story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
المؤسسة الملكية |

الديمقراطية في خُطب محمد السادس.. لها حد هو المصلحة العليا للبلاد

ص ص

ضمن ملفّ عددها الخاص بمناسبة الذكرى 27 لعيد العرش، عادت مجلة “لسان المغرب” إلى خُطب وحوارات ورسائل الملك محمد السادس، وتعقّبت تطوّر بعض المفاهيم والمواضيع الأساسية. في هذه الورقة، ترصد تطوّر فكرة الديمقراطية في خطاب الملك:

ظلت الخطب الملكية على الدوام نافذة تتيح الإطلال على تصور الحاكم الفعلي للبلاد لمفهوم الديمقراطية وما يعتزم القيام به بخصوصها. وبدوره لم يدخر الجالس على العرش جهده في عرض وجهة نظره و”فلسفته” حول الديمقراطية.

كانت للحسن الثاني صولات وجولات في ذلك، موظفا كل فنون الاتصال اللفظي وغير اللفظي وتقنياته الرمزية والإيحائية. لتستمر مهمة هذه الخطب مع خليفته الذي صرّح في أول خطاب له بمناسبة ذكرى المسرة الخضراء: “نود أن نؤكد أن خيارنا للديمقراطية هو خيار لا رجعة فيه وأن الديمقراطية مسؤولية كذلك، وندعو الى عدم سوء استعمالها. وكل تجاوز أو خرق من شأنه أن يمس بالنظام العام سيتعرض للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل”

رأى البعض أن جديد العهد الجديد هو تصريحه المباشر بخيار الديمقراطية، فيما توقف البعض الآخر عند اقترانها ب”المسؤولية”. اقتران جاء التأكيد عليه في مناسبات أخرى: “كلنا مسؤولون فرادى وجماعات، سلطات وهيآت، أحزابا وجمعيات، عن البناء الجماعي لمجتمعنا الديمقراطي الحداثي، الذي هو مشروع الأمة بأسرها” (خطاب العرش 2002)، وبشكل أكثر صرامة وبدلالات أخرى: “دقت ساعة الحقيقة معلنة نهاية زمن التساهل في مواجهة من يستغلون الديمقراطية للنيل من سلطة الدولة، أو من يروجون أفكارا تشكل تربة خصبة لزرع أشواك الانغلاق والتزمت والفتنة، أو يعرقلون قيام السلطات العمومية والقضائية، بما يفرضه عليها القانون من وجوب الحزم في حماية حرمة وأمن الأشخاص والممتلكات” يقول محمد السادس في الخطاب الذي أعقب أحداث 16 ماي.

“لقد أكدنا مرارا، ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق وطويل، وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع” يقول وريث الحسن الثاني قبل أن يضيف في مناسبة أخرى: ” فالديمقراطية الحقة ليست وصفة جاهزة، وإنما تبنى على مراحل، بالالتزام المسؤول والشجاعة ونكران الذات. إنها تقوم بالأساس، على المشاركة الشعبية، وعلى مصداقية المؤسسات، ومدى مساهمتها في تعزيز الحكامة الجيدة، وتحقيق التنمية البشرية” لكن على الجميع ألا ينسى أنه “وإذا كانت المنافسة الديمقراطية ضرورية فإن لها حدا هو المصلحة العليا للبلاد”.

ستعرف هذه النظرة إلى الديمقراطية، في السنوات اللاحقة، انتقالا تدريجيا من التأكيد على الاختيار الديمقراطي وحدوده، إلى التركيز على دسترة قواعده وربطه بفعالية المؤسسات ونتائجها. ففي خطاب تقديم مشروع دستور 2011، قدّم الملك محمد السادس النص الجديد باعتباره “تحولا تاريخيا حاسما، في مسار استكمال بناء دولة الحق والمؤسسات الديمقراطية”، لكنه سرعان ما نبّه إلى أن الدستور، مهما بلغ من الكمال، لا يمثل غاية في ذاته، بل وسيلة لإقامة مؤسسات ديمقراطية قادرة على تحقيق التنمية والعيش الكريم.

وبذلك لم تعد الديمقراطية تُقاس بوجود المؤسسات والانتخابات فقط، بل بقدرتها على العمل والإنتاج وتحمل المسؤولية. وهو المنحى الذي سيتأكد بوضوح في خطاب العرش لسنة 2017، حين أعلن الملك أنه “لا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب”، داعيا إلى التفعيل الكامل للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.

أما الانتخابات، فقد أعاد الخطاب الملكي تعريفها باعتبارها وسيلة وليست غاية؛ إذ قال سنة 2021: “الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لإقامة مؤسسات ذات مصداقية، تخدم مصالح المواطنين”. وهي صيغة تختزل تطور تصور الديمقراطية من التنافس على المقاعد إلى اختبار مصداقية المؤسسات وجدواها الاجتماعية والسياسية.

وبموازاة الديمقراطية التمثيلية، اتجه الخطاب الملكي إلى إبراز الديمقراطية التشاركية، ولا سيما على المستوى الترابي، من خلال الدعوة إلى إشراك المواطنين والمجتمع المدني في “صياغة وإعداد وتنفيذ ومراقبة، وتقييم السياسات العمومية”، بما يجعل المشاركة ممتدة إلى ما بعد لحظة التصويت.

نشرت هذه المادة ضمن عدد خاص من مجلة “لسان المغرب” بمناسبة الذكرى 27 لعيد العرش