إعادة تشغيل “لاسامير” في خطاب “البام”.. من وعود 2021 إلى انتخابات 2026
عادت مصفاة “لاسامير” إلى واجهة النقاش السياسي مع اقتراب الانتخابات التشريعية، بعدما حضرت ضمن وعود وبرامج عدد من الأحزاب المرتبطة بالأمن الطاقي وتأمين المحروقات.
وفي خضم هذا النقاش، تحدثت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة والقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، خلال تجمع انتخابي لحزبها بالرباط، عن إمكانية إعادة تشغيل واستغلال منشآت وخزانات شركة “سامير”.
ويأتي هذا الموقف بعد مسار طويل شهد تحولات متتالية في تصريحات الوزيرة بشأن المصفاة، انتقل من الوعد بإعادة تشغيلها، إلى التشكيك في جدوى تشغيلها، إلى الحديث عن سيناريوهات تقنية واقتصادية لمعالجة الملف، ثم الإقرار بوجود إمكانية نظرية لإعادة تشغيلها، قبل أن تعود بنعلي إلى إبراز ضعف طلبات الاستثمار والعقبات المالية والبيئية والاجتماعية، وصولاً إلى دخول “لاسامير” من جديد ضمن الخطاب الانتخابي.
2021.. وعد بإعادة التشغيل
قبل وصول ليلى بنعلي إلى الحكومة، كان حزب الأصالة والمعاصرة قد جعل إعادة تشغيل مصفاة “سامير” جزءاً من برنامجه الانتخابي خلال انتخابات 2021.
وتعهد الحزب حينها بـ”إعادة تشغيل مصفاة سامير” من أجل ضمان استمرارية أنشطة التكرير والتخزين في المغرب، معتبراً أن ذلك من شأنه تعزيز الاستقلال الطاقي للبلاد.
ولم يقتصر وعد الحزب على إعادة تشغيل المصفاة، إذ التزم أيضاً بإحداث هيئة لتنظيم قطاع المحروقات، تتولى تنظيم القطاع وضبط هوامش الربح ومكافحة حالات الاحتكار، إلى جانب مراجعة النصوص المنظمة لهيئات الضبط بما يسمح بمواجهة المنافسة غير العادلة والتواطؤ وتضارب المصالح.
وبذلك، كان “لاسامير” حاضراً في برنامج الأصالة والمعاصرة قبل دخوله الحكومة، باعتباره جزءاً من تصور الحزب لتعزيز الأمن والاستقلال الطاقي وتنظيم سوق المحروقات.
بعد ذلك، تولت بنعلي حقيبة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في حكومة عزيز أخنوش، ليصبح ملف المصفاة ضمن الملفات التي تدخل في نطاق المسؤولية الحكومية المباشرة للحزب، قبل أن تتوالى تصريحاتها بشأن صعوبة إعادة التشغيل وجدوى التكرير والاستثمار في المصفاة.
2022.. “لسنا في حاجة إليها”
في يونيو 2022، وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات، قالت بنعلي، خلال استضافتها في برنامج “حديث مع الصحافة” على القناة الثانية، إن المغرب “ليس في حاجة إلى مصفاة لتكرير البترول” من أجل إيجاد حل جذري لمشكل ارتفاع أسعار المحروقات.
ووصفت الوزيرة ملف “لاسامير” آنذاك بـ”المعقد جدا”، بسبب مشاكل قالت إنها تراكمت لأكثر من عشرين سنة بين المستثمر والحكومة المغربية، مشيرة إلى أن الملف معروض أمام القضاء الدولي، وأنه ذو طبيعة استثمارية أكثر من كونه مرتبطاً بقطاع المحروقات.
كما اعتبرت أن إعادة تشغيل المصفاة ليست حلاً مباشراً لأزمة الأسعار، في وقت كانت فيه دعوات إعادة تشغيلها تربط بين عودة نشاط التكرير وخفض أسعار المحروقات في السوق الوطنية.
هذا الموقف أثار انتقادات سياسية ونقابية في حينه، خصوصاً أن التصريح جاء في سياق اتسم بارتفاع أسعار الوقود وما ترتب عنه من ضغط على القدرة الشرائية للأسر.
سيناريوهات محتملة
بعد أسابيع من تصريحها الأول، انتقلت بنعلي إلى الحديث عن مستقبل “لاسامير” بلغة أكثر انفتاحاً على احتمالات معالجة وضعية المصفاة.
وفي يوليوز 2022، قالت إن الوزارة تدرس “مختلف السيناريوهات التقنية والاقتصادية” لإيجاد حلول مناسبة لملف الشركة، مع مراعاة مصالح الدولة والعمال وسكان المحمدية.
وفي دجنبر من السنة نفسها، أعلنت أن الحكومة تدرس خمسة سيناريوهات لحل ملف “لاسامير”، مجددة التأكيد على أن الحكومة ستأخذ بعين الاعتبار مصالح الدولة والشغيلة وساكنة المحمدية.
وفي تصريحات أخرى خلال الفترة نفسها، شددت بنعلي على أن أي عودة للمصفاة ينبغي أن تقوم على مشروع استثماري مستدام، وأن الحكومة لا تريد تشغيل المنشأة ثم إغلاقها بعد سنوات قليلة. وقالت إن الملف “لا يحتاج إلى مزايدات تقنية أو سياسية، وإن المطلوب هو مشروع استثماري مستدام”.
وهكذا، انتقل خطاب الوزارة من التركيز على أن إعادة تشغيل المصفاة لن تكون حلاً لأزمة الأسعار، إلى الحديث عن خيارات وسيناريوهات يمكن أن تحدد مستقبل المنشأة.
2023.. إمكانية إعادة التشغيل
في 2023، أصبحت إمكانية إعادة تشغيل “لاسامير” تظهر بصورة أكثر مباشرة في تصريحات بنعلي.
وقالت الوزيرة إن هناك “إمكانية نظرية” لإعادة تشغيل المصفاة، موضحة أن الحكومة تشتغل على سيناريوهات لمعالجة الملف. كما ورد أن الحكومة كانت تدرس أربعة سيناريوهات لحل مشكل الشركة.
وفي أبريل من السنة نفسها، قال الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس إن الحكومة “مع تشغيل لاسامير”، وإنها ستبذل ما في وسعها تنظيمياً ومؤسساتياً من أجل عودتها إلى العمل، مع مراعاة المسارات القضائية والقانونية التي تحيط بالملف.
ولم يقتصر النقاش في تلك المرحلة على وحدات التكرير، بل شمل أيضاً خزانات الشركة.
ففي حديث لها حول الملف، أشارت بنعلي إلى أن المحكمة التجارية بالدار البيضاء كانت قد سمحت في 2020 بكراء خزانات “سامير” لتخزين المنتجات النفطية، قبل أن يتعطل تنزيل القرار لاحقاً. وذلك قبل أن يعود استعمال خزانات المصفاة لاحقاً ليصبح جزءاً من تصور حكومي للأمن الطاقي، ثم وعداً انتخابياً في 2026.
2024.. “لا جديد”
في يوليوز 2024، وبعد مرور عامين على بداية الولاية الحكومية، قالت بنعلي إنه “لا جديد” في ملف مصفاة “لاسامير”، وإنه ما يزال مطروحاً أمام المحكمة الدولية.
وفي جوابها عن سؤال برلماني يتعلق بفتح باب الاستثمار الوطني والأجنبي لإحداث وحدات للتكرير والتخزين، قالت إن طلبات الاستثمار في تكرير البترول بالمغرب “جد ضئيلة”، مؤكدة على أن هذه الطلبات لا تُرفض، وإنما تخضع للمساطر القانونية المعمول بها.
وفي الوقت نفسه، تحدثت الوزارة عن العمل على عقلنة التخطيط للبنيات التحتية اللوجستيكية البترولية، بما يشمل البنيات المخصصة للتكرير، إلى جانب الالتزامات القانونية المتعلقة بتخزين النفط الخام والمواد المكررة الموجهة للسوق الوطنية.
وبذلك، عاد خطاب بنعلي إلى إبراز محدودية الطلب الاستثماري في مجال التكرير، بعد مرحلة كان الحديث فيها عن سيناريوهات وإمكانية نظرية لإعادة تشغيل “لاسامير”.
وعلى الصعيد القضائي الدولي، أصدر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) في يوليوز 2024 حكماً يلزم المغرب بدفع تعويض قدره 150 مليون دولار فقط لصالح شركة “كورال” السعودية، وهو مبلغ يمثل أقل من 6% من أصل 2.7 مليار دولار كانت تطالب بها الشركة.
كما أصدر المركز قراراً معدلاً في نونبر 2024 يعزز الموقف القانوني للمملكة، مما أنهى المخاوف المتعلقة بتأثير النزاع التحكيمي على القرارات الحكومية الإجرائية.
2025.. ثلاثة موانع
في فبراير 2025، قدمت بنعلي أحد أكثر مواقفها تشدداً بشأن العوائق التي تحول دون إعادة تشغيل المصفاة.
وخلال لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني، أشارت إلى عدم وجود مستثمرين أبدوا رغبة في تشغيل “لاسامير”، كما تحدثت عن صعوبة خيار إعادة تأميم المنشأة من طرف الدولة، معتبرة أن المغرب، باعتباره غير منتج للبترول، لا يوجد في وضع تنافسي في مجال تكرير النفط.
وقالت الوزيرة إن تأميم المصفاة يتطلب ضخ مبالغ مالية كبيرة كدعم للمشروع، قبل أن تشدد على أن “مصالح المملكة المغربية تأتي قبل أي شيء”.
ولم تحصر بنعلي العقبات في الجانب المالي والاستثماري، بل أضافت إليها موقف سكان المحمدية. وقالت إن ساكنة المدينة عانت من مجموعة من الإكراهات بسبب “لاسامير”. وتحدثت عن “رفض كبير من طرف السكان لاحتضان أنشطة المحروقات عموماً وقطاع التكرير خصوصاً”.
وهكذا، جمعت بنعلي في موقف واحد ثلاثة عوامل اعتبرتها موانع أمام إعادة تشغيل المصفاة؛ غياب المستثمرين، والكلفة المرتفعة لخيار التأميم، والاعتبارات البيئية والاجتماعية المرتبطة بالمحمدية.
هذه التصريحات أثارت انتقادات من المكتب النقابي الموحد بشركة “سامير”، الذي اعترض خصوصاً على حديث الوزيرة عن غياب المستثمرين وعن موقف سكان المحمدية من عودة نشاط التكرير.
2026.. عودة “لاسامير” انتخابياً
بعد خمس سنوات على تعهد الأصالة والمعاصرة بإعادة تشغيل “سامير”، لم تتحول المصفاة إلى منشأة عاملة للتكرير خلال الولاية الحكومية المنتهية، وظل ملفها عالقاً بين المسارات القضائية والإكراهات الاستثمارية والمالية والبيئية التي ظلت بنعلي تستحضرها في تصريحاتها المتعاقبة.
وفي الوقت الذي كان فيه الحزب قد قدم إعادة تشغيل المصفاة في برنامج انتخابات 2021 باعتبارها مدخلاً لضمان استمرارية أنشطة التكرير والتخزين وتعزيز الاستقلال الطاقي، انتهت الولاية الحكومية من دون استئناف نشاط التكرير في “لاسامير”، بينما اقتصر الاستغلال الفعلي خلال هذه الفترة على جزء من قدراتها التخزينية، وفق تصريحات بنعلي نفسها.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، عادت “لاسامير” إلى برنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة. وتعهد الأخير بتأمين مخزون من المحروقات يغطي الاستهلاك الوطني لمدة ثلاثة أشهر، من خلال استغلال خزانات شركة “سامير”، إلى جانب إلزام مستوردي المحروقات بالتوفر على مخازن خاصة ذات طاقة استيعابية كافية.
وفي تجمع انتخابي للحزب بالرباط، عادت بنعلي إلى الملف، متحدثة عن إمكانية إعادة تشغيل واستغلال منشآت وخزانات “سامير”، وربطت ذلك بشروط، من بينها عدم السماح باحتكار المنشآت من طرف شركة واحدة، وضمان سلامة السكان في الرباط والمحمدية. ويختلف التصريح عن بعض المراحل السابقة كونه يأتي داخل خطاب انتخابي لحزب تنتمي إليه الوزيرة، بعد ولاية حكومية كانت فيها المسؤولة عن قطاع الطاقة.