“اختلالات” في دعم مربي الماشية.. مهني: اقتطاعات غير مبررة وغموض في المعايير
في قلب برنامج دعم مربي الماشية، الذي تراهن عليه الحكومة لإعادة تكوين القطيع الوطني، تبرز “اختلالات حادة” في صرف الدفعة الثانية، حيث يتحدث كسابة عن توصلهم بما لا يتجاوز ثلث المبلغ المقرر، في ما يشبه، حسب تعبيرهم، “اقتطاعا غير مبرر” طال فئة واسعة من مربي الماشية.
وتضع هذه المعطيات التي تؤكدها شهادات ميدانية علامات استفهام حول فعالية آليات صرف الدعم وشفافيته، خاصة وأن الدفعة الثانية تمثل الجزء الأكبر من المنحة المخصصة للحفاظ على إناث الماشية، والمفترض أن تبلغ 300 درهم للرأس.
وفي هذا السياق، أكد محمد ياسر عسيلي، مربي الماشية المتخصص في سلالة الصردي، أن “النقص في الدفعة الثانية كان فادحا وخطيرا جدا”، مبرزا أن ما جرى “لا يمكن اعتباره مجرد خلل بسيط أو معزول”.
وأوضح عسيلي في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن “ثلثي قيمة الدعم لم تصل”، حيث توصل العديد من الكسابة بما يقارب 103 أو 104 دراهم فقط للرأس، بدل 300 درهم المقررة، وهو ما اعتبره مؤشرا على وجود “خلل عميق” في طريقة صرف الدعم.
وأضاف أن عددا لا بأس به من الكسابة “توصلوا بدعم ناقص بشكل مريب”، مضيفا أن الفارق المسجل كبير إلى درجة يصعب تبريرها.
و أشار عسيلي إلى أن هذا الوضع طال ضيعته بشكل مباشر، حيث لم يتوصل سوى بثلث المبلغ المعلن، ما يؤكد، حسب قوله، أن الأمر لا يتعلق بحالات فردية أو استثنائية.
أزمة حرجة
ولفت مربي الماشية إلى أن “خطورة هذا النقص تتضاعف بالنظر إلى التزامات الكسابة المالية”، موضحا أن عددا منهم برمجوا سداد ديون الأعلاف بناء على انتظار هذه الدفعة الثانية، “قبل أن يصطدموا بمبالغ لا تغطي سوى جزء يسير من تلك الالتزامات”.
ولم يفت المتحدث التأكيد على أن هذا الوضع “أدخل عددا من الكسابة في أزمة مادية حرجة”، وطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان الدعم قد حقق فعلا الأهداف التي أُعلن عنها.
وبالعودة إلى الدفعة الأولى، أشار المتحدث إلى أنها “لم تكن مضبوطة بالقدر الكافي”، حيث سُجل فيها نقص “لم يكن طفيفا بل معتبرا”، لكنه لم يصل إلى درجة دفعت الكسابة إلى تقديم شكايات.
وأوضح أن أغلب الكسابة “غضّوا الطرف” عن ذلك النقص، تفاديا للدخول في مساطر إدارية معقدة أو إزعاج السلطات، قبل أن يتغير الوضع بشكل جذري مع الدفعة الثانية.
ولفت إلى أن البرنامج في أساسه كان يستند إلى توجيهات تروم دعم الكسابة واستعادة أعداد القطيع وتحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم، وهو ما رفع من سقف الانتظارات داخل القطاع.
غموض و قرارات ارتجالية
وبخصوص خلفيات هذا الخلل، أشار عسيلي إلى أنه “لا يتحدث عن مجرد أخطاء تقنية”، و إنما عن “قرارات لا يُعلم على أي أساس بُنيت”، خاصة وأن الضيعات تعتمد على برمجة دقيقة لميزانياتها السنوية.
وأوضح أن الكسابة يتعاملون مع تصريحات وزارة الفلاحة باعتبارها التزامات رسمية، “وهو ما يجعل أي إخلال بها مصدر صدمة وثقة مهزوزة داخل القطاع”.
كما شدد على أن العملية تطرح إشكالات واضحة على مستوى الشفافية، حيث لا تسلِّم اللجان أي وثيقة للكساب تثبت عدد الرؤوس التي تم إحصاؤها، “ما يحرم المستفيد من مرجع يمكنه من تتبع حقه”.
ولفت إلى أن مبالغ الدعم المحولة لا تكون مرفقة بأي وثيقة تشرح طريقة احتسابها، “وهو ما يجعل الكساب عاجزا عن فهم الأساس الذي تم اعتمادُه في تحديد المبلغ الذي توصل به”، مضيفا أن “هذا الغموض يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير التوزيع، خاصة في ظل تسجيل فوارق كبيرة بين المستفيدين”.
التصعيد خيار وارد
من جهة أخرى شدد على أن عددا من الكسابة شرعوا فعلا في إعداد شكايات، معتبرا أن الأمر يتعلق “بأموال طائلة وليس مبالغ زهيدة يمكن التغاضي عنها”.
ولم يفت المتحدث الإشارة إلى أن محاولته تقديم شكاية لدى المديرية الإقليمية قوبلت بإخبارهم بتوقف استقبال الشكايات إلى غاية الشهر المقبل، وهو ما اعتبره “عائقا إضافيا” أمام سلك المساطر القانونية.
وأوضح أن هذا الوضع يدفع عددا من الكسابة إلى التفكير في التصعيد و اللجوء إلى القضاء الإداري، في حال استمرار الغموض وعدم تقديم توضيحات رسمية بشأن هذه الاقتطاعات.
وخلص عسيلي إلى أن “الكسابة لا ينكرون أهمية الدعم في التخفيف من عبء الأعلاف، خاصة في الدفعة الأولى، غير أنهم يرفضون التنازل عن حقهم في المبالغ الكاملة”، متسائلين عن سبب استفادة فئة من الدعم كاملا مقابل حرمان فئة أخرى.
في المقابل، كانت الحكومة قد أعلنت، على لسان الناطق الرسمي باسمها مصطفى بايتاس، أواخر شهر مارس عن تنزيل الدفعة الثانية من الدعم الاستثنائي لفائدة مربي الماشية، في إطار برنامج “حماية إناث الماشية”.
وأضاف بايتاس أن الغلاف المالي المخصص لهذه العملية يبلغ 3.2 مليار درهم، مبرزا أن هذا الشطر يأتي استكمالا لمجهود مالي أكبر شمل الدفعة الأولى سنة 2025.
كما أشار إلى أن هذه الأخيرة عرفت تعبئة 5.5 مليار درهم، صُرف منها حوالي 5.2 مليار درهم، واستفاد منها نحو 1.1 مليون كساب.
وأوضح أن البرنامج يهدف إلى إعادة تكوين القطيع الوطني وضمان استقرار سوق اللحوم، مع الاستمرار في دعم الأعلاف للحفاظ على أسعارها في مستويات محددة.
ولفت إلى أن عدد رؤوس الماشية المرقمة بلغ 32.3 مليون رأس وطنيا، في إطار تتبع القطيع وضمان توجيه الدعم لمستحقيه.
وبخصوص آلية صرف الدعم، أكد بايتاس أنه يتم على دفعتين، تشمل الأولى 100 درهم كتسبيق، والثانية 300 درهم لإناث الأغنام و200 درهم لإناث الماعز.
كما شدد على أن المبالغ تُحول مباشرة إلى الحسابات البنكية للمستفيدين، في إطار آلية وصفها بـ”الشفافة والمؤمنة”.
وأضاف أن هذه العملية تعتمد على قاعدة بيانات وطنية، إلى جانب إحداث مركز اتصال لتلقي استفسارات الكسابة، وتعبئة المصالح الخارجية لتجميع الشكايات ومعالجتها.