story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

رغم نمو الاقتصاد بـ4.9%.. تقرير يرصد فجوة الأرقام والواقع في المغرب

ص ص

رغم تسجيل الاقتصاد المغربي واحداً من أفضل معدلات النمو خلال السنوات الأخيرة، يرى تقرير حديث أن هذا الأداء الاقتصادي لم ينعكس بالقدر نفسه على الواقع الاجتماعي، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب وسوق الشغل، وهو ما يعتبره أحد مفاتيح فهم الأزمات الاجتماعية التي برزت مؤخراً، وفي مقدمتها موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة.

ويشير التقرير، الذي صدر عن “المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة”، إلى تحقيق الناتج الداخلي الخام نمواً حقيقياً بنسبة 4.9% خلال سنة 2025، وهو “أفضل أداء منذ نحو عقد”، بالتوازي مع تراجع معدل التضخم إلى 0.8%، وتحسن عجز الميزانية إلى 3.5% من الناتج الداخلي الخام، إضافة إلى ارتفاع الاستثمار الثابت بنسبة 14.4%.

غير أن هذه المؤشرات الكلية، بحسب التقرير الذي نشر تحت عنوان “أزمة سبتة والشباب المغربي”، لم تتحول تلقائياً إلى تحسن ملموس في أوضاع الأسر، إذ لم يزد الاستهلاك الخاص سوى بـ 1.2%، ما يعكس بطء انتقال ثمار النمو إلى الحياة اليومية للمواطنين.

ويعتبر معدو التقرير أن “مفارقة الطلب” تعد من أبرز مؤشرات هذا الاختلال، إذ كانت “وتيرة الاستثمار وبناء الأصول أسرع بكثير من وتيرة تحسن القدرة الشرائية للأسر”، وهو ما يجعل الاقتصاد يبدو قوياً على مستوى المؤشرات الماكرو-اقتصادية، بينما يظل الإحساس الاجتماعي بالتحسن محدوداً.

ويؤكد التقرير أن المؤشرات الكلية، من قبيل تراجع التضخم وتحسن التوازنات، لا تكفي وحدها للحكم على أثر السياسات العمومية، لأن المواطن يقيس نجاح الاقتصاد “بالدخل الحقيقي، وإمكان الحصول على عمل، وتكلفة السكن والنقل، وبناء على قدرته على التقدم داخل البلد”، أكثر من قياسه بمعدلات النمو أو الناتج الداخلي الخام.

كما يلفت التقرير إلى أن الاقتصاد المغربي أحدث نحو 193 ألف منصب شغل صاف خلال سنة 2025، “وهو رقم إيجابي، لكنه يظل دون مستوى الضغط المتراكم على سوق العمل”، الذي يقدره التقرير بحوالي 370 ألف منصب سنوياً فقط لتثبيت معدل التشغيل، ما يجعل السوق عاجزاً عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين الجدد.

ويؤكد التقرير أن المشكلة لا تختزل في معدل البطالة وحده، بل “تمتد إلى ضعف المشاركة في اليد العاملة”؛ فخلال الفصل الأول من سنة 2026 بلغ معدل المشاركة 41.8% فقط، أي أقل بنحو عشرين نقطة من المتوسط العالمي، بينما لم تتجاوز مشاركة النساء 17.5%. كما بلغ معدل “عدم الاستخدام المركب للعمل”، وهو مقياس أوسع من البطالة الصارمة، 22.5% وطنياً، و45.3% لدى الشباب بين 15 و24 سنة، بما يعكس اتساع الفجوة بين الفئات القادرة على العمل وتلك المنخرطة فعلياً في النشاط الاقتصادي.

ويبرز التقرير أيضاً ما يسميه بـ “حلقة الخبرة المفقودة”، حيث يجد الشباب أنفسهم أمام معادلة “لا وظيفة بلا خبرة، ولا خبرة بلا وظيفة”. ووفق المعطيات، يعتبر 56% من الشباب الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي أن “نقص الخبرة المهنية يمثل العائق الأول أمام ولوجهم سوق الشغل”.

ويربط التقرير هذا الواقع باتساع فئة الشباب الموجودين “خارج التعليم والتكوين والعمل” (NEET)، التي بلغ عددها حوالي 2.94 مليون شاب وشابة، أي 33.6% من هذه الفئة العمرية، محذراً من “ضياع النافذة الديموغرافية المحدودة زمنياً” التي يمتلكها المغرب، مما يطرح خطر أن “يشيخ المغرب قبل أن يغتني”.

ويرى التقرير أن هذه المؤشرات تعني بقاء جزء مهم من الطاقات البشرية خارج الدورة الإنتاجية، معتبراً أن هذه الظاهرة تشكل “أحد أكبر الاحتياطيات غير المستغلة للنمو”.

وعلى المستوى المحلي، يتوقف التقرير عند عمالة المضيق-الفنيدق كنموذج لـ “الهشاشة الترابية المتراكمة”؛ إذ بلغ معدل البطالة فيها 29% سنة 2024، فيما تراجع معدل النشاط من 51.4% سنة 2014 إلى 45.3%. كما وصلت البطالة وسط النساء هناك إلى 37.4%.

وفي هذا السياق، يعتبر التقرير أن موجة العبور الجماعي لم تكن نتيجة الشائعة وحدها، بل لأن “الشائعة كانت شرارة التقطت هشاشة متراكمة”. ويشير إلى أن إغلاق أنشطة “التهريب المعيشي” تم من دون توفير “البديل قبل الإغلاق”، ما جعل المنطقة “فضاء سريع التأثر بالشائعات المرتبطة بالهجرة”.

ويؤكد التقرير أن هذه الأرقام لا تعني أن جميع المشاركين ينحدرون من الفنيدق، لكن خصوصية هذا المجال الحدودي وتفاوته الاقتصادي المرئي مع الضفة الأخرى “جعلته بيئة سريعة الاشتعال محلياً”.

ويشدد التقرير على أن “النمو يخلق وظائف، لكنه لا يخلقها بالوتيرة الكافية لمواكبة الضغط الديموغرافي”، موضحاً أن السياسات الاقتصادية يجب أن تقاس بـ “الدخل الحقيقي، وإمكان الحصول على عمل، وتكلفة السكن والنقل” لتحويل الأرقام إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.