بعد نقله إلى شارع بنبركة.. مكتب إسرائيل بالرباط يعيد دور الموساد في جريمة الاغتيال إلى الواجهة
أعاد انتقال مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط إلى مقر جديد بشارع المهدي بنبركة في حي السويسي، الشهر الجاري، ملف المعارض المغربي الراحل إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي، في مفارقة تستعيد واحدة من أكثر القضايا غموضاً في تاريخ المغرب الحديث، بالتزامن مع استمرار الجدل حول العلاقات المغربية الإسرائيلية.
فبعد عقود من اختفاء المهدي بن بركة في باريس، يعود اسمه إلى الواجهة عن طريق العنوان الجديد للبعثة الإسرائيلية في العاصمة الرباط، في وقت يتواصل فيه فتح الأسئلة حول ظروف اختفائه، وحول الدور الذي تقول مصادر ووثائق عديدة إن جهاز الموساد الإسرائيلي لعبه في العملية.
مقر جديد في شارع بن بركة
ظهر فريق مكتب الاتصال الإسرائيلي، خلال الشهر الجاري، في مقره الرسمي الجديد بحي السويسي، بعد مغادرته مقره السابق بشارع النخيل في حي الرياض.
ويقع المقر الجديد في منطقة تضم عدداً من السفارات والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، وشهد صباح الأربعاء 12 غشت الجاري ما بدا أنه بدء فعلي للعمل بالمبنى، مع التحاق عدد من الموظفين، بالتزامن مع حضور أمني مكثف في محيطه، إلى جانب عناصر من الأمن الخاص.
وبحسب معاينة ميدانية، استمرت بعض أشغال التهيئة في محيط البناية، خصوصاً عند المدخل، فيما ظهرت كاميرات مراقبة مثبتة فوق السقف. كما ظهر علم إسرائيلي داخل المبنى، لكنه بدا شبه محجوب عن الأنظار من الخارج ومثبتاً على ارتفاع منخفض.
ويحمل الشارع الذي يوجد فيه المقر اسم المهدي بن بركة، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المغربية، واليسار المعارض في مرحلة ما بعد الاستقلال، وأحد الوجوه التي تجاوز تأثيرها حدود المغرب إلى حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وكان مكتب الاتصال الإسرائيلي قد أعيد فتحه في الرباط سنة 2020، بعد استئناف التطبيع بين المغرب وإسرائيل. وفي غشت 2021، دشن وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك يائير لابيد المكتب رسمياً، معلناً أن البلدين يتجهان إلى رفع مستوى التمثيل وفتح سفارتين، غير أن ذلك لم يتحقق، وظل التمثيل الرسمي في مستوى مكتبي الاتصال.
ويعود أصل هذه التمثيلية إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما أقامت الرباط وتل أبيب علاقات رسمية محدودة في سياق اتفاقيات أوسلو، قبل أن يغلق المغرب المكتب سنة 2000 مع تجميد العلاقات في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
جريمة عابرة للحدود
في 29 أكتوبر 1965، اختُطف المهدي بن بركة في باريس أمام مقهى “ليب” على يد شرطيين فرنسيي. وأُقتيد المعارض المغربي إلى منزل في ضاحية باريس، ومنذ ذلك الوقت لم يظهر حياً مرة أخرى، كما لم يُعثر على جثمانه حتى اليوم.
كانت القضية، منذ بدايتها، أكثر من مجرد اختفاء معارض سياسي. فقد تقاطعت فيها أسماء مسؤولين مغاربة، ورجال أمن فرنسيين، وأفراد من عالم الجريمة، لتتحول إلى واحدة من أكثر القضايا إحراجاً للجمهورية الفرنسية وللنظام المغربي آنذاك.
وكان بن بركة، الذي بدأ حياته أستاذاً للرياضيات ثم تحول إلى أحد أبرز قادة الحركة الوطنية، قد أصبح بعد الاستقلال من أبرز معارضي الملك الحسن الثاني. وبعد مغادرته المغرب، تحول إلى شخصية ذات امتداد دولي، وانخرط في التحضير لمؤتمر القارات الثلاث في هافانا، الذي كان مقرراً عقده في يناير 1966.
وبقدر ما بقيت تفاصيل اختفائه ومصير جثمانه غامضة، ظلت القضية مفتوحة أمام الروايات والتحقيقات والشهادات التي حاولت إعادة بناء اللحظات الأخيرة من حياته.
الموساد في قلب الجريمة
في أكتوبر 2025، أعاد كتاب “قضية بن بركة.. نهاية الأسرار” للصحافيين ستيفن سميث ورونين بيرغمان، الصادر عن دار غراسيه، تورط الموساد في الملف إلى الواجهة.
وتكتسب أهمية الكتاب الجديد من كونه لا يكتفي بإعادة طرح فرضية وجود صلات بين أجهزة الأمن المغربية والموساد، وإنما يحاول تقديم إعادة بناء عملياتية للأيام التي أعقبت اختطاف بن بركة، مستنداً إلى وثائق أرشيفية وتقارير استخباراتية قال مؤلفاه إنهما عثرا عليها بعد سنوات من البحث.
وبحسب ما نشرته وسائل إعلام فرنسية حول الكتاب، حمل التنسيق الإسرائيلي المغربي في هذه المرحلة اسماً رمزياً هو “إيترنا” (Eterna)، وتجاوز، وفق الرواية التي يقدمها المؤلفان، حدود تبادل المعلومات إلى توفير دعم لوجستي ومناقشة وسائل إخفاء آثار الجريمة والتخلص من الجثمان.
كما تعيد هذه المعطيات إلى الواجهة رواية مفادها أن التعاون لم يكن منفصلاً عن مصالح استخباراتية متبادلة، إذ تشير المواد المنشورة حول الكتاب إلى وجود مقايضة بين معلومات حصل عليها الجانب الإسرائيلي وبين المساعدة في استهداف بن بركة، بما في ذلك تسجيلات مرتبطة بالقمة العربية التي احتضنتها الدار البيضاء في شتنبر 1965.
ففي الثاني من نونبر 1965، أي بعد أربعة أيام من اختطاف بن بركة، ينقل الكتاب تفاصيل شراء أحد عملاء الموساد، يحمل اسماً حركياً هو “عطار”، أدوات متعددة من متاجر في باريس، بينها مجرفتان ومصابيح يدوية ومفك براغي وكماشة وكميات كبيرة من هيدروكسيد الصوديوم.
وتقول الرواية إن هذه الأدوات نقلت إلى شقة في سان-كلو، غرب باريس، كان الموساد قد استأجرها لرجال وحدة “كاب 1” التابعة للأمن المغربي، قبل أن يتسلمها مغاربة ويجري لاحقاً التنسيق حول كيفية الوصول إلى المكان الذي كان يحتجز فيه بن بركة.
لكن أكثر المقاطع إثارة في الكتاب يتعلق بلقاء لاحق بين أحمد الدليمي، أحد أبرز مسؤولي الأمن المغربي آنذاك، وعملاء للموساد. وتحدث الدليمي في ذلك اللقاء عن الطريقة التي انتهت بها حياة بن بركة، وقدم رواية عن إغراقه في حوض الاستحمام، كما تحدث عن التقاط صورة لجثمانه. وينقل الكتاب أيضاً حديثاً عن استخدام السم، وعن قيام أحد عملاء الموساد بإخبار الدليمي بوصول سم قاتل إلى باريس.
ولم تكن الإشارات إلى الدور الإسرائيلي في قضية بن بركة وليدة الكتاب الصادر عام 2025، إذ سبق أن تناولته تحقيقات وكتب وشهادات صحافية، وظهر في سياقات مختلفة منذ ستينيات القرن الماضي، فيما أعادت أعمال لاحقة طرحه بوصفه أحد المحاور الرئيسية لفهم العلاقة التي نشأت بين أجهزة الأمن المغربية والإسرائيلية في تلك المرحلة.
وتكتسب الرواية الجديدة أهميتها، وفق مؤلفي الكتاب، من طبيعة الوثائق التي يعتمد عليها التحقيق ومن التفاصيل الدقيقة التي تقدمها حول الاتصالات والاجتماعات والتحركات التي سبقت وتلت اختطاف بن بركة، بما يسمح بإعادة تركيب جانب من العملية بصورة أكثر تفصيلاً مما كان متاحاً في السابق.
ذاكرة بن بركة في مواجهة التطبيع
في الرباط، لم يمر انتقال المكتب إلى شارع المهدي بنبركة من دون ردود فعل. إذ اعتبرت الأستاذة الجامعية والحقوقية لطيفة البوحسيني أن وضع مكتب الاتصال الإسرائيلي في شارع يحمل اسم بن بركة يشكل “استفزازاً لمشاعر المغاربة”، مستحضرة المكانة السياسية والنضالية للمعارض المغربي وعلاقته بقضايا التحرر ومناهضة الإمبريالية.
كما أصدرت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع بياناً اعتبرت فيه نقل المكتب من شارع النخيل إلى شارع المهدي بنبركة “محاولة بئيسة للإجهاز على الذاكرة الجماعية للشعب المغربي”، وربطت الخطوة بالدور الذي جهاز الموساد لعبه في عملية اختطاف واغتيال بن بركة.
وفي السياق نفسه، اعتبرت الجبهة أن دلالة اختيار شارع يحمل اسم بنبركة لا تنفصل عن رمزية الرجل ومواقفه المناهضة للاستعمار ودفاعه عن القضية الفلسطينية، معتبرة أن وجود مكتب اتصال إسرائيلي في هذا العنوان يمثل، بحسب تعبيرها، “تناقضاً مع الذاكرة السياسية والوطنية المرتبطة بالمعارض المغربي”. وجددت الجبهة رفضها لاستمرار العلاقات مع إسرائيل، داعية إلى توحيد جهود القوى المناهضة للتطبيع والعمل من أجل وقف العلاقات بمختلف أشكالها.