دموع بعيوي وصدمة الناصري.. كواليس الجلسات العاصفة في محاكمة”إسكوبار الصحراء”
يرتقب أن يسدل اليوم الخميس 25 يونيو 2026، الستار على واحدة من أكثر المحاكمات إثارة للجدل في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وهي القضية المعروفة إعلاميا باسم «إسكوبار الصحراء»، نسبة إلى تاجر المخدرات المالي الحاج أحمد بن إبراهيم، الذي تحوّل من متهم إلى شاهد محوري أطاح بتصريحاته شخصيات سياسية ورياضية بارزة.
فقبل ثلاث سنوات فقط، لم يكن أحد يتوقع أن يجد مسؤولون نافذون أنفسهم خلف القضبان، يواجهون تهما ثقيلة تتعلق أساسا بالاتجار الدولي بالمخدرات. واليوم، ينتظر أن يدلي المتهمون بكلماتهم الأخيرة أمام المحكمة، وفي مقدمتهم سعيد الناصري، القيادي السابق بحزب الأصالة والمعاصرة والرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي، وعبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق والقيادي السابق بالحزب ذاته.
ويضم الملف أيضا 25 متهما آخرين، من بينهم عناصر من الدرك والأمن ورؤساء جماعات وموظفون. وبعد الاستماع إلى مرافعاتهم وكلماتهم الأخيرة، ستدخل الهيئة القضائية الملف إلى المداولة تمهيدا لتحديد موعد النطق بالحكم النهائي.
من هو «إسكوبار الصحراء»؟
بدأ اسم «إسكوبار الصحراء» يتردد بقوة في وسائل الإعلام المغربية والدولية منذ 9 غشت 2023، عقب نشر مجلة «جون أفريك» الفرنسية تحقيقا سلط الضوء على شخصية الحاج أحمد بن إبراهيم، واصفة إياه بأنه أحد أبرز بارونات المخدرات في إفريقيا.
تعددت ألقاب الرجل بين «الحاج إبراهيم» و«المالي» و«إسكوبار الصحراء»، لكن مساره ظل واحدا. فهو ابن لأب مالي وأم مغربية تنحدر من مدينة وجدة، وقد راكم ثروة كبيرة من تجارة الكوكايين بين بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وشمالها.
وفي سنة 2010، انتقل إلى شمال المغرب، حيث مناطق إنتاج القنب الهندي، بهدف توسيع شبكاته وبناء علاقات جديدة تخدم أنشطته غير المشروعة. ووفق تصريحاته، فقد نسج علاقات مع شخصيات سياسية نافذة، من أبرزها عبد النبي بعيوي وسعيد الناصري، لتسهيل نقل المخدرات من شمال المملكة نحو بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، بمشاركة أطراف أخرى.
استمرت هذه العلاقات لسنوات قبل أن يتم اعتقاله في موريتانيا بناء على مذكرة صادرة عن الشرطة الدولية «الإنتربول». وبعد محاكمته وسجنه، أُفرج عنه سنة 2019.
وعقب خروجه من السجن، عاد إلى المغرب مطالبا باسترجاع عقارات وأموال قال إن شركاءه استولوا عليها، وعلى رأسها فيلا بحي كاليفورنيا بالدار البيضاء. غير أن مصالح الأمن أوقفته فور وصوله إلى المطار، تنفيذا لمذكرة بحث تتعلق بشحنة مخدرات حجزت بمدينة الجديدة سنة 2015.
وبحسب محاضر الشرطة القضائية، اعتبر الحاج المالي أن شركاءه المغاربة نصبوا له فخا للتخلص منه، فاختار الرد بالكشف عن تفاصيل علاقاته وشبكة معارفه، مقدما أسماء مسؤولين وشخصيات قال إنهم شاركوه في عمليات التهريب الدولي للمخدرات، وعلى رأسهم عبد النبي بعيوي وسعيد الناصري.
الناصري وبعيوي… من النفوذ إلى السجن
أطلقت تصريحات «إسكوبار الصحراء» تحقيقا تمهيديا واسعا أشرفت عليه النيابة العامة المختصة، وشمل الاستماع إلى جميع الأسماء التي وردت في إفاداته.
وبعد أشهر من البحث، قرر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم 21 دجنبر 2023، إيداع سعيد الناصري، الذي كان آنذاك رئيسا لنادي الوداد الرياضي، وعبد النبي بعيوي، رئيس جهة الشرق، السجن الاحتياطي.
ولا يقتصر الملف عليهما فقط، بل يشمل عشرات المتابعين الآخرين الذين يواجهون تهما تتراوح بين الاتجار بالمخدرات والتزوير والنصب واستغلال النفوذ والمشاركة في شبكات للتهريب الدولي.
ويتابع سعيد الناصري بتهم متعددة، من بينها التزوير في محررات رسمية واستعمالها، والمشاركة في اتفاقات تتعلق بحيازة المخدرات والاتجار بها ونقلها وتصديرها ومحاولة تصديرها، إضافة إلى النصب ومحاولة النصب واستغلال النفوذ وحمل الغير على الإدلاء بتصريحات كاذبة تحت الضغط والتهديد.
كما يواجه تهما أخرى مرتبطة بإخفاء أشياء متحصلة من جنح، وتزوير شيكات واستعمالها، والمشاركة في استيراد عملات أجنبية دون تصريح.
أما عبد النبي بعيوي، فيتابع بدوره بتهم تتعلق بالاتجار في المخدرات والتزوير واستعمال محررات رسمية مزورة، فضلا عن الحصول على وثائق تحت الإكراه والمشاركة في أفعال تمس الحرية الفردية، إلى جانب اتهامات مرتبطة بتسهيل تنقل أشخاص عبر الحدود في إطار عصابة منظمة والمشاركة في عمليات تهريب المخدرات.
الناصري أمام القضاء
مثل سعيد الناصري لأول مرة أمام هيئة الحكم بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 11 أبريل 2025، وذلك بعد سلسلة طويلة من الجلسات التي انطلقت في 23 ماي 2024.
وظهر الناصري مرتديا سترة بنية اللون، واثقا من نفسه ومحاطا بهيئة دفاع تضم عددا من المحامين المعروفين. واستهل حديثه بشكر المحكمة، مؤكدا استعداده الكامل للتعاون معها من أجل الوصول إلى الحقيقة، ومعلنا أنه سيفصح عن معطيات من شأنها، بحسب قوله، تغيير مجريات الملف.
وأكد خلال جلساته أنه سيفند جميع الاتهامات الموجهة إليه عبر عرض وقائع ومعطيات حقيقية «ستنقل الملف من الخيال إلى الواقع»، وفق تعبيره.
وكشف الناصري أن أول لقاء جمعه بالحاج أحمد بن إبراهيم كان على أساس أنه مستشار لرئيس دولة مالي، وأنه زاره مرفوقا بالسفير المالي بالمغرب، مضيفا أن السفير أخبره حينها بأن الرئيس المالي أوصى به لأنه كان يرغب في اقتناء شقة بالمملكة.
وأوضح أن هذه الوقائع تزامنت مع الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى جمهورية مالي، نافيا بشكل قاطع أي دور له داخل شبكة دولية لتهريب المخدرات، ومعتبرا أن تصريحات «المالي» تسيء إلى سمعة عدد من أبناء الوطن.
العشاء الغامض والزاوية الناصرية
من أبرز المحطات التي استأثرت باهتمام الرأي العام خلال أطوار المحاكمة ما عرف إعلاميا بـ«العشاء الشهير»، وهو الحفل الذي أقامه «إسكوبار الصحراء» بمناسبة زواجه من الفنانة لطيفة رأفت.
وكان الحاج المالي قد صرح بأن سعيد الناصري حضر ذلك الحفل رفقة أشخاص آخرين من أجل الاتفاق على عملية كبرى مرتبطة بالمخدرات.
غير أن الناصري نفى هذا المعطى، مؤكدا أنه لم يكن داخل الفيلا بل بفندق مجاور لأغراض أخرى. في المقابل، تمسكت النيابة العامة برواية مغايرة، مستندة إلى شهادات ومعطيات تقنية قالت إنها تثبت وجوده بمحيط الفيلا خلال تلك الفترة.
كما نفى الناصري بشكل قاطع الاتهامات المتعلقة بمحاولة تمكين الحاج أحمد بن إبراهيم من الحصول على الجنسية المغربية عبر شهادة صادرة عن الزاوية الناصرية بضواحي زاكورة، مؤكدا أن الوثيقة المذكورة ذات طابع رمزي وشرفي فقط، ولا تترتب عنها أي آثار قانونية أو إدارية.
ليالٍ ماجنة… واتهامات متبادلة
أثارت تصريحات «إسكوبار الصحراء» المتعلقة بالحياة الخاصة لسعيد الناصري جدلا واسعا، بعدما تحدث عن تنظيم سهرات خاصة داخل فيلا بحي كاليفورنيا، وربط ذلك بعلاقات شخصية وعاطفية.
كما ورد اسم سيدة تدعى «دليلة»، متهمة في الملف، حيث تحدثت بعض التصريحات عن علاقة حميمية تجمعها بالناصري وعن دور مزعوم لها كوسيطة بينه وبين فتيات.
لكن الناصري نفى هذه الادعاءات جملة وتفصيلا، معتبرا أنها لا تستند إلى أي دليل، ومشددا على أن علاقته بدليلة لا تتجاوز حدود الصداقة والمعرفة والتعامل التجاري.
ومن جهتها، نفت دليلة أمام المحكمة جميع الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أن علاقتها بسعيد الناصري كانت مهنية فقط في إطار نشاطها التجاري بمجال الملابس.
اتهامات بـ«شهادة الزور»
وخلال جلسات المحاكمة، وجه الناصري اتهامات مباشرة إلى البرلماني السابق عبد الواحد شوقي، متهما إياه بالإدلاء بشهادة زور بهدف إبعاده عن المشهد والاستفادة من مصالح تجارية مشتركة.
وتحدث الناصري بتأثر عن علاقته السابقة بشوقي، معتبرا أن ما وقع بينهما يمثل خيانة لصداقة طويلة، فيما سبق لشوقي أن نفى أمام المحكمة كل هذه الاتهامات.
صدامات داخل قاعة المحكمة
شهدت بعض جلسات المحاكمة أجواء متوترة بين سعيد الناصري ورئيس الهيئة القضائية علي الطرشي، بعدما حاول المتهم في أكثر من مناسبة التوسع في شرح وقائع يعتبرها حاسمة في القضية.
ووجه القاضي للناصري عدة تنبيهات بضرورة احترام ضوابط الجلسة وعدم الخروج عن موضوع الأسئلة المطروحة، مؤكدا أن المحكمة وحدها المخول لها تسيير المناقشات وفق القانون.
ورغم حدة بعض المواقف، شدد الناصري على احترامه للمحكمة وثقته في العدالة، بينما أوضح دفاعه أن موكله يتحدث تحت تأثير الضغط النفسي والانفعال المرتبطين بظروف اعتقاله.
دموع بعيوي
من جهته، لم يتمالك عبد النبي بعيوي نفسه خلال إحدى الجلسات، حيث أجهش بالبكاء بعد تلاوة تصريحات الحاج أحمد بن إبراهيم التي تتهمه بالمشاركة في عمليات تهريب المخدرات.
وقال بعيوي أمام المحكمة إنه لم يبكِ سوى مرتين في حياته؛ الأولى عند وفاة والده، والثانية بعد سؤاله من طرف والدته عما إذا كان قد أكل مالا حراما.
ونفى الرئيس السابق لجهة الشرق جميع الاتهامات الموجهة إليه، مؤكدا أن تصريحاته السابقة تنفي وجود أي علاقة قديمة تجمعه بـ«إسكوبار الصحراء»، ومشددا على أن الشاحنات والسيارات التي وردت في الملف دخلت التراب الوطني بشكل قانوني.
كما رفض بعيوي الاتهامات المتعلقة بتغيير هوية شاحنات أو استعمالها في أنشطة غير مشروعة، نافيا إصدار أي تعليمات لشقيقه أو لأي شخص آخر بخصوص تلك المركبات.
وفي انتظار الكلمة الأخيرة للمتهمين، يترقب الرأي العام المغربي ما ستسفر عنه مداولات المحكمة في واحدة من أكبر القضايا الجنائية التي هزت الأوساط السياسية والرياضية بالمملكة خلال السنوات الأخيرة.