صورته الأكثر تعقيدا، رجل تقاطعات عديدة، بين بركان والرباط، وبين الإدارة والقرار، ،بين كرة القدم والمالية العمومية، وبين الطموح الفردي واستراتيجية الدولة، وبين صورة المسؤول المنجز وصورة الرجل الذي تحيط به أسئلة النفوذ، وبين إعلان متكرر بعدم ممارسة السياسة وحضور سياسي لا تخطئه العين.
كلما بدا أن مساره قابل للاختزال في عنوان واحد، أفلت منه. فمن يراه من جهة كرة القدم وحدها، سيجد رئيس جامعة أعاد للمنتخبات الوطنية جزءا من توهجها، وحول الكرة إلى رافعة دبلوماسية ناعمة. ومن يراه من جهة وزارة المالية، سيجد رجل أرقام يعرف دهاليز الميزانية، ويتقن لغة الاعتمادات والقطاعات والمقاصة والاستثمار العمومي. ومن يراه من جهة السياسة، سيجد شخصية غير حزبية رسميا، لكنها حاضرة في حسابات الأحزاب، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة، منذ وقت أبكر بكثير من لحظة الحديث الراهن عن احتمال قيادته.
لذلك، لا يصلح لقجع لكتابة بورتريه أحادي الزاوية. هو ليس بطلا بلا ظلال، ولا خصما بلا إنجاز. هو، بالأحرى، ابن مسار مركب، تشكل في بيئة عائلية صارمة، وصعد عبر الإدارة، ووجد في كرة القدم مختبرا لتطبيق ما تعلمه في الدولة: الانضباط، والتمويل، والمراقبة، وبناء الشبكات، و… النتائج.
خرج من الهامش
تبدأ الحكاية من مدينة بركان، من بيت بسيط في حي “بايون”، حيث ولد فوزي لقجع في 23 يوليوز 1970، وكان الابن الأصغر بين أربعة ذكور. كان الأب، المعروف في المدينة بـ”السي لقجع”، معلما بمدرسة المسيرة، ينحدر من قرية تزاغين زكزل. والأم ربة بيت تعود أصولها إلى تافوغالت، القرية الجبلية القريبة من بركان.
هذه التفاصيل جزء أصيل من بنية الشخصية. فلقجع لم يأت من بيت سلطة ولا من عائلة سياسية، ولا من “قاع” فاس أو دروب مراكش أو الرباط، بل من محيط اجتماعي يرى في الدراسة طريقا للنجاة والترقي. سبقه إخوته إلى مسارات جامعية عليا؛ اثنان درسا في باريس، في السوربون ودوفين، وثالث حصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة محمد الخامس بالرباط. أي أنهم في هذه العائلة، لم يعتبروا المدرسة مجرد واجب، بل مشروع ارتقاء اجتماعي.
نال لقجع شهادة الباكالوريا فيس شعبة العلوم التجريبية سنة 1988 من ثانوية أبي الخير ببركان، في سياق كان التفوق الدراسي يبدو فيه امتدادا طبيعيا لنظام عائلي داخلي، عنوانه الانضباط أولا، ثم الطموح.
لكن المدرسة لم تلغ علاقة مبكرة بكرة القدم. فقد كان الطفل البركاني قريبا من النهضة البركانية، ومارس أو لامس الممارسة داخل فضائها، بحسب روايات متعددة، قبل أن ينتصر في النهاية خيار “القلم” على غواية “القدم”.
لم يكن هذا الانتصار قطيعة مع الكرة. فقد بقيت اللعبة في الداخل، كحلم مؤجل، أو كحقل عاطفي سينتظر لحظة العودة. وربما في هذه النقطة تحديدا يكمن جزء من سر لقجع. لا يدخل المجالات التي يحبها بوصفه هاويا فقط، بل يعود إليها محملا بأدوات الإدارة والضبط والميزانية. لذلك لم تكن عودته إلى نهضة بركان عودة مشجع، بل عودة رجل يريد أن يبني مؤسسة.
الرباط كامتحان للطموح
كان بقاء فتى متفوق في مدينة صغيرة، مهما كانت محبوبة، يهدد سقف الطموح. لذلك كانت الرباط محطة طبيعية، وربما حتمية.
هناك التحق فوزي لقجع بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وحصل على دبلوم مهندس فلاحي. ثم مر لاحقا من المدرسة الوطنية للإدارة بالدار البيضاء، قبل أن يدخل مسارات وزارة الفلاحة ثم وزارة المالية.
داخل الإدارة، بدأ المسار يأخذ شكله الحقيقي. فقد التحق بالمفتشية العامة للمالية، ثم انتقل إلى مديرية الميزانية، حيث سيصبح سنة 2000 رئيسا لشعبة المجالات الإدارية، قبل أن يتدرج في ملفات الزراعة والمقاصة، ثم يتولى إدارة ميزانية الدولة.
بعد عشر سنوات، صار لقجع مديرا للميزانية، وهي واحدة من أكثر المناصب حساسية داخل الدولة، لأنها لا تمنح لصاحبها سلطة تقنية فقط، بل تمنحه معرفة دقيقة بخريطة الدولة نفسها: من يطلب ماذا؟ ومن ينفق؟ ومن يعجز عن الإنفاق؟ من يفاوض؟ ومن يملك هامش القرار؟
الميزانية بطبيعتها ليست أرقاما صماء. في بلد مثل المغرب، هي لغة الحكم الفعلي. لذلك فإن المدير الذي يمر من هذا الموقع لسنوات طويلة لا يكتسب فقط كفاءة حسابية، بل يراكم معرفة سياسية عميقة، حتى لو لم يكن سياسيا.
يعرف القطاعات، ويعرف الوزراء، ويعرف مطالب البرلمان، ويعرف حدود الإمكان، ويعرف كيف تتحول الأرقام إلى نفوذ.
لهذا لم يكن تعيينه سنة 2021 وزيرا منتدبا لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلفا بالميزانية مفاجأة. لقد كان الرجل قد أصبح، قبل ذلك، واحدا من الوجوه الإدارية التي تنتمي إلى ما يمكن تسميته رجال الدولة التقنيين. أي تلك الشخصيات التي لا تأتي عبر صناديق الأحزاب، لكنها تكتسب حضورها من الكفاءة، ومن الثقة، ومن قدرتها على إدارة الملفات المعقدة.
غير أن هذه الصورة لا تكتمل دون ظلها. فالصعود داخل الإدارة المغربية لا يُقرأ دائما بوصفه ثمرة كفاءة. تذكر بعض الروايات أن وجود خال نافذ له، اسمه عمر لهبيل، المسؤول المركزي في شركة سوجيطا الفلاحية، فتح أمامه بعض الأبواب الأولى في وزارتي الفلاحة والمالية.
لكن ما يهم في مثل هذه المعطيات، من زاوية بروفايل يتحرى التوازن، ليس تحويلها إلى حكم إدانة أو براءة، بل فهم طبيعة الصعود في المغرب. الكفاءة تحتاج أحيانا إلى باب، لكن الباب لا يكفي وحده لصناعة مسار طويل إذا لم يجد وراءه قدرة على العمل والاستمرار.
رجل الأرقام والأضواء
بدا فوزي لقجع لوقت طويل، رجل مكاتب مغلقة. مدير الميزانية لا يظهر في الواجهة مثل الوزير، لكنه يكون حاضرا في كل الملفات تقريبا. يبدأ يومه مبكرا ولا ينهيه بسهولة. في وزارة المالية، وفي الجامعة الملكية لكرة القدم، ثم في مركب محمد السادس لكرة القدم، يبدو كأنه يضاعف اليوم الواحد إلى أكثر من يوم.
هنا تظهر إحدى سمات هذه الشخصية: الميل إلى السيطرة على التفاصيل. هذا الميل يمكن أن يكون فضيلة في الإدارة، لأنه يمنع الفوضى ويضمن النتائج؛ لكنه قد يتحول أيضا إلى مصدر انتقاد عندما يبدو صاحبه مركزا للقرار أكثر مما ينبغي.
لهذا لا غرابة أن نجد في صورته وجهين متلازمين. فهو عند أنصاره رجل نجاعة، يعرف أين يذهب، ولا يترك الملفات للارتجال؛ وعند خصومه هو رجل يميل إلى احتكار القرار، يثق في دائرته الضيقة، ولا يترك الكثير من المساحات خارج قبضته.
ستنتقل هذه السمة معه من المالية إلى الكرة، ومن الكرة إلى الدبلوماسية الرياضية، ثم إلى السياسة المحتملة. فلقجع لا يظهر كشخصية خطابية بالمعنى التقليدي، ولا كزعيم جماهيري يصنع حضوره من الارتجال فوق المنصات. يصنع حضوره من صورة أخرى، لرجل ملفات ونتائج، يعرف كيف يمسك الخيوط، ويترك الأثر قبل أن يشرح النية.
نهضة بركان.. مختبر صغير
لو لم تكن نهضة بركان في حياته، ربما بقي لقجع في صورة التقني المالي الرفيع. فالنادي كان النافذة التي أخرجته من الضيق الإداري إلى العموم. لكن علاقته بالفريق لم تبدأ من الرئاسة، بل ظل، وهو موظف في الرباط، يتتبع أخبار نهضة بركان، ويحضر مباريات بعيدة، ويدعم اللاعبين ماديا ومعنويا، حتى وهو مجرد ابن للمدينة مقيم في العاصمة.
تتردد روايات دقيقة عن بدايات دعمه للفريق مطلع الألفية، من خلال حضوره خفية لمباريات في نواحي فاس ومكناس والرباط، وتدخله في واقعة انتهت بلاعبي الفريق لدى الدرك، ومنحة أولى بقيمة 300 درهم للاعبين، وتكفلّه بمصاريف التنقل، واقترابه التدريجي من محيط الفريق.
هذه التفاصيل الصغيرة مهمة لأنها تكسر صورة الرجل الذي هبط على الكرة من فوق. هو في حالة نهضة بركان لم يبدأ من المكتب المكيف، بل من الهامش، ومن الملاعب الترابية، ومن فريق كان بعيدا عن أضواء البطولة.
عام 2009، حين كان الفريق يبحث عمن يعيده إلى الحياة، قبل لقجع مهمة الرئاسة. وهنا سيختبر أدواته الأصلية، مثل التنظيم، والميزانية، والحكامة، والبحث عن الموارد، وتكوين فريق عمل محلي ينوب عنه أثناء غيابه…
لم يتعامل فوزي مع النادي بوصفه واجهة عاطفية فقط، بل بوصفه مشروعا. قام بإصلاح الملعب البلدي، وبناء مقر، وهيكلة الإدارة، والتفكير في مركز تكوين، واستقطاب أطر، وإخراج الفريق من أقسام الهواة إلى قسم الأضواء.
بعد سنوات قليلة، صار الفريق نموذجا مثيرا للجدل. بالنسبة إلى أنصاره، نهضة بركان ثمرة مشروع طويل بدأ قبل أن تكون الألقاب ممكنة. وبالنسبة إلى خصومه، النادي استفاد من نفوذ صاحبه داخل الدولة والجامعة، ومن دعم عمومي، ومن وضعية غير متكافئة مع باقي الأندية.
بين القراءتين، توجد الحقيقة الأكثر تعقيدا: لا يمكن إنكار التحول البنيوي الذي عرفه النادي، ولا يمكن في المقابل تجاهل أن تحول فريق مدينة صغيرة إلى قوة كروية كبرى في ظل صعود راعيه إلى مواقع نافذة يفتح تلقائيا باب الأسئلة.
لقد فازت نهضة بركان بكأس العرش، وحققت ألقابا قارية في كأس الكونفدرالية، ثم دخلت سجل البطولة الوطنية. لكن إنجازاتها ليست موضوع هذا البروفايل إلا بقدر ما تكشف طريقة لقجع: يبدأ من فضاء صغير، ثم يعيد ترتيب قواعده، ويحوله إلى منصة، ثم يجعل المنصة جزءا من صورة أكبر.
حين صارت الكرة ملف دولة
لم يكن انتقال فوزي لقجع إلى رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مجرد ترق رياضي؛ بل كان انتقالا من مشروع محلي إلى ملف وطني. في الجامعة الملكية، وجد المجال الذي يسمح له بتجميع كل ما يملكه: حب اللعبة، وخبرة الميزانية، ومعرفة الدولة، والقدرة على التفاوض، والحس التنظيمي.
تحت رئاسته، عرفت الكرة المغربية قفزة في بنياتها وتدبيرها، لا ينكرها حتى كثير من منتقديه. صحيح أن بعض البدايات تعود إلى عهد الراحل علي الفاسي الفهري، لكن لقجع منح تلك المشاريع سرعة أكبر، وربط الجامعة بمنطق المؤسسة الحديثة.
مركب محمد السادس لكرة القدم، الذي صار واجهة دولية، ليس مجرد بنية رياضية، بل عنوان لطموح مغربي يريد أن يقول إن كرة القدم لم تعد لعبة شعبية فقط، بل صناعة دولة.
مع نتائج المنتخبات الوطنية، تضخمت صورة الرجل. فقد تأهل المنتخب إلى كأس العالم 2018 بعد غياب طويل، ثم جاءت الإنجازات اللاحقة للكرة المغربية قاريا وعالميا، لتمنح لقجع شرعية شعبية لا تمنحها مديرية الميزانية. هذه الأخيرة تمنح النفوذ، لكن الكرة تمنح الاعتراف.
غير أن هذا النجاح لم يغلق ملفات الانتقاد. لا يزال خصومه يتحدثون عن ضعف إصلاح الأندية، وعن تعثر تحويلها إلى شركات رياضية حقيقية، وعن استمرار أعطاب البطولة الوطنية، وعن عناية كبيرة بالمنتخبات والواجهة الدولية مقابل بطء في إصلاح العمق المحلي.
كما ينتقد البعض جمعه بين مواقع متعددة داخل الجامعة، ويميلون إلى وصف أسلوبه بالانفرادي. لتبرز مرة أخرى، الصورة مركبة: رجل أنجز الكثير، لكنه في الوقت نفسه أنتج مركزية قوية تجعل كل نجاح محسوبا عليه، وكل خلل محسوبا عليه أيضا.
الكرة كدبلوماسية دولة
حين انتخب فوزي لقجع سنة 2017 عضوا في المكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، لم يكن الأمر مجرد انتصار شخصي. فوزه الكاسح على الجزائري محمد روراوة، أحد أقدم رجال الكاف، لم يكن مفهوما إلا في سياق عودة المغرب إلى سياسة التأثير داخل إفريقيا.
لقد انتقل المغرب، في المجال الكروي القاري، من موقع الاحتجاج على الهامش إلى موقع المشاركة في صناعة القرار.
كان لقجع أحد وجوه هذا التحول. خلفيته المالية والإدارية جعلته مناسبا للجان الاستراتيجية داخل الاتحاد القاري، مثل المالية، والأندية، والمسابقات. وهناك لم تعد الكرة مجرد مباريات، بل شبكة علاقات واتفاقيات ومصالح وتموقعات.
في الاتحاد الدولي “فيفا”، تعززت الصورة أكثر. مغربي يدخل دوائر القرار العالمية، ليس كنجم رياضي، بل كرجل إدارة ودولة. وفي هذه النقطة تحديدا يظهر لقجع كجزء من استراتيجية أوسع لاستخدام الرياضة بوصفها قوة ناعمة، وربط كرة القدم بصورة المغرب في إفريقيا والعالم.
لم تكن الرياضة هنا محور الشخصية، بل أداة من أدواتها. فمن خلالها وسع لقجع شبكاته، وأصبح اسمه معروفا خارج دوائر المالية والإدارة. ومن خلالها أيضا اكتسب جزءا من ذلك البريق السياسي الذي يجعل الأحزاب تفكر فيه، حتى وهو يكرر أنه لا يمارس السياسة.
“صديق” إلياس العماري
يتحرك اسم فوزي لقجع، منذ سنوات، في المجال السياسي دون أن يستقر رسميا داخله. ففي 2017، ارتبط اسمه بحزب التجمع الوطني للأحرار، وبتوقع توليه تنسيق الجهة الشرقية عقب جولة عزيز أخنوش في وجدة، قبل أن تكشف اللائحة النهائية عن اسم آخر.
قيل وقتها إن انشغالاته الكثيرة في الجامعة ومديرية الميزانية كانت سببا في استبعاده، كما قيل إن تعقيدات الجهة الشرقية وخلافاتها جعلت الاختيار أكثر حساسية.
تكشف هذه الواقعة أن لقجع كان، قبل أن يتضخم اسمه الحالي، شخصية قابلة للتوظيف سياسيا. فهو ابن منطقة الشرق، ورجل إدارة، ورئيس جامعة، وقريب من دوائر القرار، وصاحب صورة إنجاز.
هذه المواصفات نادرة في الحياة الحزبية المغربية، حيث تبحث الأحزاب غالبا عن وجوه تجمع بين القبول العمومي والحضور المؤسساتي. لكن العلاقة الأكثر تعقيدا ليست مع الأحرار، بل مع حزب الأصالة والمعاصرة.
لا يمكن فهم علاقة فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة دون المرور من إلياس العماري. العلاقة بين الرجلين ليست طارئة، ولا وليدة حسابات 2026، ولا مجرد تقاطع ظرفي حول مستقبل الحزب. هي، بحسب تصريحات الطرفين، علاقة تعود إلى بداية التسعينات، حين كان لقجع يدرس في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة.
روى إلياس العماري، في أكثر من مناسبة، أن لقجع كان أكثر من صديق، وأن العلاقة تعود إلى عقود. وذهب أبعد من ذلك حين قال إن لقجع استضافه في بيته بالمعهد حين كان العماري محكوما بالسجن وهاربا من حكم نافذ.
هذه الرواية، بغض النظر عن تقدير دقتها التفصيلية، تكشف عمق العلاقة كما يريد العماري تقديمها، أي ليست علاقة مناسبة، بل علاقة زمن صعب.
من جهته، قال لقجع في حوار سابق سنة 2014، إن إلياس العماري صديق قديم يعرفه منذ كان طالبا، وإن العلاقة تعود إلى نحو خمسة وعشرين عاما. لكنه حرص في الوقت نفسه على نفي أي صلة سياسية لهذه العلاقة، مؤكدا أنه لا يمارس السياسة، وليس منتميا لأي حزب، وأنه إذا قرر ممارسة السياسة فسيقوم بذلك “بوجه مكشوف”.
هذه الجملة الأخيرة مفتاح لفهم سلوك لقجع. فهو لا ينفي العلاقات، لكنه ينفي التوظيف الحزبي لها. ولا يقطع مع السياسيين، لكنه يرفض أن يظهر في صورة التابع لهم. يسمح بالالتباس، لكنه يترك لنفسه هامش إنكار واسع.
هذه واحدة من خصائص الشخصيات التي تتحرك بين الدولة والأحزاب. أن تكون قريبا بما يكفي لتفهم اللعبة، وبعيدا بما يكفي لتقول إنك لست جزءا منها.
البام ولقجع علاقة قديمة
فكرة أن يتولى فوزي لقجع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة ليست جديدة. ربما تبدو اليوم أكثر قابلية للتداول بسبب تراجع صورة بعض القيادات، وحاجة الحزب إلى وجه قوي، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وارتباط لقجع بملف كأس العالم 2030 وبصورة الإنجاز. لكنها ليست وليدة هذه اللحظة.
في 2023، جرى الحديث إعلاميا عن لقاءات بين إلياس العماري ولقجع في سياق مزعوم لإعداد هذا الأخير لقيادة الحزب في مرحلة لاحقة، على خلفية اعتبار عبد اللطيف وهبي عبئا على الحزب.
نفى العماري حينها أن تكون هناك لقاءات سرية أو تدخل في الشأن التنظيمي للحزب، لكنه لم ينف علاقته الطويلة بلقجع، بل أكد احترامه له وتقديره لمساره.
وفي 2026، عادت المعطيات المتداولة حول تحركات العماري من وراء الستار، ودعمه المحتمل لصعود لقجع إلى الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة.
هذه المرة حضر اسم يونس السكوري كمنافس محتمل، وحضرت أيضا لغة الأجنحة داخل الحزب. جناح الريف، وأصحاب مراكش، في سياق البحث عن قيادة جديدة، التحضير لمؤتمر غشت المحتمل، واستحقاقات 2026.
سواء تحققت هذه السيناريوهات أم لا، فإن مجرد تكرارها عبر الزمن يعني أن لقجع صار، منذ سنوات، جزءا من مخيال البام حول “القائد الممكن”. لماذا؟ لأن الحزب الذي تأسس أصلا حول فكرة المشروع السياسي الكبير ظل يبحث عن شخصية تجمع بين السلطة الرمزية والفعالية.
كان إلياس العماري في مرحلة معينة تجسيدا لذلك النمط. فهو رجل نفوذ، وشبكات، وجرأة سياسية. بعده دخل الحزب في دورات من الصراع والتآكل والتطبيع الحكومي.
وفي لحظة البحث عن إعادة انبعاث، يبدو لقجع بالنسبة إلى البعض داخل الحزب نسخة جديدة من “رجل المرحلة”. فهو أقل تواصلا من العماري، وأكثر مؤسساتية، وأكثر ارتباطا بالإنجاز، وأكثر قبولا لدى دوائر القرار.
لكن هنا أيضا تكمن الصعوبة. فالبام حزب سياسي، لا هو مديرية ميزانية ولا جامعة كرة. وقيادة حزب تعني التعامل مع المنتخبين، والأعيان، والتنظيمات الجهوية، والطموحات الشخصية، والغضب الداخلي، وممارسة الخطاب، وتدبير الصراع، وخوض الانتخابات، والإنصات للشارع…
لذلك، إذا كان لقجع يغري البام بصورة المسؤول “المنجز”، فإن الحزب قد يختبر فيه شيئا آخر: هل يستطيع رجل الدولة التقني أن يتحول إلى رجل سياسة؟
أسئلة النفوذ الحارقة
لا توجد شخصية بهذا القدر من التقاطعات دون أسئلة. وبعض الأسئلة يتعلق بكرة القدم: هل استفادت نهضة بركان من موقع لقجع داخل الجامعة والدولة؟ هل كانت طفرته الرياضية نتيجة نموذج مؤسساتي قابل للاستنساخ، أم أن هناك نفوذا غير معلن؟ هل يعامل النادي مثل باقي الأندية؟
المدافعون عن لقجع يقولون إن المشروع بدأ من الهواة، وإن الفريق انتظر سنوات قبل أن يحصد البطولة، وإن الدعم العمومي تستفيد منه كل الأندية. والمنتقدون يرون أن النجاح لا ينفصل عن القوة الاعتبارية لصاحبه.
بعض الأسئلة يتعلق بالمالية والعلاقات الاقتصادية. تتردد في سيرة الرجل معطيات عن مساهمته في رأسمال “سوناكوس” المملوكة أساسا للدولة، وعن صلات مصاهرة، وأسئلة حول دوره في صندوق التنمية القروية، وتداخل العلاقة بأخنوش الذي يكاد يرمز لكل شيء سيء في المرحلة الراهنة.
لا تكفي هذه المعطيات لبناء حكم نهائي، لكنها جزء من البيئة التي تحيط برجل يمسك أو أمسك بملفات مالية حساسة، ويتحرك في فضاء تتقاطع فيه الإدارة والاقتصاد والإشهار والسياسة.
هناك أسئلة حول المال الخاص والسلطة الرمزية. فبعد حادثة سرقة فيلته بتمارة سنة 2017، وما راج حول مبلغ مالي كبير تم العثور عليه بداخلها، واجه لقجع انتقادات حول الثروة والممتلكات. رد في وقت لاحق بتحدي منتقديه أن يجدوا له أو لأسرته ممتلكات غير شقة يسكنها وعقار بتافوغالت اشتراه تكريما لأجداده، لكن هذه الواقعة، حتى لو لم تحسم شيئا نهائيا، تكشف طبيعة المجال الذي يتحرك فيه كرجل قوي، محاط بالشائعات، يرد أحيانا بحدة، ويعرف أن صورته لا تصنعها الإنجازات وحدها، بل تصنعها أيضا الأسئلة.
الصرامة بوصفها رأسمالا ومشكلة
من خلال الخيوط المتناثرة في مسار فوزي لقجع، تظهر ملامح متكررة: رجل عمل، ورجل تفاصيل، صارم، ومباشر، لا يحب الثرثرة، ولا يترك الملفات مفتوحة أكثر مما ينبغي. يملك قدرة كبيرة على الإقناع، ويتحدث بالعربية والفرنسية بطلاقة.
في صورته الجسدية نفسها شيء من هذه الدلالة: ملامح صارمة، ونظارات دقيقة خاصة أثناء “مداعبة” السيجارة، قصة شعر عسكرية، وجسد يوحي بالانضباط رغم حياة المكاتب .
لكن الصرامة التي تصنع النجاعة قد تصنع الخوف أيضا. والقرب من القرار الذي يسمح بتنفيذ المشاريع قد يصنع شبهة النفوذ. والقدرة على الإقناع قد تبدو للبعض قدرة على فرض الرواية.
لذلك، لا يمكن تقديم لقجع كأنه نموذج صاف لرجل الدولة الحديث، ولا شيطنته كأنه مجرد واجهة لقوة غامضة. الأرجح أنه ابن منظومة، وفاعل داخلها، ومستفيد من قواعدها، وفي الوقت نفسه صاحب كفاءة حقيقية جعلته أكثر من مجرد اسم مدفوع من الخلف.
أهم ما في شخصيته أنه لا يكتفي بالموقع الذي يشغله. كل موقع يتحول عنده إلى منصة لعبور أكبر. نهضة بركان لم تبق ناديا صغيرا، بل صارت مختبرا مفتوحا. والجامعة لم تبق مؤسسة رياضية، بل صارت أداة دبلوماسية. والميزانية لم تبق إدارة تقنية، بل صارت مصدر ثقل سياسي. والصداقة القديمة مع إلياس العماري لم تبق حكاية طلابية، بل صارت مدخلا دائما لقراءة احتمال سياسي اسمه “لقجع على رأس البام”.