story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

نمذجة الوزير برادة

ص ص

وقف وزير التعليم، محمد سعد برادة، أمس تحت قبة البرلمان ليحدثنا عن محاربة الغش في امتحانات البكالوريا، فبشّر الأمة بحوالي ألفي جهاز إلكتروني متطور، جهاز في كل مؤسسة، يرصد الهواتف وهي في وضعية تشغيل، ويكفي، كما قال، أن يقف عند باب القسم ليلتقط التلميذ الغشاش كما يلتقط صياد ماهر سمكة شاردة.

ثم أضاف الوزير الحلواني، بكثير من الثقة، أنه إذا نجحت العملية فستكون البكالوريا هذه السنة “دون غش”. قبل أن يتحفنا بجملة ستعيش طويلا أكثر من أي إصلاح تربوي، بالريادة أو بدونها، حين قال: “عندنا واحد داك الطريقة النمذجة باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير”.

وما دام الوزير قد وجد الوصفة السحرية للقضاء على الغش في الامتحانات، فمن الظلم أن نحصر عبقريته داخل أسوار المؤسسات التعليمية فقط. لماذا لا نأخذ منطقه على محمل الجد، ونقترح على الدولة أن تستعير أجهزة البكالوريا نفسها ليوم 23 شتنبر المقبل؟

أليست المؤسسات التعليمية نفسها هي التي تتحول، بكل براءة، إلى مكاتب للتصويت؟ أليس من حق المواطن أن يطمئن إلى أن اليوم الانتخابي سيكون هو أيضا دون غش، تماما كما وعدنا الوزير ببكالوريا نظيفة؟

لنضع جهازا عند باب كل مكتب تصويت، ليس لالتقاط هاتف تلميذ مرتبك هذه المرة، بل لالتقاط هواتف “الشناقة” وسماسرة الأصوات، وأولئك الذين ينتظرون الناخبين خارج المكاتب كما ينتظر المتعهدون زبائنهم عند باب موسم.

يكفي أن يرصد الجهاز هاتفا في وضعية تشغيل قرب المؤسسة، حتى نتأكد أن صاحبه لا يريد الاطمئنان على صحة قريبته التي تجتاز الامتحان، بل على صورة ورقة التصويت التي سيقدمها له من داخل المعزل مقابل “الزرقالاف”.

هكذا، وبفضل “النمذجة البرادية”، سنضرب عصفورين بحجر واحد: بكالوريا بلا غش، وانتخابات بلا غش، وراحة نفسية جماعية لمن تعبوا من كثرة الحديث عن الشفافية كما لو كانت نوعا من الرفاهية الاسكندنافية لا يليق بالمغاربة.

وحتى لا نظلم الرجل، يجب الاعتراف بأن منطقه متماسك على طريقته الخاصة. فهو قال إن الغش تطور، وإن أشكاله صارت تستعصي على الرصد، لذلك لا بد من أدوات أكثر تطورا لملاحقته.

ممتاز. ومن قال إن الغش الانتخابي عندنا ما زال بدائيا؟ ألسنا في بلد انتقل فيه التلاعب، منذ زمن، من الصندوق نفسه إلى ما قبله وما حوله وما بعده؟ من شراء الأصوات مباشرة، إلى “الجود” المقنّع، والوعود بالتشغيل، والضغط الاجتماعي، وتوجيه البسطاء والأميين، وتطويق محيط المكاتب، واستغلال وسائل النفوذ المحلي والإمكانات العمومية؟

إذا كانت الوزارة تعتبر أن تلميذا يخفي هاتفا في جيبه يستوجب ألفي جهاز، فكم جهازا يلزمنا لمراقبة من يخفون إرادة الناخبين في جيوبهم منذ عقود؟ وإذا كان الوزير قد اقتنع بأن “الفلتة” الصغيرة من تلميذ وسط نصف مليون مترشح تبرر تسليح أبواب الأقسام بالإلكترونيات، فماذا عن الفلتات الكبرى التي تقع كل خمس سنوات وتخرج علينا في صورة خرائط انتخابية معجونة على نار هادئة، توصلنا إلى وزراء قادمين من “الهولدينغ” نفسه، يتبادلون الصفقات أمام الجميع؟

لماذا يبدو الغش في الامتحان، عند الدولة، جريمة وجودية تستدعي التكنولوجيا والصرامة والردع، بينما يظل الغش في السياسة مجرد “سلوكات معزولة”، يؤدي الشك في حدوثها إلى العقوبات الجنائية؟ لماذا يفزعهم هاتف تلميذ في قاعة ضيقة، ولا يفزعهم محيط مكتب تصويت يضيق بالوسطاء والمترصدين؟

لماذا يُراد للتلميذ أن يدخل قسمه مجردا من كل أداة قد تفسد تكافؤ الفرص، بينما يدخل بعض المرشحين موسمهم الانتخابي محاطين بشبكات كاملة من الأعوان والولاءات والخدمات والضغوط والمصالح المتراكمة؟

الوزير برادة، من حيث لا يشعر، وضع إصبعه على الحقيقة المرة. حين تكون هناك إرادة حقيقية لمحاربة الغش، تُعبَّأ الأجهزة، وتُرصد الوسائل، ويُصاغ الخطاب بنبرة الحرب، ويصبح نجاح العملية شرطا لكرامة الدولة.

أما حين يتعلق الأمر بغش آخر، أوسع أثرا وأبعد خطرا على مصير البلد، فإننا ندخل جميعا في مرحلة النمذجة العامة. كل يفهم كيف يدير الأمر باش يفهم الآخر كيف يدير، ويمر الجميع من تحت السلك بسلام.

بطبيعة الحال، لا أحد ينتظر من الوزير أن يقترح علينا هذه المقارنة بنفسه. فلو طبّقنا وصفته التربوية على المجال الانتخابي فعلا، فقد نكتشف أن أكثر المتضررين من انتخابات بلا غش هم أولئك الذين تعودوا أن يعيشوا في هوامشها الرخوة، حيث لا تُحسم الأمور بالبرامج والخطب والأفكار، بل بما يترسب حولها من خدمات ومعارف وأعيان وشبكات حسن الجوار السياسي.

سنكتشف أن تكافؤ الفرص الذي يريدونه مقدسا بين التلاميذ لا يزعجهم أن يظل نظريا بين المرشحين. وأن الدولة التي تنصب ألفي جهاز حتى لا ينقل مترشح حر جوابا من هاتفه، لا تبدو مستعجلة لنصب ألفي عين حتى لا يُنقل صوت مواطن من ضميره إلى جيب غيره.

ولأن الوزير رجل متعدد المواهب، فلماذا نقف عند حدود التعليم والانتخابات؟ الرجل تحدث، في الجلسة ذاتها، عن شغب الملاعب، وأوضح لنا أن أغلب من يرتكبونه من المنقطعين عن الدراسة، وأن الوزارة تنظم أنشطة موازية وورشات توعوية وتشتغل على التخفيف من الضغط النفسي، مع الاعتراف بأن المشكلة مركبة ولا يمكن تعليقها على رقبة الحكومة الحالية وحدها. جميل.

لكن بما أن عنده هذه الموهبة الخارقة في النمذجة، فلماذا لا يصبح، بالمرة، وزيرا للداخلية؟ أو وزيرا للشغب الوطني والرياضات الذهنية؟ تخيلوا معي مشهد مباراة ملتهبة، ومدرجات على حافة الانفجار، وحكم يتهيأ لإعلان ضربة جزاء في الوقت بدل الضائع، والجمهور على استعداد لتحويل الملعب إلى درس تطبيقي في الفوضى. ثم فجأة يدخل الوزير برادة بخطاه الواثقة، ويوزع على المشاغبين “مصاصات” تربوية، ويشرح لهم، بنبرته الفريدة، أن عندنا واحد داك الطريقة النمذجة باش المشجع يفهم كيفاش خاصو يشجع باش يفهم كيفاش ما يشاغبش.

وبينما ينشغل الجميع بمضغ السكر الملون ومحاولة فهم الجملة، تمر الدقائق العصيبة، وتنتهي المباراة، ويخرج الوطن سالما من الفتنة بفضل بيداغوجيا الحلويات.

لا تبخلوا علينا بنمذجة الوزير برادة. خذوا وصفته كاملة، لا نصفها. ضعوا الأجهزة حيث ينبغي أن توضع، وراقبوا أبواب الأقسام، نعم، لكن راقبوا أيضا أبواب مكاتب التصويت، ومحيطها، وهواتفها، ووسطاءها، وزرقالافها المتنقل من جيب إلى جيب.