story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

انخفاض أسعار الدجاج.. إفلاس يهدد المربين الصغار والمتوسطين ومكسب مؤقت للمستهلكين

ص ص

شهدت أسعار الدجاج بالمغرب خلال الأيام الأخيرة تراجعا غير مسبوق، بعدما انخفض سعر الكيلوغرام من الدجاج الحي داخل الضيعات إلى أقل من 7 دراهم، في وقت يؤكد فيه مهنيون أن تكلفة الإنتاج الحقيقية تتراوح ما بين 15 و17 درهما للكيلوغرام،ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول أوضاع قطاع الدواجن، بين من يعتبره مؤشرا على اختلالات هيكلية تراكمت لسنوات داخل سلسلة الإنتاج والتسويق، ومن يرى فيه انعكاسا طبيعيا لقانون العرض والطلب في سوق مفتوح.

ويأتي هذا التراجع في سياق يتسم بوفرة العرض وتراجع الطلب، خاصة بعد عيد الأضحى وما رافقه من توفر كميات مهمة من اللحوم الحمراء، ما أثر على وتيرة استهلاك الدجاج، وبينما ينظر المستهلكون إلى انخفاض الأسعار باعتباره متنفسا مؤقتا للقدرة الشرائية وفرصة للحصول على البروتين الحيواني بأثمان أقل، يحذر مهنيو القطاع من أن الوجه الآخر لهذه المعادلة يتمثل في الخسائر الثقيلة التي يتكبدها المربون، خصوصا الصغار والمتوسطون منهم.

وفي خضم هذا الجدل، يربط بعض الفاعلين المهنيين الأزمة الحالية بما يعتبرونه تعثرا في تحقيق أهداف مخطط “المغرب الأخضر” الخاصة بقطاع الدواجن، لا سيما ما يتعلق بخفض تكاليف الإنتاج وتنظيم مسالك التسويق وإدماج المربين الصغار والمتوسطين.

ويرى هؤلاء أن استمرار بيع الدجاج بأثمنة تقل عن نصف تكلفة إنتاجه يهدد بإفلاس عدد من المربين وإخراجهم من السوق، في حين يعتبر آخرون أن الظرفية الحالية تظل فرصة استثنائية للمستهلك، وإن كانت تكشف في الوقت نفسه عن اختلالات عميقة تحتاج إلى معالجة لضمان توازن القطاع واستدامته.

انتحار المربين الصغار و المتوسطين

وفي هذا السياق، وصف محمد أعبود، رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بالمغرب، هذا التراجع الذي وصل إلى أقل من سبعة دراهم داخل الضيعات، بأنه وضع خطير يصل حد “الانتحار بالنسبة للمربين”، في إشارة إلى حجم الخسائر التي يتكبدها الفاعلون الصغار والمتوسطون في القطاع.

وأوضح أعبود، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن من بين الأسباب المباشرة لهذا الانخفاض، تسجيل إنتاج كبير من الكتاكيت من طرف المفاقس، ثم تسويقها عبر السماسرة بأثمان مرتفعة، وهو ما خلق اختلالا في كلفة السلسلة الإنتاجية وتوازناتها.

وأضاف أن هذا الوضع تزامن مع فترة عيد الأضحى المبارك ووفرة اللحوم الحمراء، ما أدى إلى تقليص الإقبال وضعف الطلب على الدجاج، وهو ما ساهم بدوره في الضغط على الأسعار داخل الضيعات.

وأشار إلى أن من بين الإشكالات المطروحة أيضا، وصول الدجاج إلى أوزان تفوق 14 كيلوغراما، الأمر الذي يجعل عملية تسويقه أكثر صعوبة ويزيد من تعقيد الوضع داخل السوق.

واعتبر أعبود أن جزءا كبيرا من هذه الاختلالات يعود إلى ضعف تنزيل مخطط “المغرب الأخضر”، الذي تم توقيعه بين الوزارة الوصية والفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن، مبرزا أنه تم في هذا الإطار إبعاد المربين الصغار والمتوسطين عن هذا التصور.

وتابع أن من بين الأهداف التي كان ينص عليها المخطط خفض تكلفة الإنتاج، غير أن الواقع، بحسبه، أظهر العكس، حيث ارتفعت التكاليف بدل أن تنخفض، ما زاد من الضغط على المربين المتوسطين و الصغار.

كما أشار إلى أن المخطط كان ينص على مرور حوالي 90% من إنتاج الدجاج عبر المجازر الصناعية من أجل التثمين وتحقيق توازن في السوق، غير أن هذا الهدف لم يتم تحقيقه بالشكل المطلوب.

ويرى أعبود أن هذا التعثر ساهم في استفادة بعض الشركات، في ظل استمرار بيع الأعلاف بأسعار مرتفعة للمربين، ما أدى إلى خسائر متتالية للفلاحين الصغار والمتوسطين وإقصائهم التدريجي من القطاع.

الضغط على الوزارة و المنتجين

وفي ما يخص الحلول الممكنة، أكد أعبود أن الأمر يقتضي، أولا، الضغط على وزارة الفلاحة والمديريات الجهوية من أجل إحصاء المربين الصغار الذين أفلسوا، وأولئك الذين ما زالوا يواصلون نشاطهم، مع التعامل معهم بشكل منظم يهدف إلى إعادة تأهيلهم وإدماجهم داخل الدورة الإنتاجية.

كما دعا إلى ضرورة الضغط على المنتجين من أجل خفض تكاليف الإنتاج والتماشي مع متطلبات السوق الوطنية والدولية، أو في المقابل فتح المجال بشكل كامل أمام الفلاح الصغير والمتوسط، وتمكينه من شروط تنافسية أوضح داخل القطاع.

وو أضاف أن من بين المقترحات المطروحة أيضا دعم استيراد الأعلاف المركبة بدون ضرائب أو رسوم جمركية، إلى جانب تقديم دعم مباشر من الدولة يساهم في تقليص كلفة الإنتاج، بما يسمح للمربين بمواصلة النشاط في ظروف أكثر استقرارا.

وخلص محمد أعبود إلى التأكيد على أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إبعاد الفلاحين الصغار والمتوسطين بشكل كامل، بما قد ينعكس على المنافسة داخل السوق ويفتح المجال لفرض إملاءات على الأسعار، محذرا من انعكاسات ذلك على المستهلك وعلى توازن القطاع ككل.

فرصة ثمينة للمستهلكين

من جهته انطلق بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، من زاوية تعتبر الانخفاض الحالي في أسعار الدجاج فرصة مباشرة للمستهلك، في سياق سوق حر يخضع لقانون العرض والطلب، حيث يرى أن هذا التراجع ينعكس إيجابا على القدرة الشرائية للأسر.

وأوضح الخراطي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن هذا الانخفاض يعد وضعا طبيعيا داخل دينامية السوق، ويجب التعامل معه كنافذة استهلاك مناسبة، داعيا المستهلكين إلى استغلال هذه المرحلة من أجل اقتناء الدجاج بكميات معقولة وتخزينه.

وأضاف أن هذه الفرصة قد لا تكون طويلة، مرجحا أن تعرف الأسعار ارتفاعا ملحوظا مع حلول فصل الصيف، الذي يشهد عادة دينامية استهلاكية خاصة، ترتبط بتنظيم الأعراس والحفلات وكثرة التنقل والسفر، وهو ما يرفع الطلب على المواد الغذائية وعلى رأسها الدجاج.

وأشار إلى أن الدجاج يُباع حاليا بأثمنة تقل عن تكلفة الإنتاج، موضحا أن سلسلة التسويق تمر بعدة مراحل تبدأ من الضيعة عند المنتج، ثم عبر وسيط يتولى التوزيع الأولي، قبل أن تنتقل إلى حلقات توزيع أخرى قبل الوصول إلى المستهلك النهائي.

وفي قراءة لأسباب هذا الانخفاض، أوضح الخراطي أن الوضع يرتبط أيضا بسلوك السوق وبسوء تقدير من طرف بعض المربين لتقلبات العرض والطلب، خاصة في ظل وفرة اللحوم الحمراء، ما أدى إلى تراجع الإقبال على استهلاك الدجاج بشكل مباشر.

واعتبر أن الإشكال لا يتعلق فقط بالأرقام، و إنما أيضا بثقافة التدبير داخل القطاع، حيث إن بعض المربين، حسب تعبيره، يتعاملون مع السوق بمنطق الربح السريع دون استيعاب دورة الخسارة والربح التي تميز قطاع الدواجن.

وخلص الخراطي إلى التأكيد على أن هذه المرحلة تظل في نهاية المطاف فرصة للمستهلك، لكنها في المقابل تعكس اختلالات أعمق في تدبير السوق وسلاسل الإنتاج والتوزيع.

إنهاك و إفلاس للمربين الصغار

وكانت الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بالمغرب قد أعربت عن قلقها من التراجع الحاد في أسعار البيع داخل الضيعات، معتبرة أن هذا الانخفاض غير المسبوق بات يشكل ضغطا مباشرا على المربين ويهدد استمرارية نشاطهم.

وأكدت الجمعية في بلاغ لها أصدرته اليوم الإثنين 08 يونيو 2026 أن هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على الفاعلين الصغار والمتوسطين في القطاع، حيث أدى استمرار تراجع الأسعار إلى إنهاك قدرتهم المالية ورفع مخاوف الإفلاس لدى عدد منهم، في ظل ما اعتبرته غيابا لتدخلات تنظيمية فعالة في السوق.

كما اعتبرت أن اختلال التوازن بين العرض والطلب، إلى جانب ما تصفه بضعف ضبط مسالك التسويق والمضاربة، ساهم في تعميق الأزمة، وجعل المربي الحلقة الأكثر تضررا داخل سلسلة الإنتاج.

وحذرت الجمعية من أن استمرار هذا المنحى التنازلي للأسعار يهدد استقرار القطاع ككل، بما في ذلك الأمن الغذائي المرتبط بتوفير البروتين الحيواني، داعية إلى إجراءات عاجلة لإعادة التوازن للسوق وحماية المنتجين من الخسائر المتراكمة.

وطالبت في هذا السياق بفتح تحقيق في اختلالات التسويق، وتعزيز آليات المراقبة، وإشراك المهنيين في وضع سياسات القطاع، إلى جانب اتخاذ تدابير استعجالية للحد من تداعيات انهيار الأسعار على المربين.

وأكدت الجمعية أنها تتابع الوضع عن كثب، محذرة من تداعيات استمرار الأزمة دون حلول عملية، في وقت يتزايد فيه الضغط على مربي الدواجن في مختلف جهات المملكة.