الناجي: التطبيع الزراعي مع إسرائيل يهدد السيادة الغذائية للمغرب
قال محمد الناجي، الأستاذ الباحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، إن التعاون الزراعي بين الرباط وتل أبيب، الذي تسارع في أعقاب توقيع اتفاقيات أبراهام، يفرز تداعيات سلبية عميقة على مستويات متعددة، في مقدمتها “استنزاف الموارد المائية”، و”تكريس التبعية التكنولوجية”، و”تهديد السيادة الغذائية”.
وذكر محمد الناجي، في ندوة دعت إليها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، يوم الجمعة 27 مارس 2026، بمناسبة يوم الأرض الفلسطيني، الذي يوافق 30 مارس من كل سنة، أن التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي لم يكن مجرد اتفاق ديبلوماسي، بل شكل “حافزاً لتغلغل استراتيجي ومنهجي في القطاع الزراعي المغربي”.
واعتبر الناجي أن هذه العلاقة ليست شراكة متبادلة المنفعة، بل هي “ديناميكية تبعية تخدم المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الصهيونية”، وتؤدي في المقابل إلى “تفاقم نقاط الضعف الهيكلية في المغرب وتهديد موارده المائية والوراثية وسيادته الغذائية”.
وتوقف الناجي عند مفارقة صارخة في السياسة الزراعية الوطنية، حيث يواجه المغرب أزمة مائية هيكلية تتميز بـ”إجهاد مائي متزايد واستنزاف حرج للمياه الجوفية”. ومع ذلك، فإن المخططات الزراعية مثل “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر” لا تزال تصر على “تعزيز محاصيل تصديرية تستهلك كميات هائلة من المياه”.
وأوضح الناجي أن التغلغل الصهيوني في الزراعة المغربية ليس جديدًا، لكنه تسارع بعد التطبيع، حيث أصبح “نظامًا بيئيًا متكاملًا للتبعية”. ويتجسد هذا التغلغل في السيطرة شبه الكاملة على المدخلات الاستراتيجية، مثل البذور المحسنة، التي يعتمد عليها المغرب بنسبة تتجاوز 80٪، عبر شركات مثل “هزيرا” (Hazera) و”زيراييم جيديرا” (Zeraim Gedera) بأسعار قد تصل إلى 60,000 دولار للكيلوغرام.
كما يشمل معدات الري بالتنقيط، حيث تسيطر شركة “نيتافيم” (Netafim) على أكثر من 90٪ من السوق، مع افتتاح مصنع إنتاج في القنيطرة عام 2023، ما يجعل المغرب “مركزًا استراتيجيًا للتوسع التكنولوجي الصهيوني في إفريقيا”.
وأضاف أن الأسمدة القابلة للذوبان تشكل جزءًا من “حزمة تكنولوجية متكاملة تقفل الخيارات أمام المزارع المغربي”.
وأشار الناجي إلى الاستثمارات المباشرة في الإنتاج، مثل مشروع الأفوكادو لشركة “ميهادرين” (Mehadrin)، الذي ينقل “البصمة المائية” من الأراضي الصهيونية إلى المغرب لتجاوز حملات المقاطعة العالمية، مستفيدًا من المياه المغربية منخفضة التكلفة لتصدير المنتجات إلى السوق الأوروبية. وأوضح أن هذا “يخلق تبعية هيكلية ويحول المغرب إلى موقع إنتاج استراتيجي بدل أن يكون شريكًا متساويًا”.
ولفت الناجي إلى العواقب السلبية لهذا النموذج، موضحًا أن التعاون الزراعي مع الكيان الصهيوني يؤدي إلى “استنزاف الموارد المائية”، إذ يستهلك مشروع الأفوكادو وحده ما بين 2.5 و4 ملايين متر مكعب سنويًا، أي ما يعادل “استهلاك مدينة الدار البيضاء لمدة 134 يومًا”.
كما يؤدي إلى “القرصنة البيولوجية”، حيث يتم الاستيلاء على الموارد الوراثية المغربية، مثل تمر ‘المجهول’ وشجرة الأركان، وتحسينها وراثيًا في المختبرات الصهيونية، ما يحرم المغرب من تراثه ويحول هذه الموارد إلى “أدوات تنافس ضده في السوق العالمية”.
وأكد الناجي أن كل مدخل زراعي أساسي أصبح تحت سيطرة جهات أجنبية، مما يجعل “المغرب مجرد متلقي لتكنولوجيا يحدد أسعارها وقراراتها المورد الأجنبي”.
وأضاف أن التجارب المقارنة مع مصر والأردن تظهر نمطًا متكررًا من النهب والتبعية، بما في ذلك “إدخال بذور معدلة وأمراض زراعية وإغراق الأسواق بالمنتجات الأجنبية”، بعيدًا عن أي شراكة متوازنة.
وأشار الناجي إلى أن النتيجة النهائية لهذه الديناميكية هي “تآكل السيادة الغذائية للمغرب”، حيث لم تعد البلاد قادرة على تحديد سياساتها الزراعية أو السيطرة على مدخلاتها، بما في ذلك البذور ومعدات الري والأسمدة وحتى إنتاج سلاسل كاملة مثل الأفوكادو وتربية الأسماك.
وأضاف أن مثال الطماطم يظهر فقدان السيادة بوضوح، حيث يعتمد المغرب على “استيراد البذور الأساسية من الكيان الصهيوني بسعر مرتفع”، ليصبح منافسه الرئيسي في إنتاجها.
واختتم الناجي مداخلته بالتأكيد على أن استمرار هذا التغلغل يمثل “خطرًا استراتيجيًا وجوديًا”، وأن الحل يكمن في “إعادة توجيه السياسة الزراعية الوطنية لتلبية الاحتياجات المحلية، حماية الموارد المائية والوراثية، وتعزيز البحث والتطوير الوطني السيادي”، مشددًا على أن “الثقة في القدرات الوطنية هي الطريق الوحيد لضمان الأمن والسيادة الغذائية على المدى الطويل، بعيدًا عن التبعية شبه الاحتكارية للشركاء الأجانب”.