رغم التضييق.. فلسطين ترافق مشجعي المغرب في “مونديال أمريكا”
لم تمنع آلاف الكيلومترات التي تفصل المغرب عن الولايات المتحدة، ولا الإجراءات الأمنية المشددة التي رافقت منافسات كأس العالم لكرة القدم، الجماهير المغربية من حمل فلسطين معها إلى المدرجات والساحات العامة.
فمنذ وصول المشجعين المغاربة إلى الولايات المتحدة، حضرت الأعلام الفلسطينية إلى جانب الأعلام المغربية، وتعالت الهتافات الداعمة لغزة في تجمعات المشجعين، في مشهد يعكس مكانة القضية الفلسطينية في الوجدان الشعبي المغربي، رغم ما رافق مظاهر الاحتفاء بألوانها الأخضر والأحمر والأبيض والأسود من تضييق.
من ميدان “تايمز سكوير” الشهير في قلب نيويورك إلى ساحة المشجعين بمدينة دالاس، وفي أرجاء المدرجات، وقبل وأثناء وبعد كل مباراة، لا يغيب علم فلسطين أو الكوفية الفلسطينية؛ إذ يبرزان وسط حشود مشجعي المنتخب المغربي في بطولة كأس العالم لكرة القدم، فيما تتردد هتافات داعمة للقضية الفلسطينية، من قبيل: “الحرية لفلسطين” (Free, Free Palestine).
وتُظهر مقاطع فيديو حضورًا لافتًا للمشجعين المغاربة في ساحات نيويورك ومختلف المدن المحتضنة لمباريات البطولة، مع الحرص على رفع العلم الفلسطيني وترديد أغانٍ مرتبطة بفلسطين، مثل “رجاوي فلسطيني” لجماهير الرجاء الرياضي، و”أرض الصمود” لجماهير الوداد الرياضي، فضلًا عن رفع لافتات متضامنة مع فلسطين في مدرجات الملاعب.
ويرى متابعون أن ما شهدته المدن الأمريكية ليس حدثًا معزولًا، بل امتدادًا للمشهد الذي برز بقوة خلال كأس العالم في قطر عام 2022، حين تحولت الجماهير المغربية إلى إحدى أبرز الأصوات الداعمة لفلسطين، سواء بعد مباريات المنتخب الوطني أو خلال الاحتفالات التي أعقبت إنجازه التاريخي ببلوغ نصف النهائي.
وفي هذا الصدد، ترى السعدية الولوس، المكلفة بملف الرياضة والثقافة في السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن القضية الفلسطينية تظل حاضرة دائمًا في المسابقات الرياضية الكبرى، مضيفة: “فرغم أجواء الاحتفال والانتصارات، لا ينسى الناس فلسطين، ويرفعون علمها باستمرار، وهو ما يشكل مصدر فرح للفلسطينيين ولكل العاملين من أجل القضية”.
وتفسر الولوس إقبال المغاربة وغيرهم من المشجعين العرب ومناصري غزة على رفع العلم الفلسطيني في ساحات نيويورك والملاعب بأنه نابع من “رفض الظلم”.
وتضيف أن الشعوب “تلجأ إلى التظاهر ورفع الأعلام باعتباره أضعف الإيمان، للتعبير عن غضبها إزاء الإبادة الجماعية، خاصة في ظل شعورها بأن الحكومات ليست صامتة فحسب، بل مشاركة في هذا الظلم”.
واستحضرت الولوس واقعة مدرب المنتخب المصري حسام حسن، الذي أهدى فوز منتخب بلاده على أستراليا إلى فلسطين، وكيف أثار هذا الموقف حفيظة الإسرائيليين الذين هاجموه، معتبرة أن ذلك “يظهر خوفهم حتى من الكلمات البسيطة التي لا تغير الواقع الميداني، لكنها تحمل رمزية كبيرة”.
وفي المقابل، انتشرت مقاطع فيديو توثق تعرض مشجعين مغاربة لتضييقات بسبب مظاهر تضامنهم مع فلسطين، من بينها محاولة أحد أفراد الأمن الأمريكي انتزاع علم فلسطين ولافتة تدين الاحتلال من إحدى المشجعات خلال مباراة المغرب وهايتي، قبل أن تتحول الواقعة إلى لحظة تضامن جماهيري، حيث تعالت هتافات “الحرية لفلسطين” في الساحة أسفل مدرجات الملعب.
وتمسكت المشجعة بعلم فلسطين ولافتة كُتب عليها: “إسرائيل قتلت 566 لاعب كرة قدم فلسطيني”، رغم محاولة أحد أفراد الأمن انتزاعهما منها.
وأظهر الفيديو المشجعة وهي ترفض التخلي عن العلم واللافتة، مخاطبة رجل الأمن بحزم: “لا تأخذه مني، اتركه”، في مشهد أثار تفاعلًا واسعًا بين الجماهير الحاضرة. كما وثق مقطع آخر مشجعًا مغربيًا تمسك بالكوفية الفلسطينية ورفض خلعها، بعدما طالبه أحد أفراد الأمن بذلك خلال مباراة المنتخب المغربي أمام كندا السبت الماضي.
واستنكرت الولوس التضييقات التي تعرض لها المشجعون المغاربة داخل الملاعب الأمريكية، ومنعهم من إدخال الأعلام أو الكوفية الفلسطينية إلى المدرجات، مشيرة إلى وجود أوامر بمنع أي مظهر يرتبط بالقضية الفلسطينية، في حين يُسمح برموز أخرى. كما أشارت إلى أن المنتخب الإيراني تعرض، بدوره، لتضييقات قالت إنها كانت من أسباب خروجه المبكر من البطولة.
وتخلص المتحدثة إلى أن محاولات المنع تأتي بنتائج عكسية، موضحة أن منع مشجع واحد من ارتداء الكوفية وسط 50 ألف متفرج “يسلط الضوء على القضية ويثير تساؤلات الناس أكثر مما لو سُمح له بالدخول بشكل طبيعي”.
وتصف الولوس، وهي أيضًا رئيسة الفيدرالية المغربية لحقوق الإنسان، نسخة كأس العالم الحالية بأنها “مهزلة كبيرة”، معتبرة أن الولايات المتحدة فرضت هيمنتها حتى على الجانب الرياضي، وتدخلت في بعض القرارات التحكيمية، مستشهدة بما قالت إنه إلغاء بطاقة حمراء كانت ستُشهر في وجه لاعب أمريكي نتيجة ضغوط سياسية.
كما تنتقد الولوس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” لعدم اتخاذه قرارًا باستبعاد الاحتلال الاسرائيلي من المنافسات الرياضية، مقارنة بما حدث سابقًا مع جنوب أفريقيا خلال فترة الفصل العنصري.
وتشير إلى أن المنتخب الفلسطيني تضرر بشكل جسيم جراء الحرب على قطاع غزة، بعدما فقد عددًا من لاعبيه وكوادره، كان آخرهم حارس مرمى منتخب غزة، وهو ما انعكس، بحسب تعبيرها، على حضور الكرة الفلسطينية في المحافل الدولية.
هذا، وقوبل الوفاء بالوفاء، إذ عمت المدن الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة أجواء احتفال واسعة بإنجازات المنتخب المغربي في كأس العالم 2026، في مشهد عكس عمق الارتباط الشعبي بين الشعبين المغربي والفلسطيني.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي تجمعات لشبان وأطفال في قطاع غزة وهم يتابعون مباريات المنتخب المغربي على شاشات كبيرة، قبل أن تنطلق الهتافات والتصفيق مع تسجيل “أسود الأطلس” أهدافهم، متناسين للحظات واقع الحرب والدمار.
كما وثقت مشاهد أخرى احتفالات في مدن الضفة الغربية والقدس، حيث ردد المحتفلون هتافات داعمة للمنتخب المغربي، من بينها: “علي صوتك للمريخ.. المغرب تكتب تاريخ”، في مشهد أعاد إلى الأذهان الاحتفالات الفلسطينية بإنجاز المغرب التاريخي في مونديال قطر 2022.