عام على مأساة أسيدون.. محتجون أمام النيابة العامة: “نريد إجابات لا فرضيات”
تظاهر عشرات الحقوقيين والسياسيين والنشطاء، يوم الثلاثاء 11 غشت 2026، أمام مقر رئاسة النيابة العامة بالرباط، للمطالبة بكشف الحقيقة كاملة في قضية وفاة المناضل سيون أسيدون، وذلك بالتزامن مع مرور عام على العثور عليه مغمى عليه داخل منزله في ظروف لا تزال تثير تساؤلات لدى الرأي العام المغربي.
ورفع المشاركون في الوقفة صور أسيدون ولافتات تطالب بكشف الحقيقة، من بينها: “نريد الحقيقة لا الفرضية”، و”عام مضى والحقيقة غائبة”، و”من الجاني؟”، و”العدالة لسيون”، و”حادث أم اغتيال؟”.
كما ردد المحتجون شعارات من قبيل “الحقيقة فين هي؟” و”لا نريد فرضيات، نريد إجابات”، و”أسيدون ارتح، سنواصل الكفاح”، إلى جانب شعارات منددة بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، من بينها “شعب المغرب قرر: لا تطبيع لا سفارة”.
وخلال الوقفة، تم تسليم رسالة إلى رئاسة النيابة العامة تتضمن مجموعة من التساؤلات والمطالب المرتبطة بمآل الملف، وبالمعطيات التي استندت إليها النتائج المعلنة بشأن ظروف إصابة أسيدون ووفاته.
الغزاوي: مسار تصعيدي
في هذا الصدد، قال إسماعيل الغزاوي، الناشط في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها “BDS” بالمغرب، إن “العثور على أسيدون أثار منذ اللحظة الأولى علامات استفهام واسعة”، معتبراً أن الأجوبة التي قدمتها الجهات الرسمية لم تكن كافية أو مرضية.
وأضاف الغزاوي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن التقارير الأولى، وفق المعطيات التي يستند إليها، “لم تكن تجزم بشكل قطعي ويقيني بصحة فرضية السقوط”، وهي الفرضية التي قال إن النيابة العامة سارعت إلى تبنيها والإعلان عنها في بلاغها الأول.
وأشار إلى أنه أمام هذا الغموض، بادر الفريق القانوني المتابع للملف إلى مراسلة السلطات المختصة للمطالبة بالكشف عن ملابسات أخرى محيطة بالواقعة، كما دعا إلى تشكيل فريق طبي متخصص في الطب الشرعي لمتابعة ومراقبة الحالة الصحية لأسيدون والوقوف على تفاصيلها بدقة، خلال فترة بقائه في حالة غيبوبة.
وأضاف أن هذا الطلب لم تتم الاستجابة له، رغم توجيه مراسلة ثانية للتأكيد عليه، مشيراً إلى أن الوضع ظل معلقاً دون استجابة إلى أن فارق أسيدون الحياة في السابع من نونبر 2025.
وبحسب الغزاوي، فقد تم عقب الوفاة الاستعانة بالطب الشرعي لإجراء التشريح، غير أن هذه العملية “لم يصدر عنها أي تقرير كامل ومفصل”، بحسب تعبيره، وإنما جرى الاقتصار على تداول بعض المعلومات التقنية العامة التي كانت “معروفة مسبقاً، وذلك لتبرير وترجيح فرضية السقوط وتثبيتها”.
ويرى الغزاوي أن هذه الإجراءات والملابسات التي وصفها بالمحاطة بالتعتيم فرضت “التمسك بمتابعة الملف بالكثير من الصرامة والمسؤولية”، وإعادته بقوة إلى الواجهة الإعلامية والحقوقية.
وأضاف أن هذا التحرك يأتي بعدما تبين أنه لم يتم التحفظ على الملف بالشكل المطلوب، كما لم يجرِ إطلاع الفريق القانوني للراحل أو إخباره بأي مستجدات رسمية طوال الفترة الماضية.
وفي سياق آخر، أشار الغزاوي إلى ما وصفه بـ”المصادفة والمفارقة الرمزية” المتمثلة في تزامن مرور عام على القضية مع ذكرى استشهاد الصحافي الفلسطيني أنس الشريف في قطاع غزة، معتبراً أن هذا التزامن يبعث برسالة قوية مفادها أن “محاولات إسكات الحقيقة أمر لا يمكن ولا يجب السكوت عنه”.
وبخصوص الوقفة الاحتجاجية أمام مقر رئاسة النيابة العامة، قال الغزاوي إن المحتجين يقفون أمام المؤسسة لمساءلتها بشكل مباشر عن أي جديد في القضية، والمطالبة بـ”إخراج الحقيقة كاملة دون نقصان”.
وأضاف أنه في حال تم اتخاذ قرار بحفظ الملف، فإنه يجب تمكين الفريق القانوني من حقه في الحصول على الملف الطبي والتحقيقي الكامل، والوقوف على مختلف الملابسات والظروف المحيطة بالواقعة، بما يسمح بفهم ما جرى بدقة.
وأشار إلى أن الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع “قامت بتسليم مراسلة جديدة إلى النيابة العامة تتضمن مختلف التساؤلات والمطالب المعلقة التي لا تزال تنتظر جواباً رسمياً وحاسماً”.
وشدد الغزاوي على أن هذه الخطوة الرمزية تمثل “بداية فقط لمسار تصعيدي جديد على المستويين الميداني والقانوني” للمطالبة بكشف الحقيقة كاملة.
وأكد على أن سيون أسيدون “لم يكن شخصاً عادياً، بل كان قامة نضالية فذة وعلامة فارقة” في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الإنسان في المغرب وخارجه، ومناصرة مختلف القضايا العادلة عبر العالم.
بنعبد السلام: غموض كبير يلف ملف أسيدون
من جانبه قال عبد الإله بنعبد السلام، منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان إن ملف وفاة سيون أسيدون “يكتنفه غموض كبير منذ البداية”، معتبراً أن الراحل “ليس شخصية عادية”، وأنه لعب دوراً كبيراً في مجال دعم القضية الفلسطينية.
وأضاف بنعبد السلام، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن أسيدون كان “المنسق الوطني لحركة مقاطعة إسرائيل (BDS) بالمغرب”، معتبراً أن نشاطه “أزعج جهات متعددة، وعلى رأسها الأجهزة المخابراتية الصهيونية”، بالنظر إلى الدور الذي كان يقوم به.
وأوضح أن هذا الانزعاج، وفق قراءته، برز خصوصاً بعد أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاها من تحركات قادتها حركة “BDS” بشأن ما وصفه بـ “سفن الإبادة” التي كانت ترسو في ميناء طنجة المتوسط وميناء الدار البيضاء، في إشارة إلى السفن التابعة لشركة ميرسك، والتي تتهم بنقل شحنات عسكرية إلى إسرائيل.
وأشار بنعبد السلام، وهو عضو السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، حيث كان ينشط أسيدون أيضاً، أن هذا الأخير بحكم مجال اشتغاله المهني المرتبط بقطاع السفن، كانت لديه دراية بهذا المجال، و”كان يحصل على معلومات بشأن الحاويات وطبيعة الأسلحة التي كانت تتضمنها”.
واعتبر أن هذه الأنشطة “أزعجت الكيان الصهيوني ومخابراته”، مشيراً إلى أن الأسلوب الذي يقول إنه اعتمد في واقعة أسيدون “ليس جديداً على هذه الأجهزة”، مستحضراً عمليات اغتيال سابقة طالت قيادات من حركة حماس وغيرها في دول عدة، وبأساليب مختلفة.
وبناءً على ذلك، قال بنعبد السلام إن “الأسلوب الذي اعتمدته هو أسلوب يظهر أنه لأجهزة المخابرات”، مؤكداً في الوقت نفسه أن المطالبة تظل، كما يقول، منصبة على “حقنا في الوصول إلى الحقيقة، الحقيقة التي تخدم العدالة”.
وتأتي الوقفة استجابة لتحرك أطلقته حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، التي يعد أسيدون أحد أبرز مؤسسيها، في وقت يطالب فيه الموقعون على عريضة حقوقية أطلقت بالمناسبة بكشف مآل التحقيق وتمكين الفريق القانوني المتتبع للملف من الاطلاع على الوثائق والخبرات المنجزة.
وكان أسيدون قد عُثر عليه، في 11 غشت 2025، مغمى عليه داخل منزله، مصاباً بإصابات خطيرة على مستوى الرأس، قبل أن يفارق الحياة في 7 نونبر من العام نفسه متأثراً بمضاعفات تلك الإصابات.