story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

لقجع.. “همّة” المرحلة؟

ص ص

كتبت قبل أيام في هذا الركن متسائلا “هل مات رئيس الحكومة؟”، ولم يكن السؤال يومها من باب الرثاء المجاني لمنصب دستوري، ولا من باب الترف التحليلي الذي نمارسه أحيانا حين لا نجد ما نفعله بأعصابنا السياسية.

لقد كان السؤال نابعا من هذا الفراغ الغريب الذي يسبق انتخابات 23 شتنبر 2026، حيث توجد أحزاب، ولوائح، وصراعات، ودوائر موت، وأموال وأعيان… لكن لا يوجد، في المقابل، ذلك الشخص الذي ينهض في المخيال العام بوصفه مرشحا للمنافسة على رئاسة الحكومة.

اليوم، تشير وقائع البحث الجماعي عن شخص يملأ هذا المنصب (بشكل يذكرني بفيلم البحث عن زوج امرأتي)، أو على الأقل يعطيه قناعا جديدا يحظى بقدر معقول من “القبول”، إلى أن أهم مستجد جاء به دستور 2011 تحوّل فعلا إلى عبء ثقيل على الجميع.

لم يعد الفصل 47، في الوعي السياسي العام، وعدا بإنتاج رئيس حكومة من رحم معركة انتخابية واضحة، بقدر ما صار معضلة تقنية وسياسية، وهنا برز اسم فوزي لقجع.

لا يهم كثيرا، في هذه اللحظة، أن يكون الرجل قد نفى التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة أو ترشحه باسمه. النفي تضمّن كلمة “حاليا”، لكنه لم يمتدّ إلى المستقبل. والسياسة في المغرب لا تبوح بأسرارها ببلاغات رسمية، بل كثيرا ما تبدأ بوشوشة في أذن أحدهم في صالون، ثم عنوان في صحيفة، ثم تصريح نصف واضح، ثم نفي محسوب، ثم عودة الاسم نفسه في صيغة أخرى، إلى أن نكتشف في النهاية أن ما كان مستحيلا صار واقعا.

الشاهد عندي هنا ليس هل سيدخل فوزي لقجع “البام” أم لا؟ وهل سيقود الحزب إلى الصدارة أم لا؟ هذه كلها أسئلة مهمة، لكنها لا تمسك بجذر الحكاية. السؤال الأعمق هو لماذا صار اسم موظف كبير، ووزير منتدب، ورئيس جامعة كرة، ورجل ميزانية، ورجل فيفا وكاف ومونديال، يظهر فجأة بوصفه أحد سيناريوهات إنقاذ منصب رئيس الحكومة من موته السياسي؟

إذا أردنا الجواب، فلنعد قليلا إلى الوراء.

في 2007، حين جاءت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية هزيلة ومخيفة، شعرت الدولة أن الجهاز الحزبي الذي يفترض أن يمنح الشرعية الانتخابية للحكومة صار أشبه بجسد دون روح. وخرج يومها رجل ثقة من قلب الدولة، وزير منتدب في الداخلية، اسمه فؤاد عالي الهمة، ليؤسس حركة “لكل الديمقراطيين”، ثم حزب الأصالة والمعاصرة، في محاولة لحرث الأرض السياسية وقلبها رأسا على عقب.

كان الهدف المعلن هو تجديد النخب وتجاوز أعطاب الأحزاب. والهدف نصف المعلن، هو لجم الإسلاميين الصاعدين بقوة إلى صدارة المشهد.

نعرف ما حدث بعد ذلك. جاء حراك 20 فبراير، وجاء دستور 2011، وجاء عبد الإله بنكيران، وتغير اتجاه السفينة إلى حيث يعرف الجميع. لكن لحظة 2007 تبقى صالحة للفهم. فحين تضعف السياسة، تستدعي الدولة رجلا من خارج الحقل الحزبي التقليدي، وتطلب منه أن يعيد تشغيل الآلة.

اليوم، تلوح بوادر عملية مشابهة، مع فارق في السياق والأدوات والشخصية. ليس لدينا وزير منتدب في الداخلية هذه المرة، بل وزير منتدب في الميزانية. وليس لدينا حزب جديد يحتاج إلى ولادة صاخبة، بل حزب قديم جديد، اسمه الأصالة والمعاصرة، يقيم منذ سنوات في قاعة انتظار الزعيم الذي س”يحكم” معه. وليس لدينا خطر إسلامي صاعد كما كان عليه الأمر قبل عقد ونصف، بل خطر آخر هو منصب رئيس حكومة بلا مرشح “مقبول”، وانتخابات بلا رهان، وأحزاب بلا رأس سياسي قادر على إقناع الناس بأن الصناديق ستنتج شيئا أكثر من توزيع المقاعد.

هنا يحضر فوزي لقجع بوصفه “جوكير” ممكن للمرحلة. فالرجل ليس اسما عاديا في الإدارة المغربية. هو ابن جهاز الدولة في المالية والفلاحة. وهو أيضا رجل كرة القدم الذي صار اسمه، في السنوات الأخيرة، مرتبطا بكل ما تحب الدولة أن تقدمه عن نفسها حين تريد أن تبدو ناجحة: نصف نهائي كأس العالم، ومركز محمد السادس لكرة القدم ومعه “الأكاديمية”، وتنظيم كأس إفريقيا مع “الفوز” بها، ونيل تكليف الفيفا بالمشاركة في تنظيم مونديال 2030، والنفوذ الذي قلب الطاولة على الخصوم داخل الكاف، وتحويل الكرة من لعبة شعبية إلى ذراع من أذرع الدبلوماسية المغربية…

يمكن أن نختلف حول الرجل في أشياء كثيرة، وحول طريقته، وحول تركيز الصلاحيات بين يديه، وحول هذا الحضور الكثيف الذي يجعله في كل مكان تقريبا؛ لكن لا يمكن إنكار أن فوزي لقجع يمثل، في المخيال الإداري المغربي، صورة المسؤول الذي “ينجز”.

فوزي لا يتكلم كثيرا (لكنّه يدخّن كثيرا)، ولا يبتسم كثيرا، لكنه يظهر في نهاية المطاف قرب منصة التتويج، أو قرب ملف مالي كبير، أو قرب مشروع ملكي ضخم، أو قرب واجهة دولية يريد المغرب أن يثبت فيها قدميه. هذه هي قوته. وهذه هي مشكلته أيضا.

قوته أنه يأتي من منطقة الإنجاز التقني، لا من منطقة الاستهلاك الخطابي. ومشكلته أن رئاسة الحكومة ليست منصبا تقنيا. رئيس الحكومة، كما تخيله دستور 2011، ليس مدير مشروع كبيرا، ولا رئيس لجنة تنظيم، ولا آمرا بالصرف بدرجة سياسية. بل هو، نظريا، رأس سلطة تنفيذية منبثقة من صناديق الاقتراع، يحمل تفويضا سياسيا، ويقود أغلبية، ويجيب أمام البرلمان، ويتحمل أمام المواطنين.

لكن ما العمل إذا كانت السياسة نفسها لم تعد تنتج هذا النوع من الشخصيات؟

يبدو الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، منطقيا، أقرب الأسماء الحزبية إلى المنصب. فهو يقود حزبا تاريخيا، ويملك خبرة حكومية، ويتحدث بلغة المؤسسات، ويعلن طموح الاستقلال إلى تصدر الانتخابات. لكن الطريق بين الطموح والصدارة ليست ممرا حزبيا خالصا. هناك ألغام محلية، وخرائط دولية، وتوازنات داخلية، ودوائر موت، وشبكات نفوذ، و”مقادير” انتخابية لا يكتبها الزعيم السياسي وحده.

أما التجمع الوطني للأحرار، فقد أخرج عزيز أخنوش من الواجهة، ووضع محمد شوكي مكانه. لكن شوكي، مهما جرى تلميعه، لا يبدو في المخيال السياسي العام مرشحا طبيعيا لرئاسة حكومة جديدة. إذا وصل الرجل إلى المنصب، فسيبدو الأمر، عند فئات واسعة، كما لو أننا أمام ولاية ثانية لأخنوش بوجه آخر.

يبقى الأصالة والمعاصرة. هذا الحزب الذي ولد، في الأصل، من رحم محاولة الدولة إصلاح السياسة بوسائل غير سياسية. حزب ظل، منذ تأسيسه، يملك المال والأعيان والخرائط والعلاقات والقدرة على التوسع، لكنه ظل يفتقد إلى تلك الشخصية التي توصله إلى غايته الأصلية.

من حسن بنعدّي إلى وهبي، مرورا بالشيخ بيد الله والبكوري وإلياس العماري وحكيم بنشماس… كلما احتاج إلى زعيم، بحث عنه في الخارج. وكلما حاول أن ينتج قيادة من داخله، انتهى إلى إدارة جماعية، أو هدنة مؤقتة، أو تسوية بين أجنحة لا تريد أن تتقاتل أمام الناس.

لهذا يبدو اسم لقجع مغريا. فهو قادر، نظريا، على منح البام ما ينقصه بالضبط. أي واجهة تدبيرية قوية، وصلة مباشرة بالمشاريع الكبرى، وصورة رجل دولة لا رجل حزب، وقابلية للتسويق لدى جزء من النخب التي ملّت من السياسيين، أو التي صارت ترى في السياسة نفسها مصدرا للقلق لا للحلول.

من حق فوزي لقجع ولوج العمل السياسي مثل أي مواطن. ودخوله حزبا من الأحزاب لن يكون فضيحة في حد ذاته. فقد دخل رجال مال وأعمال وأعيان وتكنوقراط إلى الأحزاب قبل اليوم، وبعضهم صاروا رؤساء حكومات ووزراء وزعماء. لكن السؤال ليس قانونيا. السؤال سياسي: هل نريد رئيس حكومة يخرج من صناديق الاقتراع بعد أن يكون قد خاض معركة سياسية واضحة، أم نريد شخصية جاهزة تبحث لها الهندسة الانتخابية عن حزب مناسب؟

لقد جرب المغرب عبد الإله بنكيران، الرجل الذي جاء من حزب ومن دعوة ومن شارع ومن خطاب شعبوي قوي، فبات فائضا عن الحاجة في لحظة معينة. وجرب عزيز أخنوش، رجل المال الذي جرى تأهيله انتخابيا كي يصبح رئيس حكومة، فكان جشعا أكثر مما يحتمل المغرب. واليوم، يبدو أن الخيال السياسي يبحث عن صيغة ثالثة، في شكل رجل إنجاز إداري ورياضي، يمكن أن يمنح رئاسة الحكومة بعض الهيبة التقنية بعدما فقدت الكثير من معناها السياسي.

ربما يدخل لقجع السياسة. وربما لا يدخلها. قد يكون كل هذا مجرد دخان سياسي لا نار تحته. وقد تكون النار مشتعلة في مكان آخر لا نراه. لكن مجرد تداول الاسم بهذه القوة يكفي كي نفهم أن منصب “رئيس الحكومة” مريض. وأن الجميع يبحث له عن طبيب. وأن الطبيب المقترح هذه المرة ليس قادما من مستشفى السياسة، بل من ملعب كرة ووزارة ميزانية وغرفة عمليات اسمها مغرب 2030.