story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

أسطورة استحالة التسقيف

ص ص

قادتني زيارة إلى العاصمة البلجيكية بروكسيل، الأسبوع الماضي، إلى الوقوف على واحدة من تلك المفارقات التي لا يحتاج المرء إلى السفر بعيدا لاكتشافها، لكنها تصبح أكثر إثارة حين يراها بعينيه.

ففي قلب أوروبا الغربية، حيث وُلدت كثير من الأفكار الاقتصادية التي نستوردها مع تعليمات استعمالها، وحيث تُرفع رايات المنافسة وحرية السوق والمبادرة الخاصة، لا يستطيع بائع المحروقات أن يبيع لترا من البنزين أو الغازوال بالثمن الذي يشاء. بل هناك سقف تحدده السلطات العمومية، ويُراجع وفق تطورات الأسواق الدولية، ولا يجوز تجاوزه.

نعم، في بلجيكا الرأسمالية الليبرالية، وليس في جمهورية اشتراكية من مخلفات الحرب الباردة، تتدخل الدولة في أسعار المحروقات، وتضع حدا لما يجوز استخلاصه من جيوب المستهلكين.

أما عندنا، فيبدو أن الليبرالية التي وصلتنا عبر البحر الأبيض المتوسط فقدت، في الطريق، كل ما يقيّدها، واحتفظت فقط بحرية الشركات في تحديد الأسعار.

تذكرت هذه المفارقة وأنا أتابع، بعد عودتي، مسؤولين حكوميين مغاربة يواجهون المطالب المتجددة بتسقيف أسعار المحروقات بما يشبه الفزاعة الاقتصادية. فما إن تُطرح كلمة “التسقيف” حتى يُبعث نظام المقاصة في مجال المحروقات من قبره، وتُخرج آلة الحساب عشرات المليارات من الدراهم، ويُوضع المواطن أمام الاختيار المفزع: إما أن نقبل الأسعار كما تحددها الشركات، أو نعيد فتح أنبوب الدعم العمومي ونعرّض ميزانية الدولة للإفلاس.

وزير المالية فوزي لقجع أعلن بوضوح رفضه التسقيف والعودة إلى المقاصة، ثم جاء الناطق الرسمي باسم الحكومة ليقيم بينهما علاقة مباشرة، مستحضرا كلفة تصل إلى سبعين مليار درهم. هكذا تحوّل مطلب تنظيم سوق المحروقات، إلى مطالبة بإنفاق عشرات المليارات من المال العام، دون أن تقوم الحجة على ارتباط هذا بذاك.

التسقيف هو وضع حد أقصى لسعر البيع أو لهامش التوزيع أو الربح، بينما المقاصة تعني، في صورتها المعروفة، تدخل الدولة لتحمل جزء من تكلفة المادة حتى تُباع بثمن يقل عما كان سيتحمله المستهلك لولا الدعم. إجراءان يمكن أن يلتقيا في بعض الظروف، نعم، لكن لا شيء في النظرية الاقتصادية ولا في القانون يجعل أحدهما مرادفا للآخر.

ما لا يريد أصحاب هذه الفزاعة مناقشته هو أن السعر المحدد إداريا يمكن أن يغطي كلفة الاستيراد والتخزين والنقل والتوزيع، وأن يتضمن هامشا مجزيا للشركات، دون أن تدفع الخزينة العامة درهما واحدا لتعويض الفرق.

يمكن للدولة، مثلا، أن تنظم هامش الربح، فلا تتركه يتمدد مع كل ارتفاع دولي أو مع كل اختلال في المنافسة، إذ لا مبرر للربح أكثر عندما يصبح السعر أعلى، وأن تعتمد في الوقت نفسه نظاما ضريبيا مرنا يخفف انتقال الصدمات إلى المستهلك.

فالمحروقات ليست مجرد سلعة يتداولها السوق؛ إنها أيضا وعاء للضريبة الداخلية على الاستهلاك، وللضريبة على القيمة المضافة. ويمكن تصور آلية تحدّ من ارتفاع العبء الضريبي لكل لتر عند اشتداد الصدمة، بدلا من أن تظل الدولة تتفرج على الأسعار وهي تصعد، ثم تستفيد، عبر الضريبة على القيمة المضافة، من جزء من هذا الصعود.

من أراد البرهان فليذهب إلى بلجيكا التي بدأنا منها. منذ سنة 1974، تعتمد هذه البلاد اتفاقا منظما لأسعار المنتجات البترولية، تحتسب بموجبه السلطات الحد الأقصى للبيع اعتمادا على أسعار المنتجات المكررة في الأسواق الدولية، وتكاليف النقل والتخزين، وهامش إجمالي أقصى للتوزيع، والرسوم والضرائب. تُراجع الأسعار القصوى للمحروقات في كل يوم تقريبا (أيام العمل)، وتستطيع المحطات أن تبيع بأقل منها، لكنها لا تستطيع تجاوزها.

فكيف يُقدَّم عندنا تنظيم الأسعار كما لو كان بدعة اقتصادية تستحيل ممارستها خارج إحياء المقاصة؟

وليست بلجيكا المثال الوحيد الذي يمكن استحضاره. ففي كرواتيا، إحدى دول الاتحاد الأوروبي، واجهت الحكومة ارتفاع أسعار الطاقة خلال سنة 2026 بمزيج واضح من الأدوات، مثل تحديد هوامش قصوى للربح في مواد البنزين والغازوال، وتخفيض الرسوم الداخلية على الاستهلاك.

بدأت كرواتيا بوضع سقف للهامش بلغ نحو 17 سنتا أوروبيا للتر (عندنا يربحون أكثر من ذلك أحيانا)، قبل أن تُدخل تعديلات إضافية مع استمرار اضطراب الأسعار الدولية. لم يؤد ذلك إلى اختفاء الغلاء، ولم يجعل الوقود بمنأى عن تقلبات السوق، لكنه أثبت إمكانية توزيع عبء الصدمة بين المستهلك والشركات والخزينة، بدل تحميله لطرف واحد.

وفي جنوب إفريقيا، تُراجع السلطات أسعار البنزين وفق صيغة تأخذ في الاعتبار أسعار الاستيراد والصرف والضرائب وتكاليف النقل وهوامش البيع.

أما تشيلي، فقد اختارت آلية لتعديل المكون الضريبي ضمن السعر، بهدف تخفيف تقلبات الأسواق وامتصاص الصدمات، مع ما يمكن أن يترتب عنها، في بعض الظروف، من تكلفة مالية تتجاوز مجرد التنازل عن الإيرادات.

هذه نماذج مختلفة، وليست وصفة سحرية واحدة، لكنها تتفق في كون تحديد أسعار المواد الطاقية ممارسة موجودة في اقتصادات السوق نفسها، وليست نقيضا آليا لها.

والأغرب أن النقاش المغربي لا يحتاج بالضرورة إلى استيراد كل أفكاره من بروكسيل أو زغرب أو سانتياغو. فالقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يقر مبدأ حرية الأسعار، لكنه يتضمن أيضا استثناءات وآليات لتنظيمها في ظروف محددة.

كما أن الحكومة المغربية سبق أن عرضت، سنة 2019، مشروعا يتعلق بتسقيف هوامش أرباح المحروقات على مجلس المنافسة، الذي اعترض على صيغته محذرا من آثار محتملة على المنافسة والتموين، ومن خطر تحويل السقف إلى سعر مرجعي تتواطأ حوله الشركات.

سنسمع، بطبيعة الحال، من يحذر من أضرار التسقيف، وهو تحذير لا ينبغي تجاهله. فالدراسات الحديثة المنجزة على السوق البلجيكية نفسها أظهرت أن السقف يمكن أن يتحول إلى نقطة توحيد للأسعار، وأن محطات كانت تستطيع البيع بأقل منه قد تقترب منه، بما يضعف المنافسة بدلا من تنشيطها.

لكن ما دامت الدولة قادرة على حساب الضرائب إلى آخر سنتيم، والشركات قادرة على حساب التكاليف والهوامش إلى آخر فاصلة، فمن حق المواطن أن يسأل لماذا تصبح آلة الحساب عاجزة فجأة حين يُطلب منها تحديد حد أقصى لما يدفعه.

لا أقول إن علينا استنساخ النموذج البلجيكي أو الكرواتي أو التيشلي… أقول فقط إن الحكومة لا تملك حق إغلاق نقاش اقتصادي مشروع باستعمال استنتاج ينطوي على مغالطة مفادها أن التسقيف يساوي المقاصة، والمقاصة تساوي عشرات المليارات، إذن لا تسقيف.

هذه ليست حجة، بل جواب عن سؤال لم يُطرح. وإذا كانت الحكومة تعتقد أن أية صيغة قابلة للتطبيق في المغرب ستفشل أو تهدد التموين أو تكلف الخزينة أكثر مما تنفع المستهلك، فلتقدم حساباتها ودراساتها وسيناريوهاتها، ولتوضح لماذا لا تصلح عندنا الأدوات التي تستعملها دول أخرى، وهل تهدّدنا شركات المحروقات، خاصة المنتمية إلى ذات نفوذ، بما يمنعنا من المساس بأرباحها؟

أما أن نستورد من أوروبا السيارات والوقود والآلات، ونستورد معها حرية السوق، ثم نترك هناك ما يضع حدودا لهذه الحرية، فهذه ليست ليبرالية، وإنما انتقاء لما يناسب أصحاب المصالح.

وفي انتظار أن تقنعنا الحكومة بالعكس، سيظل السؤال معلقا فوق كل محطة وقود في المغرب: إذا كان تسقيف الأسعار ممكنا في قلب أوروبا الليبرالية، فلماذا يصبح عندنا مستحيلا إلا إذا وافق المواطن على أن يؤدي ثمنه مرتين، مرة عند المحطة، ومرة من صندوق المقاصة؟